قال الله تعالى (واذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقا نبيا … ورفعناه مكانا عليا) (^٤) فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب. وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث ﵉ … وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين (^٥). وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " … ويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة (^٦) ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء
_________________
(١) قال المسعودي في مروجه ١/ ٣٣: توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه، وكان عمره ﵇ تسعماية سنة وثلاثون سنة.
(٢) في الطبري: نسابو الفرس يسمونه أو شهنج وهو أول من استنبط الحديد ١/ ٨٤.
(٣) في الطبري والمسعودي أخنوخ; الترجمة العربية لخنوخ اسمه في التوراة بالعبرية.
(٤) سورة مريم الآية ٥٦.
(٥) جاء في الطبري: رواية أهل التوراة وكان عمره إلى أن رفع ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة. وعند المسعودي ثلاث مائة سنة.
(٦) قال القفطي في تاريخ الحكماء: اختلف الحكماء في مولده ومنشئه وعمن أخذ العلم قبل النبوة. فقالت فرقة: ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة، ومولده بمنف; وباليونانية أرميس وعرب بهرمس ومعنى أرميس عطارد. وقال آخرون اسمه باليونانية طرميس .. وسماه الله في كتابه المبين " إدريس " وقال هؤلاء أن معلمه اسمه الغوثا ذيمون، المصري، وسموه أيضا أورين الثاني وإدريس عندهم أورين الثالث. وقالوا: وخرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها، بعد ٨٢ سنة من عمره. وقالت فرقة إن إدريس ولد ببال ولها نشأ وأخذ بعلم شيث بن آدم وقال الشهرستاني: ان اغثاذيمون هو شيث. مراجعة النجار: قصص الأنبياء ص ٢٥.
[ ١ / ١١١ ]
والحكماء والأولياء … وقوله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله ﷺ مر به وهو في السماء الرابعة … وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس (ورفعناه مكانا عليا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه اني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال [له]: ان الله أوحى إلي وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب (^١) بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك فذلك قول الله ﷿ (ورفعناه مكانا عليا).
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها … وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر … وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم … وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (ورفعناه مكانا عليا) رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد … وقال الحسن البصري (ورفعناه مكانا عليا) قال إلى الجنة … وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم … وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك
_________________
(١) في قصص الأنبياء لابن كثير: يا للعجب!
[ ١ / ١١٢ ]
بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: أنه لما مر به ﵇ قال له: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال (^١) له … وهذا لا يدل ولابد لأنه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا. أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
قصة نوح ﵇ (^٢)
هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇ (^٣).
كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير وغيره. وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم مكلم. قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام … فإن كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الاسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام … وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم.
وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى (وكم أهلكنا من القرون من بعد
_________________
(١) في قصص ابن كثير: قالا; والخبر رواه ابن عساكر في تاريخه (١/ ٣٨٢ تهذيب).
(٢) ورد ذكر نوح في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم في: آل عمران ٢٣، النساء ١٦٣، الانعام ٨٤، الأعراف ٥٩ - ٦٩، التوبة ٧٠، يونس ٧١، هود ٢٥ -
(٣) ٣٦ - ٤٢ - ٤٥ - ٤٦ - ٤٨ - ٨٩، إبراهيم ٩، الاسراء ٣ - ١٧، مريم ٥٨، الأنبياء ٧٦، الحج ٤٢،، المؤمنون ٢٣، الفرقان ٣٧، الشعراء ١٠٥ - ١٠٦ - ١١٦، العنكبوت ١٤، الأحزاب ٧، الصافات ٧٥ - ٧٩ ص ١٢، غافر ٥ - ٣١، الشورى ١٣، ق ١٢، الذاريات ٤٦، النجم ٥٢، القمر ٩، الحديد ٢٦، التحريم ١٠، نوح ١ - ٢١ - ٢٦.
(٤) قال في قصص الأنبياء: أشك كثيرا في نسق هذا النسب لأني أعتقد أن بين نوح وآدم أكثر من ذلك.
