لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَحْضَرُوهُ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَانِ فَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ الْوَزِيرُ أَبُو مَنْصُورٍ ابْنُ جَهِيرٍ، ثُمَّ أُخِذَتْ
[ ١٦ / ١٤١ ]
الْبَيْعَةُ لَهُ مِنَ الْمَلِكِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بَرْكْيَارُوقَ ابْنِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ ثُمَّ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَصَلَّى عَلَى الْخَلِيفَةِ الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ حَضَرَ الْغَزَّالِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَبَايَعُوهُ يَوْمَ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فَصِيحًا بَلِيغًا شَاعِرًا مُطَبِّقًا، وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَذَابَ حَرُّ الْجَوَى فِي الْقَلْبِ مَا خَمَدَا … يَوْمًا مَدَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْوَدَاعِ يَدَا
فَكَيْفَ أَسْلُكُ نَهْجَ الِاصْطِبَارِ وَقَدْ … أَرَى طَرَائِقَ فِي مَهْوَى الْهَوَى قِدَدَا
قَدْ أَخْلَفَ الْوَعْدَ بَدْرٌ قَدْ شَغِفْتُ بِهِ … مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ وَفَى دَهْرًا بِمَا وَعَدَا
إِنْ كُنْتُ أَنْقُضُ عَهْدَ الْحُبِّ فِي خَلَدِي … مِنْ بَعْدِ هَذَا فَلَا عَايَنْتُهُ أَبَدَا
وَفَوَّضَ الْمُسْتَظْهِرُ أُمُورَ الْخِلَافَةِ إِلَى وَزِيرِهِ أَبِي مَنْصُورٍ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ ابْنِ جَهِيرٍ فَدَبَّرَهَا لَهُ أَحْسَنَ تَدْبِيرٍ وَمَهَّدَ الْأُمُورَ أَتَمَّ تَمْهِيدٍ وَسَاسَ الرَّعَايَا وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْوُزَرَاءِ.
وَفِي ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ عَزَلَ الْخَلِيفَةُ أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ عَنِ الْقَضَاءِ وَفَوَّضَهُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ فَأُحْرِقَتْ مَحَالٌّ كَثِيرَةٌ وَقُتِلَ نَاسٌ كَثِيرُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِاخْتِلَافِ السَّلَاطِينِ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ لِلسُّلْطَانِ بَرْكَيَارُوقَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ بَعْدَ مَا عَلَّمَ عَلَى تَوْقِيعِهِ.
[ ١٦ / ١٤٢ ]