قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون … لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون … ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [الأنبياء: ٢٦] وقال تعالى (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) [الشورى: ٥] وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم … ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) وقال تعالى (فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون)
[ ١ / ٤١ ]
[غافر: ٧] وقال (ومن عنده لا يستكبرون. عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ١٩] وقال تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) [الصافات: ١٦٥] وقال تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) [مريم: ٦٤] وقال تعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٢] وقال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) [المدثر: ٣١] وقال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ٢٣] وقال تعالى (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير) [فاطر: ١] وقال تعالى (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا … الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [الفرقان: ٢٥] وقال تعالى (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) [الفرقان: ٢١] وقال تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨] وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الاشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب … وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [هود: ٧٦] الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدوا لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر … وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (^١) وتارة في صورة أعرابي وتارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء إلى الأرض. وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. وهو قوله تعالى (علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الاعلى. ثم دنا فتدلى) (^٢) أي جبريل (^٣) كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة … منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة (فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما
_________________
(١) دحية بن خليفة الكلبي: صاحب رسول الله ﷺ، شهد أحدا وما بعدها وكان جبريل يأتي رسول الله ﷺ في صورته أحيانا وبعثه رسول الله ﷺ إلى قيصر رسولا سنة ست في الهدنة.
(٢) سورة النجم الآيات ٥ - ٨.
(٣) أما الحسن فيقول هو الله ﷿. القرطبي ١٧/ ٨٥ قال: هو جبريل في قول سائر المفسرين.
[ ١ / ٤٢ ]
أوحى) (^١) أي إلى عبد الله محمد ﷺ ثم قال [تعالى]: (ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى) (^٢) وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة … وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها … قيل غشيها نور الرب ﷻ … وقيل غشيها فراش (^٣) من ذهب … وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة … وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان … وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها … أي من حسنها وبهائها. ولا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة … وذكرنا أن رسول الله ﷺ قال: " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال … " وفي رواية " كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة " وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فأما الباطنان ففي الجنة. وأما الظاهران فالنيل والفرات … وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض وما فيها من البحار والأنهار … وفيه " ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم " … وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل ﵇ مستندا ظهره إلى البيت المعمور. وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض … وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا … وهكذا روى علي بن ربيعة وأبو الطفيل عن علي مثله … وقال الطبراني أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: " البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة ". يعنى في الأرض وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد … وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم … قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم … وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم *
وقال آخرون: في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون إليه بالنوبة والبدل كما
_________________
(١) سورة النجم الآيتان ٩ - ١٠.
(٢) سورة النجم الآيات ١٣ - ١٧.
(٣) وقيل جراد عن أنس بن مالك، القرطبي/ - الفخر الرازي.
[ ١ / ٤٣ ]
يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن … قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي … حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد " أن الحرم حرم مناه (يعني قدره) من السماوات السبع والأرضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض " ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور. ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد الله بن عمرو يقول " إن الحرم محرم في السماوات السبع مقداره من الأرض - وإن بيت المقدس مقدس في السماوات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء.
إن الذي سمك السماء بنى لها … بيتا دعائمه أشد وأطول
واسم البيت الذي في السماء بيت العزة … واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل … فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون إليه. آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها. ولهذا قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (^١) وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق (^٢) عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ " (^٣) فقال أبو ذر (والله لوددت أني شجرة تعضد) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا … وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ: " ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا ". فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة. منهم من هو قائم أبدا. ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها. وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم … وإنا لنحن الصافون … وإنا لنحن
_________________
(١) سورة المدثر الآية ٣١.
(٢) مورق بتشديد الراء، بن مشمدخ بن عبد الله العجلي، أبو المعتمر البصري ثقة عابد مات بعد المائة/ تقريب التهذيب ٢/ ٢٨٠.
(٣) مسند أحمد ج ٥/ ١٧٣.
[ ١ / ٤٤ ]
المسبحون) (^١) وقال ﷺ: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها … قالوا وكيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول ويتراصون في الصف " (^٢) … وقال ﷺ: (فضلنا على الناس بثلاث … جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة) (^٣). وكذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب ﷻ صفوفا كما قال تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) (^٤) ويقفون صفوفا بين يدي ربهم ﷿ يوم القيامة كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) (^٥) … والمراد بالروح ههنا بنو آدم قاله ابن عباس والحسن وقتادة … وقيل ضرب من الملائكة يشبهون بني آدم في الشكل … قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش … وقيل جبرئيل … قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك * وقيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات … قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يوم يقوم الروح) قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا (^٦) … وقال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السماوات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيي يوم القيامة صفا وحده … وهذا غريب جدا … وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن لله ملكا لو قيل له التقم السماوات والأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت " وهذا أيضا حديث غريب جدا … وقد يكون موقوفا … وذكرنا في صفة حملة العرش عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " رواه أبو داود
_________________
(١) سورة الصافات الآيات ١٦٥.
