جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ آيَةً وَحُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ، وَجَعَلَ لَهَا شِرْبَ يَوْمٍ وَلَهُمْ شِرْبَ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. قُلْنَا: وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، بَلْ أَبْلَغَ; لِأَنَّ نَاقَةَ صَالِحٍ لَمْ تُكَلِّمْهُ وَلَمْ تَشْهَدْ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ شَهِدَ لَهُ الْبَعِيرُ النَّادُّ بِالرِّسَالَةِ، وَشَكَى إِلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنْ أَهْلِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ يُجِيعُونَهُ وَيُدْئِبُونَهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَعَزْوِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَا هُنَا وَهُوَ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَ ذَلِكَ حَدِيثَ الْغَزَالَةِ، وَحَدِيثَ الضَّبِّ، وَشَهَادَتَهُمَا لَهُ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَثَبَتَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ بِتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَكَذَلِكَ سَلَامُ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْمَدَرِ عَلَيْهِ حِينَ بُعِثَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، ﵇.
قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ، ﵀ وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ: وَأَمَّا خُمُودُ النَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ، ﵊، فَقَدْ خَمَدَتْ لِنَبِيِّنَا ﷺ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، لِمَوْلِدِهِ ﷺ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بِعْثَتِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ إِبْرَاهِيمَ لِمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسَافَةُ أَشْهُرٍ. كَذَا، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ
[ ٩ / ٣٢٨ ]
خُمُودِ نَارِ فَارِسَ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ الْكَرِيمِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ عِنْدَ ذَكَرِ الْمَوْلِدِ الْمُطَهَّرِ الْمُشَرَّفِ الْمُكَرَّمِ، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ.
ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي النَّارِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا ﷺ، مِنْهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ. قَالَ: تَنَبَّأَ الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَسْمَعُ. فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ، وَطُرِحَ فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تَضُرَّهُ. فَقِيلَ لَهُ: لَئِنْ تَرَكْتَ هَذَا فِي بِلَادِكَ أَفْسَدَهَا عَلَيْكَ. فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ. قَالَ: مَا فَعَلَ عَدُوُّ اللَّهِ بِصَاحِبِنَا الَّذِي حَرَقَهُ بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمَّ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، ﵇. وَهَذَا السِّيَاقُ الَّذِي أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ، ﵀، فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُوَبٍ فِي «تَارِيخِهِ»
[ ٩ / ٣٢٩ ]
مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيِّ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ ذِي الْخِمَارِ الْعَنْسِيَّ تَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ فَأَتَى بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَدَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، ثُمَّ أَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ فَأَلْقَى أَبَا مُسْلِمٍ فِيهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ، فَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ: انْفِهِ عَنْكَ وَإِلَّا أَفْسَدَ عَلَيْكَ مَنِ اتَّبَعَكَ. فَأَمَرَهُ، فَارْتَحَلَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَأَتَى الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَاخَ أَبُو مُسْلِمٍ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَامَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ، وَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَاهُ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي حَرَقَهُ الْكَذَّابُ بِالنَّارِ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ وَبَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمَّ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. قَالَ
[ ٩ / ٣٣٠ ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: فَأَنَا أَدْرَكْتُ رِجَالًا مِنَ الْأَمْدَادِ الَّذِينَ يُمَدُّونَ إِلَيْنَا مِنَ الْيَمَنِ; مِنْ خَوْلَانَ، رُبَّمَا تَمَازَحُوا فَيَقُولُ الْخَوْلَانِيُّونَ لِلْعَنْسِيِّينَ: صَاحِبُكُمُ الْكَذَّابُ حَرَقَ صَاحِبَنَا بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ.
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَوْلَانَ أَسْلَمَ، فَأَرَادَهُ قَوْمُهُ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَلْقَوْهُ فِي نَارٍ فَلَمْ يَحْتَرِقْ مِنْهُ إِلَّا أُنْمُلَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى يُصِيبُهَا الْوُضُوءُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ أُلْقِيتَ فِي النَّارِ فَلَمْ تَحْتَرِقْ. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَكَانُوا يُشَبِّهُونَهُ بِإِبْرَاهِيمَ، ﵇.
وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تُحَقِّقُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ الْمُطَهَّرَةَ الْمُقَدَّسَةَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مَوَاضِعَ السُّجُودِ». وَقَدْ نَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ بِدَارَيَّا مِنْ غَرْبِيِّ دِمَشْقَ، وَكَانَ لَا يَسْبِقُهُ أَحَدٌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ وَقْتَ الصُّبْحِ، وَكَانَ يُغَازِي فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَلَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِدَارَيَّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقَامُهُ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ رَجَّحَ أَنَّهُ مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: فِي أَيَّامِ ابْنِهِ
[ ٩ / ٣٣١ ]
يَزِيدَ، بَعْدَ السِّتِّينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحِوَارِيِّ مَعَ شَيْخِهِ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قِصَّةٌ تُشْبِهُ هَذَا، كَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِهِ» فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى أُسْتَاذِهِ أَبِي سُلَيْمَانَ يُعْلِمُهُ أَنَّ التَّنُّورَ قَدْ سَجَرُوهُ، وَأَهْلُهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، فَوَجَدَهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ وَهُمْ حَوْلَهُ، فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَعْلَمُهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَعْلَمُهُ مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ: اذْهَبْ فَاجْلِسْ فِيهِ. ثُمَّ تَشَاغَلَ بِالْحَدِيثِ مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَوْلَهُ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحِوَارِيِّ إِلَى التَّنُّورِ، فَجَلَسَ فِيهِ وَهُوَ يَتَضَرَّمُ نَارًا، فَكَانَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو سُلَيْمَانَ مِنْ كَلَامِهِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُومُوا بِنَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ، فَإِنِّي أَظُنُّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى التَّنُّورِ فَجَلَسَ فِيهِ امْتِثَالًا لِمَا أَمَرْتُهُ بِهِ، فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ جَالِسًا فِيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْمَعَالِي: وَأَمَّا إِلْقَاؤُهُ - يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، مِنَ الْمَنْجَنِيقِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ فِي وَقْعَةِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَأَنَّ أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ انْتَهَوْا إِلَى حَائِطٍ حَفِيرٍ فَتَحَصَّنُوا بِهِ وَأَغْلَقُوا
[ ٩ / ٣٣٢ ]
الْبَابَ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: ضَعُونِي عَلَى تُرْسٍ، وَاحْمِلُونِي عَلَى رُءُوسِ الرِّمَاحِ، ثُمَّ أَلْقُونِي مِنْ أَعْلَاهَا دَاخِلَ الْبَابِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، فَوَقَعَ وَقَامَ وَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى قَتَلَ عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَفَتَحَ الْبَابَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ سَبَبَ هَلَاكِ الْمُشْرِكِينَ وَقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ حِينَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَفِرُّونَ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: أَخْلِصْنَا يَا خَالِدُ. فَمَيَّزَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَصَمَّمُوا الْحَمْلَةَ وَجَعَلُوا يَتَذَامَرُونَ وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَلْجَأُوهُمْ إِلَى حَدِيقَةٍ هُنَالِكَ - وَتُسَمَّى حَدِيقَةُ الْمَوْتِ - فَتَحَصَّنُوا بِهَا، فَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، فَفَعَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ الْأَكْبَرَ، مَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهِ عَلَى تُرْسِهِ فَوْقَ الرِّمَاحِ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ أَعْلَى سُورِهَا، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ وَنَهَضَ سَرِيعًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَحْدَهُ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ فَتْحِ بَابِ الْحَدِيقَةِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ وَانْتَهَوْا إِلَى قَصْرِ مُسَيْلِمَةَ وَهُوَ وَاقِفٌ خَارِجَهُ عِنْدَ ثُلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقَ، أَيْ مِنْ سُمْرَتِهِ، فَابْتَدَرَهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْأَسْوَدُ قَاتِلُ حَمْزَةَ بِحَرْبَتِهِ، وَأَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ
[ ٩ / ٣٣٣ ]
الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ شَيْخُنَا هَذَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ - فَسَبَقَهُ وَحْشِيٌّ فَأَرْسَلَ الْحَرْبَةَ عَلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فَأَنْفَذَهَا مِنْهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَعَلَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، لَكِنْ صَرَخَتْ جَارِيَةٌ مِنْ فَوْقِ الْقَصْرِ تَنْدُبُ مُسَيْلِمَةَ، فَقَالَتْ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمُرَ مَسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، يَوْمَ قُتِلَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَهُوَ مِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵇.
وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ خُصَّ بِالْخُلَّةِ مَعَ النُّبُوَّةِ. قِيلَ: فَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ مُحَمَّدًا خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَالْحَبِيبُ أَلْطَفُ مِنَ الْخَلِيلِ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ، ﷿، صَاحِبَكُمْ، خَلِيلًا. هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ
[ ٩ / ٣٣٤ ]
فِي» الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، كَمَا سُقْتُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ، ﵁، وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ هُنَالِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَالْبَرَاءِ، وَجَابِرٍ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ﵃ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ خَلِيلٌ مِنْ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا. وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ.
وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ، وَخَلِيلِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَلِيلُ صَاحِبِكُمُ الرَّحْمَنُ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الضِّحَاكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
[ ٩ / ٣٣٥ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْجَنَّةِ تُجَاهَيْنِ، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَنَا مُؤْمِنٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ. غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، ﵀.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي» صَحِيحِهِ «: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ، ﷿، أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا اتِّخَاذُهُ حَبِيبًا فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِسْنَادِهِ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَقَدْ قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي كِتَابِهِ» الْمَبْعَثِ «: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْحَضْرَمِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ عَلَاقٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الْأَجَلَ الْمَرْقُومَ، وَأَخَذَنِي الْمُقْرُبَةَ، وَاحْتَضَرَنِي احْتِضَارًا، فَنَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِّيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَأَنَا سَيِّدُ
[ ٩ / ٣٣٦ ]
وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مَعِي لِوَاءَ الْحَمْدِ، تَحْتَهُ كُلُّ نَبِيٍّ وَصِدِّيقٍ وَشَهِيدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَأَجَارَنِي اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ ثَلَاثٍ; أَنْ لَا يُهْلِكَكُمْ بِسَنَةٍ، وَأَنْ لَا يَسْتَبِيحَكُمْ عَدُوٌّ، وَأَنْ لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ.
وَأَمَّا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ فَتَكَلَّمَ عَلَى مَقَامِ الْخُلَّةِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ الْخَلِيلُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التَّوْبَةِ: ١١٤]. مِنْ كَثْرَةِ مَا يَقُولُ: أَوْهِ. وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَالْمَحَبَّةِ. وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ الْعَطَاءِ، وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ انْتِظَارُ اللِّقَاءِ. وَيُقَالُ: الْخَلِيلُ الَّذِي يَصِلُ بِالْوَاسِطَةِ. مِنْ قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَامِ: ٧٥]. وَالْحَبِيبُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ إِلَيْهِ. مِنْ قَوْلِهِ: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النَّجْمِ: ٩]. وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشُّعَرَاءِ: ٨٢]. وَقَالَ اللَّهُ لِلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الْفَتْحِ: ٢]. وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشُّعَرَاءِ: ٨٧]. وَقَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التَّحْرِيمِ: ٨]. وَقَالَ الْخَلِيلُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الْأَنْفَالِ: ٦٤]. وَقَالَ الْخَلِيلُ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصَّافَّاتِ: ٩٩]. وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضُّحَى: ٧]. وَقَالَ
[ ٩ / ٣٣٧ ]
الْخَلِيلُ: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشُّعَرَاءِ: ٨٤]. وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْحِ: ٤]. وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إِبْرَاهِيمِ: ٣٥]. وَقَالَ اللَّهُ لِلْحَبِيبِ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الْأَحْزَابِ: ٣٣]. وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشُّعَرَاءِ: ٨٥]. وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرِ: ١]. وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أُخَرَ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي سَأَقُومُ مَقَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى أَبُوهُمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، إِذْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَهُ لَذَكَرَهُ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇، حُجِبَ عَنْ نَمْرُودَ بِحُجُبٍ ثَلَاثَةٍ. قِيلَ: فَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ، وَحُجِبَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَمَّنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ بِخَمْسَةِ حُجُبٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس: ٩]. فَهَذِهِ ثَلَاثٌ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الْإِسْرَاءِ: ٤٥]. ثُمَّ قَالَ: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨]. فَهَذِهِ خَمْسَةُ حُجُبٍ. وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَامِدٍ،
[ ٩ / ٣٣٨ ]
وَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ مِنَ الْآخَرِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ، وَالْحُجُبُ الَّتِي ذَكَرَهَا لِإِبْرَاهِيمَ، ﵇، لَا أَدْرِي مَا هِيَ، كَيْفَ وَقَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ الَّتِي نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهَا؟! وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحُجُبِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا جَمِيعَهَا مَعْنَوِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فُصِّلَتْ: ٥]. وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي» التَّفْسِيرِ «وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ وَفِي» التَّفْسِيرِ «أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ فِي ذَمِّهَا وَذَمِّ زَوْجِهَا، وَدُخُولِهِمَا النَّارَ، وَخَسَارِهِمَا، جَاءَتْ بِفِهْرٍ، وَهُوَ الْحَجَرُ الْكَبِيرُ الْمُسْتَطِيلُ; لَتَرْجُمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَانْتَهَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ: وَمَا لَهُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ هَجَانِي. فَقَالَ: وَمَا هَجَاكِ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَأَضْرِبَنَّهُ بِهَذَا الْفِهْرِ. ثُمَّ رَجَعَتْ وَهِيَ تَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا وَدِينَهُ قَلَيْنَا. وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ أَبِي جَهْلٍ حِينَ هَمَّ أَنْ يَطَأَ بِرِجْلِهِ رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَأَى خَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا عَظِيمًا، وَأَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ دُونَهُ، فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَهُوَ يَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: مَا لَكَ؟ وَيَحَكَ! فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:» لَوْ أَقْدَمَ لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا «. وَكَذَلِكَ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ
[ ٩ / ٣٣٩ ]
الْهِجْرَةِ وَقَدْ أَرْصَدُوا عَلَى مَدْرَجَتِهِ وَطَرِيقِهِ وَحَوَالَيْ بَيْتِهِ رِجَالًا يَحْرُسُونَهُ; لِئَلَّا يَخْرُجَ، وَمَتَى عَايَنُوهُ قَتَلُوهُ، فَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَجَعَلَ يَرُشُّ عَلَى رَأْسِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تُرَابًا وَيَقُولُ:» شَاهَتِ الْوُجُوهُ «. ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَرَوْهُ حَتَّى صَارَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ سَدَّ عَلَى بَابِ الْغَارِ; لِيُعَمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ.
وَفِي» الصَّحِيحِ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرْنَا. فَقَالَ:» يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟ «. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ:
نَسْجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الْغَا … رِ وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ
وَكَذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشَمٍ حِينَ اتَّبَعَهُمْ، بِسُقُوطِ قَوَائِمِ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ أَمَانًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الْهِجْرَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ فِي مُقَابَلَةِ إِضْجَاعِ إِبْرَاهِيمَ، ﵇، وَلَدَهُ لِلذَّبْحِ مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، بَذْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرَهُ حَتَّى نَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ مَا نَالُوا; مِنْ هَشْمِ رَأَسِهِ، وَكَسْرِ ثَنِيَّتِهِ الْيُمْنَى السُّفْلَى،
[ ٩ / ٣٤٠ ]
كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: قَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، ﵇، أَلْقَاهُ قَوْمُهُ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا. قُلْنَا: وَقَدْ أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ بِخَيْبَرَ سَمَّتْهُ الْخَيْبَرِيَّةُ، فَصُيِّرَ ذَلِكَ السُّمُّ فِي جَوْفِهِ بَرْدًا وَسَلَامًا إِلَى مُنْتَهَى أَجَلِهِ، وَالسُّمُّ يَحْرِقُ - إِذْ لَا يَسْتَقِرُّ فِي الْجَوْفِ - كَمَا تَحْرِقُ النَّارُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ. وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ سَرِيعًا مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَأَخْبَرَ ذِرَاعُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ السُّمِّ، وَكَانَ قَدْ نَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً، وَكَانَ السُّمُّ فِيهِ أَكْثَرَ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْهَمُونَ أَنَّهُ، ﵊، يُحِبُّ الذِّرَاعَ، فَلَمْ يَضُرَّهُ السُّمُّ الَّذِي حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ﷿، حَتَّى انْقَضَى أَجَلُهُ، ﵊، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ حِينَئِذٍ مِنْ أَلَمِ ذَلِكَ السُّمِّ الَّذِي كَانَ فِي تِلْكَ الْأَكْلَةِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ فَاتِحِ بِلَادِ الشَّامِ أَنَّهُ أُتِيَ بِسُمٍّ فَتَحَسَّاهُ بِحَضْرَةِ الْأَعْدَاءِ; لِيُرْهِبَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرَ بَأْسًا، ﵁.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَصَمَ نَمْرُودَ بِبُرْهَانِ نُبُوَّتِهِ فَبَهَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٨]. قِيلَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَتَاهُ الْمُكَذِّبُ بِالْبَعْثِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ بِعَظْمٍ بَالٍ فَفَرَكَهُ وَقَالَ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبُرْهَانَ السَّاطِعَ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩:] فَانْصَرَفَ مَبْهُوتًا بِبُرْهَانِ
[ ٩ / ٣٤١ ]
نُبُوَّتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْطَعُ لِلْحُجَّةِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى الْمَعَادِ بِالْبَدَاءَةِ، فَالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، كَمَا قَالَ: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١]. أَيْ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [الْأَحْقَافِ: ٣٣]. وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرُّومِ: ٢٧]. هَذَا وَأَمْرُ الْمَعَادِ نَظَرِيٌّ لَا فِطْرِيٌّ، ضَرُورِيٌّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فَأَمَّا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ فَإِنَّهُ مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ، فَإِنَّ وُجُودَ الصَّانِعِ مَذْكُورٌ فِي الْفِطَرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مَفْطُورٌ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا مَنْ تَغَيَّرَتْ فِطْرَتُهُ، فَيَصِيرُ نَظَرِيًّا عِنْدَهُ، وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَجْعَلُ وُجُودَ الصَّانِعِ مِنْ بَابِ النَّظَرِ لَا الضَّرُورِيَّاتِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَدَعْوَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُمِيتُ لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُكَذِّبُهُ بِعَقْلِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَلْزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ بِالْإِتْيَانِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٨]. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكُرَ مَعَ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَلَّطَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى هَذَا الْمُعَانِدِ لَمَّا بَارَزَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَتَلَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ; طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ فَأَصَابَ تَرْقُوَتَهُ فَتَدَأْدَأَ عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا، فَقَالُوا لَهُ: وَيَحَكَ مَا لَكَ؟! فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ بِي لَمَا لَوْ كَانَ بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ، أَلَمْ يَقُلْ:» بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ؟ «وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي. وَكَانَ أُبَيٌّ هَذَا،
[ ٩ / ٣٤٢ ]
لَعَنَهُ اللَّهُ، قَدْ أَعَدَّ فَرَسًا وَحَرْبَةً لِيَقْتُلَ بِهَا عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:» بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ «. فَكَانَ كَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ، ﵇، كَسَرَ أَصْنَامَ قَوْمِهِ غَضَبًا لِلَّهِ. قِيلَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَسَرَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا نُصِبَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِنَّ فَتَسَاقَطْنَ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا قَدْ أَلْزَقَهَا الشَّيْطَانُ بِالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَكَانَ كُلَّمَا دَنَا مِنْهَا بِمِخْصَرَتِهِ تَهْوِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهَا، وَيَقُولُ:» جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا «. فَتَسَاقَطُ لِوُجُوهِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِنَّ فَأُخْرِجْنَ إِلَى الْمَسِيلِ، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَجْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ مِنَ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ أَنَّ الْأَصْنَامَ تَسَاقَطَتْ أَيْضًا لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ الْكَرِيمِ، وَهَذَا أَبْلَغُ وَأَقْوَى فِي الْمُعْجِزِ مِنْ مُبَاشَرَةِ كَسْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَارَ فَارِسَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا خَمَدَتْ أَيْضًا لَيْلَتَئِذٍ، وَلَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ شُرُفَاتِ قَصْرِ كِسْرَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً، مُؤْذِنَةً بِزَوَالِ دَوْلَتِهِمُ الْكَافِرَةِ بَعْدَ هَلَاكِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ
[ ٩ / ٣٤٣ ]
مُلُوكِهِمْ فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْمُلْكِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ.
وَأَمَّا إِحْيَاءُ الطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ، ﵇، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَلَا ابْنُ حَامِدٍ، وَسَيَأْتِي فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ عِيسَى، ﵇، مَا وَقَعَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ مَا هُوَ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ; مِنْ إِحْيَاءِ أَمْوَاتٍ بِدَعَوَاتٍ مِنْ أَمَتِّهِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ وَالْمَدَرِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيمِ الذِّرَاعِ لَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَامِ: ٧٥]. وَالْآيَاتُ بَعْدَهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الْإِسْرَاءِ: ١]. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَمِنَ» التَّفْسِيرِ «مَا شَاهَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ مَا عَايَنَ مِنَ الْآيَاتِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَجَنَّةِ الْمَأْوَى، وَالنَّارِ الَّتِي هِيَ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَالْمَثْوَى. وَقَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي حَدِيثِ الْمَنَامِ - وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَغَيْرُهُمَا -:» فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ «.
وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي مُقَابَلَةِ ابْتِلَاءِ اللَّهِ يَعْقُوبَ، ﵇، بِفَقْدِ وَلَدِهِ
[ ٩ / ٣٤٤ ]