[ ١ / ١١٣ ]
نوح) [الاسراء: ٣٧] وقوله (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) وقال تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) (^١) وقال (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) [مريم: ٧٤] وكقوله ﵇ (خير القرون قرني) الحديث. فقد كانا الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة … فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم.
وبالجملة فنوح ﵇ إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة … وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة. وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة. حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز … ففي الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصفات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة … فقال في سورة الأعراف (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قال الملا من قومه انا لنراك في ضلال مبين. قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون. أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون. فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [الأعراف: ٥٩ - ٦٤] وقال في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. فان توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) (^١) وقال تعالى في سورة هود (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين … أن لا تعبدوا الا الله أني أخاف عليكم عذاب يوم أليم … فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين … قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ان أجري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله أن طردتهم أفلا تذكرون … ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم
_________________
(١) سورة يونس الآيات ٧١ - ٧٣.
[ ١ / ١١٤ ]
الغيب ولا أقول اني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين … قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين … قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين … ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون … أم يقولون افتراه قل ان افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون … وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون … واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون … ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون … فسوف تعلمون … من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم … حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل … وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم … وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين … قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكانا من المغرقين … وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين … ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين … قال يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين … قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين … قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم … تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة للمتقين) [هود: ٢٥ - ٤٩] وقال تعالى في سورة الأنبياء (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧].
وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون. فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين … ان هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين … قال رب انصرني بما كذبون … فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون … فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين … وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين … ان في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) [المؤمنون: ٢٣ - ٣٠].
[ ١ / ١١٥ ]
وقال تعالى في سورة الشعراء ﴿كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون. قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. قال وما علمي بما كانوا يعملون. إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين. إن أنا إلا نذير مبين. قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين. قال رب إن قومي كذبون. فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين. فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٢٢]
وقال تعالى في سورة العنكبوت (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [العنكبوت: ١٤ - ١٥]
وقال تعالى في سورة الصافات (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. ونجيناه وأهله من الكرب العظيم. وجعلنا ذريته هم الباقين. وتركنا عليه في الآخرين. سلام على نوح في العالمين. إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين) [الصافات: ٧٥ - ٨٢]
وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر. فدعا ربه اني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. ولقد تركناها آية فهل من مدكر. فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: ٩ - ١٧] وقال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم انا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم. قال يا قوم إني لكم نذير مبين … أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون … قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا. وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا … ثم إني دعوتهم جهارا. ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا … فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا … يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا … ما لكم لا ترجون لله وقارا … وقد خلقكم أطوارا … ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا … والله أنبتكم من الأرض نباتا … ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا … والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا … قال نوح رب
[ ١ / ١١٦ ]
انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا … وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا … مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا … وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا … إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) [نوح السورة بتمامها].
وقد تكلمنا على كل موضع من هذه [السورة] في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الأماكن المتفرقة ومما دلت عليه الأحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء: " (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا … ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما … رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) [النساء: ١٦٣ - ١٦٥] وقال في سورة الأنعام (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم … ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين … وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين … وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين … ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) [الانعام: ٨٣ - ٨٧] الآيات.
وتقدمت قصته في الأعراف.
وقال في سورة براءة (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [التوبة: ٧٠] وتقدمت قصته في يونس وهود.
وقال في سورة إبراهيم (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) [إبراهيم: ٩].
وقال في سورة سبحان (ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا) [الاسراء: ٣] وقال فيها أيضا (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) [الاسراء: ١٧] وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت.
[ ١ / ١١٧ ]
وقال في سورة الأحزاب (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [الأحزاب: ٧] وقال في سورة صلى الله عليه وآله (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب. ان كل الا كذب الرسل فحق عقاب) [ص: ١١ - ١٣] وقال في سورة غافر (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب. وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) [غافر: ٥ - ٦] وقال في سورة الشورى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه … الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [الشورى: ١٣] وقال تعالى في سورة (ق) (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) [ق: ١٣ - ١٤] وقال في الذاريات (وقوم نوح من قبل انهم كانوا قوما فاسقين) [الذاريات: ٤٦] وقال في النجم (وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم وأطغى) [النجم: ٥٢] وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة.
