أَنْصَافِ مَنَازِلِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَضْعِ الْخَرَاجِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: وَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ حِمْصُ وَبَعْلَبَكُّ صُلْحًا عَلَى يَدَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ. قَالَ خَلِيفَةُ: وَيُقَالُ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَقْعَةُ فِحْلٍ، بِكَسْرِ الْفَاءِ، قِيلَ: وَالْحَاءُ. وَالصَّحِيحُ تَسْكِينُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ سِيَاقَ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ يَزِيدَ بْنِ أَسِيدٍ الْغَسَّانِيِّ وَأَبِي حَارِثَةَ الْعَبْشَمِيِّ قَالَا: خَلَّفَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِي خَيْلِهِ فِي دِمَشْقَ، وَسَارُوا نَحْوَ فِحْلٍ، وَعَلَى النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِالْغَوْرِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، فَوَصَلُوا إِلَى فِحْلٍ، وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْغَوْرِ، وَقَدِ انْحَازَ الرُّومُ إِلَى بَيْسَانَ، وَأَرْسَلُوا مِيَاهَ تِلْكَ الْأَرَاضِي عَلَى مَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَرَاضِي، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا
[ ٩ / ٥٨٩ ]
هُمْ فِيهِ مِنْ مُصَابَرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَمَا صَنَعَهُ الرُّومُ مِنْ تِلْكَ الْمَكِيدَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ وَمَدَدٍ كَثِيرٍ، وَهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَمِيرُ هَذَا الْحَرْبِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَهُوَ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، فَرَكِبُوا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لِيُبَيِّتُوهُمْ، وَعَلَى الرُّومِ سِقْلَابُ بْنُ مِخْرَاقَ، فَهَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ; لِأَنَّهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ دَائِمًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى الصَّبَاحِ وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ فَرَّ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ سِقْلَابُ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ وَأَسْلَمَتْهُمْ هَزِيمَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْوَحْلِ الَّذِي كَانُوا قَدْ كَادُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَغَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ مَا قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَلْفًا، لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَمَالًا جَزِيلًا، وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُيُوشِ نَحْوَ حِمْصَ، كَمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْأُرْدُنِّ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، فَسَارَ شُرَحْبِيلُ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَحَاصَرَ بَيْسَانَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَتْ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو الْأَعْوَرِ السَّلَمِيُّ بِأَهْلِ طَبَرِيَّةَ سَوَاءً.