وقال تعالى في سورة الحديد (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) [الحديد: ٢٦] وقال تعالى في سورة التحريم (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [التحريم: ١٠].
وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام رواه البخاري … وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف … ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا. ولا يغوث ويعوق نسرا) [نوح: ٢٣] قال: (هذه) أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون (فيها) أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد … وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم
[ ١ / ١١٨ ]
الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم … وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله. قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا: نعم. فصور لهم مثله. قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه. قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به. قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله " ود " الصنم الذي سموه ودا.
ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس … وقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله ﷿ … ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرناها في مواضعها من كتابنا التفسير. ولله الحمد والمنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها (^١) بأرض الحبشة، يقال لها مارية فذكرنا من حسنها وتصاوير فيها قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله ﷿ " (^٢).
والمقصود أن الفساد لما انتشر في الأرض وعن البلاء بعبادة الأصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا ﵇ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان
_________________
(١) قوله رأينها بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان، أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة. (القسطلاني).
(٢) فتح الباري ٨/ ٤٨/ ٤٢٧، ٤٣٤. ومسلم في صحيحه. وأخرجه النسائي في سننه وأحمد في مسنده (٦/ ٥١ حلبي).
[ ١ / ١١٩ ]
أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال: " فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول ربي قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله. ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك ﷿؟ فيقول ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي " (^١). وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح.
فلما بعث الله نوحا ﵇ دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) [الصافات: ٧٧] وقال فيه وفي إبراهيم (وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [الحديد: ٢٦] أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته. وكذلك إبراهيم قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: ٣٦] وقال تعالى (واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال نوح لقومه (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقال (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) وقال (يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون) وقال (يا قوم اني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون … قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم اني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا. فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا … يرسل السماء عليكم مدرارا … ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا … ما لكم لا ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوارا) الآيات الكريمات.
فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والاجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، والبخاري. وأبو داود والترمذي وأحمد في مسنده ٢/ ٣٩٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
الأصنام والأوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم (قال الملا من قومه) أي السادة الكبراء منهم (انا لنراك في ضلال مبين. قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) أي لست كما تزعمون من أني ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين أي الذي يقول للشئ كن فيكون (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) [الأعراف: ٦٠ - ٦٢] وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا أي فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله ﷿. وقالوا له فيما قالوا: (ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) [هود: ٢٧] تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم (^١) … وقد قيل: إنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل (^٢) وما ذاك إلا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم: (بادئ الرأي) (^٣) أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه ﵃ فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر. ولهذا قال رسول الله ﷺ ما دحا للصديق: " ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية، لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة ﵃. ولهذا قال رسول الله ﷺ لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه. وقال: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " ﵁. وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به. (وما نرى لكم علينا من فضل) [هود: ٢٧] أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان ولا مزية علينا (بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [هود: ٢٨].
وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة إلى الحق كما قال تعالى: (فقولا له قولا
_________________
(١) أرادوا: اخساؤهم وسقطهم وسفلتهم. قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم والخسيسو الصناعات. قال القرطبي: الأراذل هنا: الفقراء والضعفاء.
(٢) قال العلماء: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة عن الاشراف. وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع. فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا. (انظر أحكام القرطبي ج ٩/ ٢٣).
(٣) بادي الرأي أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك وقال أبو عمرو بادئ الرأي بالهمز: أي أول الرأي: أي اتبعوك حين ابتدأوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك.
[ ١ / ١٢١ ]
لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه: ٤٤] وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: ١٢٥] وهذا منه يقول لهم (أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) أي النبوة والرسالة (^١) (فعميت عليكم) أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها (أنلزمكموها) أي أنغضبكم بها ونجبركم عليها (^٢) (وأنتم لها كارهون) أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وأبقى مما تعطونني أنتم. وقوله (وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون) كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال (انهم ملاقوا ربهم) أي فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله ﷿ ولهذا قال (ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون) ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله ﷺ أن يطرد عنه ضعفاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الانعام والكهف (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) أي بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما أقدرني عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) يعني من أتباعه (لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم اني إذا لمن الظالمين) [هود: ٣١] أي لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قالوا في المواضع الاخر (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. قال وما علمي بما كانوا يعملون. ان حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين ان أنا إلا نذير مبين) [الشعراء: ١١١].
وقد تطاول الزمان والمجادلة (^٣) بينه وبينهم كما قال تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) [العنكبوت: ١٤] أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما انقرض جبل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به ومحاربته ومخالفته … وكان
_________________
(١) وقيل الهداية إلى الله بالبراهين، وقيل بالايمان والاسلام. وقال الرازي في تفسيره الكبير: المراد بتلك الرحمة: إما النبوة، وإما المعجزة الدالة على النبوة. ج ١٧/ ٢١٣.
(٢) جاء في أحكام القرطبي: قيل شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الهاء ترجع إلى الرحمة، وقيل إلى البينة، أي أنلزمكم قبولها؟ وهو استفهام بمعنى الانكار، أي لا يمكنني أن اضطركم إلى المعرفة بها; وقصد نوح بهذا القول أن يرد عليهم. ج ٩/ ٢٥ - ٢٦.
(٣) الجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة. قال في أحكام القرآن: والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق; فمن قبله الحج وأفلح، ومن رده خاب. وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم. ٩/ ٢٨.
[ ١ / ١٢٢ ]
الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الايمان واتباع الحق ولهذا قال (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) ولهذا قالوا (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين … قال إنما يأتيكم به الله ان شاء وما أنتم بمعجزين) [هود: ٣٢: ٣٣] أي إنما يقدر على ذلك الله ﷿ فإنه الذي لا يعجزه شئ ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشئ كن فيكون (ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) [هود: ٣٤] أي من يزد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية. وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة (وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن) [هود: ٣٦] تسلية له عما كان منهم إليه (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) وهذه تعزية لنوح ﵇ في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن أي لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب والنبأ عجيب (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون) [هود: ٣٧] وذلك أن نوحا ﵇ لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون. ونجيناه وقومه من الكرب العظيم) [الصافات: ٧٥]. وقال تعالى (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) [الأنبياء: ٧٦]. وقال تعالى (قال رب ان قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين) [الشعراء: ١١٧] وقال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) [القمر: ١٠] وقال تعالى (قال رب انصرني بما كذبون) [المؤمنون: ٣٩] وقال تعالى (مما خطيئاتهم أغرفوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا. وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفار) [نوح: ٢٥ - ٢٧] فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها. وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال (ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه) [هود: ٣٨] أي يستهزئون به استبعادا لوقوع ما توعدهم به (قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون) [هود: ٣٨] أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) [هود: ٣٩] وقد
[ ١ / ١٢٣ ]
كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول. كما قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ: " يجئ نوح ﵇ وأمته فيقول الله ﷿ هل بلغت فيقول: نعم أي رب. فيقول لامته: هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ " (^١) وهو قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة: ١٤٣] والوسط العدل. فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه * وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم. كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال سالم: قال ابن عمر: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله. ثم ذكر الدجال فقال: " إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه. لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور " وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه إنه أعور وانه يجئ معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه " (^٢) لفظ البخاري.
وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين (^٣) سنة فالله أعلم … قال محمد بن إسحاق عن الثوري وكانت من خشب الساج … وقيل من الصنوبر. وهو نص التوراة. قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقار وان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء … وقال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الذي في التوراة على ما رأيته.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه ٦٠/ ٣/ ٣٣٣٩ فتح الباري. ورواه أحمد في مسنده ٣/ ٣٢ ورواه السيوطي في الفتح الكبير وقال: رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي.
(٢) الحديث رواه مسلم في كتاب الفتن ٥٢/ ح ١٠٩/ ٢٩٣٦ والبخاري ح رقم ١٥٧٧ عن أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(٣) قال الرازي في تفسيره: قيل اتخذها في سنتين (عن ابن عباس كما عند القرطبي) وقيل في أربع سنين. وقال كعب، كما عند القرطبي، بناها في ثلاثين سنة، وقال ابن العربي: عملها في أربعين سنة. التفسير الكبير - أحكام القرآن ٩/ ٣١.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلاثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع. وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع. قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات. كل واحدة عشرة أذرع. فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.
قال الله تعالى (قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) [المؤمنون: ٢٦ - ٢٧] أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعتها (فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) [المؤمنون ٢٧] فتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيره لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي إلا من كان كافرا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل.
والمراد بالتنور (^١) عند الجمهور وجه الأرض أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار. وعن ابن عباس التنور عين في الهند وعن الشعبي بالكوفة وعن قتادة بالجزيرة … وقال علي بن أبي طالب المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر أي إشراقه وضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب … وقوله تعالى (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) [هود: ٤٠] هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين وفي كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق (اثنين) إن جعلنا ذلك مفعولا به. وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي والله أعلم.
وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدرة (^٢) وآخر ما دخل من
_________________
(١) قال الليث: التنور: لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار. وقال الأزهري: هذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا. وتنور على بناء فعل لان أصل بنائه تنر وليس في كلام العرب نون قبل راء. قاله صاحب أحكام القرآن وفي هامشه ورد: زنره: ملأه، وتزنر: دق والسنر: شراسة الخلق، وشنر عليه: عابه.
(٢) قال ابن عباس: أول ما حمل: الأوزة. والدرة: قال الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى هي: الببغاء المتقدمة وهو طائر لونه أخضر وهو في قدر الحمام يتخذها الناس للانتفاع بصوتها. ١/ ١٩٠ - ٥٩٢.
[ ١ / ١٢٥ ]
الحيوانات الحمار … ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الأسد فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الأرض … ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة (^١) تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها " هذا مرسل … وقوله (وأهلك إلا من سبق عليه القول) أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام (^٢) الذي غرق كما سيأتي بيانه (ومن آمن) أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك قال الله تعالى (وما آمن معه إلا قليل) هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ودعوتهم الأكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى.
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا. وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنه الأربع بامرأة يام الذي انخزل وانعزل وسلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل. وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال (ونجني ومن معي من المؤمنين) وقيل كانوا سبعة وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم حام وسام ويافث ويام وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذي قد غرق وعابر وقد ماتت قبل الطوفان. قيل إنها غرقت مع من غرق وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة والظاهر الأول قوله (لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) قال الله تعالى (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) [المؤمنون: ٢٨ - ٢٩] أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه وأقر عينه ممن خالفه وكذبه كما قال تعالى (الذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [الزخرف: ١٢ - ١٤]. وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور أن يكون على الخبر والبركة وأن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى
_________________
(١) الفويسقة: الفأرة وقيل سميت فويسقة لخروجها على الناس واغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد. (الدميري ٢/ ٣٩٩).
(٢) في أحكام القرطبي: كنعان وامرأته واعلة. وفي الطبري: كنعان وهو الذي تسميه العرب يام وهو الذي غرق في الطوفان.
[ ١ / ١٢٦ ]
لرسوله ﷺ حين هاجر (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) [الاسراء: ٨٠] وقد امتثل نوح ﵇ هذه الوصية (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم) [هود ٤١] أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه (إن ربي لغفور رحيم) أي وذو عقاب أليم مع كونه غفورا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره. قال الله تعالى (وهي تجري بهم في موج كالجبال). وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده كان كأفواه القرب وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر) [القمر: ١٠ - ١٣]. والدسر السائر (^١) (تجري بأعيننا) أي بحفظنا وكلا أتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب (^٢) في حساب القبط. وقال تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) أي السفينة (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) [الحاقة: ١١] قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا وعم جميع الأرض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها. ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الاحياء عين تطرف. ولا صغير ولا كبير.
قال الامام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملأوا السهل والجبل … وقال عبد الرحمن (^٣) بن زيد بن أسلم (لم تكن بقعة في الأرض إلا ولها مالك وحائز) رواهما ابن أبي حاتم (ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) [هود: ٤٢ - ٤٣] وهذا الابن هو يام أخو سام وحام ويافث … وقيل اسمه كنعان.
_________________
(١) في قصص الأنبياء لابن كثير: المسامير. وهو قول قتادة والقرظي وابن زيد وابن جبير. وقال الحسن وعكرمة: هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج لأنها تدسر الماء أي تدفعه. وقال ابن عباس: الدسر كلكل (صدر السفينة). وقال الليث: خيط من ليف تشد به ألواح السفينة واحده الدسار. وفي الصحاح: خيوط. وفي الطبري: مسامير الحديد.
(٢) تاريخ الطبري ج ١/ ٩٦ دار القاموس; لعشر ليال مضين من رجب كما في الطبري والكامل. وعند المسعودي لتسع عشرة ليلة خلت من آذار.
(٣) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني، العدوي مولاهم، ضعيف من الثامنة مات سنة ١٨٢ له تفسير (تقريب التهذيب ١/ ٤٨٠. الكاشف ٢/ ١٤٦).
[ ١ / ١٢٧ ]
وكان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك هذا، وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين والمذهب (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) [هود: ٤٤] أي لما فرغ من أهل الأرض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله ﷿ أمر الله الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (وغيض الماء) أي نقص (^١) عما كان (وقضى الامر) أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم. (وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة والمغفرة كما قال تعالى (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوما عمين) [الأعراف: ٦٤] وقال تعالى (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) [يونس: ٧٣] وقال تعالى (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) [الأنبياء: ٧٧] وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. ثم أغرقنا بعد الباقين. ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وان ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: ١١٩ - ١٢٢] وقال تعالى (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) وقال تعالى (ثم أغرقنا الآخرين) وقال (ولقد تركناها آية فهل من مدكر. فكيف كان عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: ١٥ - ١٧] وقال تعالى (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا. وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) [نوح: ٢٥ - ٢٧] وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته فلم يبق منهم عين تطرف.
وقد روى الامامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب ابن محمد الزهري عن قائد مولى عبد الله بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة اخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: " فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي " قال رسول الله ﷺ: " مكث نوح ﵇ في قومه ألف سنة - يعني إلا خمسين عاما - وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر كيف تجري قال سوف تعلمون … فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا خرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل. فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " … وهذا حديث غريب … وقد روي عن كعب الأحبار
_________________
(١) وغيض الماء: يقال غاض الشئ وغضته أنا، في المصباح المنير: غاض: نضب أي ذهب في الأرض.
[ ١ / ١٢٨ ]
ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة (^١) … وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفا متلقى عن مثل كعب الأحبار والله أعلم.
والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ويقال بن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشده بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزئ به … ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها … ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول.
اما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الايمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا. وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعي الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا.
وأما المنقول فقد قال الله تعالى (ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) [نوح: ٢٦]. ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ".
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) [النجم: ٤] أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم اخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة.
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها
ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر
عن عوج بن عناق إلا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء والله أعلم.
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده (^٢) وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام
_________________
(١) رواه الطبري في تاريخه ١/ ٩٠، ونقله القرطبي في أحكام القرآن قال: وحكي انه لما كثر الماء … وذكر القصة ٩/ ٤١.
(٢) قال تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب أن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) [هود: ٤٥] وكان نوح يعتقد في ظنه انه مؤمن، وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الايمان، فأوحى الله إليه: يا نوح انه ليس من أهلك ولا من خاصة عشيرتك فقد سبقت له الشقاوة وحقت عليه كلمة الكفر. فإياك بعدها أن تسألني عن شئ لا تعلمه أو تجادلني في أمر لا تدركه: (إني أعظك أن تكون من الجاهلية) [سورة هود ٤٦]
[ ١ / ١٢٩ ]
والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الاقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الايمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان … ثم قال تعالى (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [هود: ٤٨] هذا أمر لنوح ﵇ لما نضب الماء عن وجه الأرض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي … وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال (بسلام منا وبركات) أي أهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم من سيولد بعد أي من أولادك فان الله لم يجعل لاحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح ﵇ قال تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم " سام وحام ويافث.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب (^١)، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﷺ قال: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه.
وقال الشيخ أبو عمرو بن عبد البر وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ مثله. قال والمراد بالروم هنا الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ … ثم روى من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: " ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم. وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر " قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم. وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا
_________________
(١) الخبر رواه ابن سعد في ١/ ٤٢ وفيه عبد الوهاب بن عطاء العجلي، وأحمد في مسنده ٥/ ٨ وقال السيوطي في الفتح: رواه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند والترمذي عن سمرة. والطبري ١/ ١٠٦ من طريق عثمان بن سعيد عن عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
[ ١ / ١٣٠ ]
خير فيهم … وولد لحام القبط والبربر والسودان " (^١) ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا إلا من هذا الوجه. تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه. ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد. قلت وهذا الذي ذكره أبو عمرو وهو المحفوظ عن سعيد قوله … وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم … ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه … وقد قيل إن نوحا ﵇ لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد إلا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل الطوفان … والصحيح ان الأولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة … وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان … وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وأن يكون أولاده عبيدا لاخوته.
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال (قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا. قالوا الله ورسوله أعلم. قال هذا كعب (^٣) حام بن نوح. وقال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه [و] قد شاب … فقال له عيسى ﵇ هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال حدثنا عن سفينة نوح. قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الانس وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى كيف علم نوح ﵇ أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها (^٤) فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت. قال فقالوا: (^٥) يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا
_________________
(١) رواه الطبري ١/ ١٠٦ وابن سعد في الطبقات ١/ ٤٢ - ٤٣.
(٢) تاريخ الطبري ١/ ٩١.
(٣) في الطبري: قبر.
(٤) في الطبري: برجليها.
(٥) في الطبري: فقال الحواريون.
[ ١ / ١٣١ ]
قال كيف يتبعكم من لا رزق له. قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا) وهذا أثر غريب جدا.
وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما (^١) وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين (^٢) يوما ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح ﵇ الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب (^٣) فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودي شهرا. وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم … وقد روى ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك.
وقال الإمام أحمد حدثا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال (مر النبي ﷺ بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: " ما هذا الصوم؟ فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح وموسى ﵉ شكرا لله ﷿ فقال النبي ﷺ: " انا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، [فأمن أصحابه بالصوم] وقال لأصحابه: " من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه " (^٤). وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم. وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالإثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شئ وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني إسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحا على وجه الأرض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك [على الجودي] فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السبع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال … فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي
_________________
(١) عند الطبري ستة أشهر; وفي الكامل: كان بين إرسال الماء وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال.
(٢) عند الطبري والكامل: أسبوعا.
(٣) في المسعودي: يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من آذار; وفي الطبري والكامل فكالأصل.
(٤) مسند أحمد ج ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠ وما بين معكوفين من المسند ج ٥/ ٣٥٩ عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٣٢ ]
صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض … ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن ارسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين، برر وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك … وهذا الذي ذكره ابن إسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب … قال ابن إسحاق وفي الشهر الثاني من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) [هود: ٤٨] وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا (^١) في الأرض. فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله ﷿ وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله ﷿ وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض. وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس وقزح الذي قدمنا عن ابن عباس أنه أمان من الغرق … قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة.
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا. قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيومرث يعنون آدم إلى زماننا هذا. وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان.
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجهل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الأرض والسماوات وقد أجمع أهل الأديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الأزمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد (^٢) ولم يبق الله أحدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذا لما سبق في القدر المحتوم.