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة ح ١١٩ - وأبو داود في الصلاة ٩٣ - ٩٦ - ٦٥، والنسائي في الإمامة ٢٨ - وابن ماجة في الإقامة ح ٥٠ والإمام أحمد في مسنده ٢/ ٩٨ و٥/ ١٠١.
(٣) أخرجه مسلم عن حذيفة بن اليمان - ٥ - كتاب المساجد ح ٤/ ص (١/ ٣٧١) والبيهقي في الدلائل ج ٥/ ٤٧٥ عن حذيفة. وفيه: فضلت على الناس.
(٤) سورة الفجر الآية ٢٢.
(٥) سورة النبأ الآية ٣٨.
(٦) قال القرطبي ج ١٩/ ١٨٧: اختلف في الروح على أقوال ثمانية: .. وذكر منها: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل ". فهم خلق على صورة بني آدم كالناس وليسوا بناس. وقيل الروح: أرواح بني آدم. قاله عطبة. وقيل القرآن عن زيد بن أسلم.
[ ١ / ٤٥ ]
وابن أبي حاتم ولفظه مخفق الطير سبعمائة عام.
وقد ورد في صفة جبريل ﵇ أمر عظيم قال الله تعالى (علمه شديد القوى) قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط وكن سبعا بمن فيها من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك … رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى. وقوله (ذو مرة) أي خلق حسن وبهاء وسناء كما قال في الآية الأخرى (إنه لقول رسول كريم) [الحاقة: ٤٠] أي جبريل رسول من الله كريم أي حسن المنظر (ذي قوة) أي له قوة وبأس شديد (عند ذي العرش مكين) أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله (ذي العرش المجيد) مطاع ثم أي مطاع في الملأ الأعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه ﵈ الذي ينزل عليهم بالوحي. فيه الاخبار الصادقة والشرائع العادلة … وقد كان يأتي إلى رسول الله ﷺ وينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا. وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين … له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرا عن قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال حدثنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمدا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح.
وقال الإمام أحمد (^١) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال رأى رسول الله ﷺ جبرئيل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم. وقال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) (^٢) قال قال رسول الله ﷺ: " رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت ". وقال أحمد (^٣) حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين حدثني عاصم بن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ رأيت جبريل على السدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب … وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد *
_________________
(١) مسند أحمد ج ١/ ٤٦٠.
(٢) سورة النجم الآية ١٣.
(٣) مسند أحمد ج ١/ ٤٠٧، والحسين هو بن واقد المروزي أبو عبد الله القاضي ثقة له أوهام. قاضي مرو، قال ابن المبارك من مثله؟ وثقه ابن معين وغيره مات سنة ١٥٩ هـ وقيل سنة سبع وخمسين/ تقريب التهذيب ١/ ١٨٠ الكاشف ١/ ١٧٣.
[ ١ / ٤٦ ]
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: " أتاني جبريل في خضر (^١) تعلق به الدر " … إسناده صحيح * وقال ابن جرير حدثنا ابن بزيغ البغدادي قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملا ما بين السماء والأرض … إسناد جيد قوي … وفي الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول (ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عنها فقال: إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطا من السماء إلى الأرض ساد أعظم خلقه ما بين السماء والأرض.
وقال البخاري (^٢) حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر (ح) وحدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لجبريل: " ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا) (١) الآية * وروى البخاري (^٣) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة … وقال البخاري (^٤) حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معهن ثم صليت معه " يحسب بأصابعه خمس صلوات.
ومن صفة إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش وهو الذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة … أولا هن نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه … والصور قرن ينفخ فيه. كل دارة منه كما بين السماء والأرض. وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الأرواح
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٤٠٧ وفيه: خضر حصين. قال في التاج: الخصر اسم للرخص من الشجر إذا قطع وخضر.
(٢) في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة ٤/ ٨٠.
(٣) نفس المصدر والباب ص ٤/ ٨١.
(٤) نفس المصدر والصفحة.
[ ١ / ٤٧ ]
تتوهج فيقول الرب ﷻ: " وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الأجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الأجساد وتنشق عنهم الأجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر " كما سيأتي تفصيله في موضعه.
ولهذا قال رسول الله ﷺ " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له " … قالوا كيف نقول يا رسول الله قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ". على الله توكلنا " … رواه أحمد والترمذي من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري … وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد قال ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: " عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل " ﵈. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبي ليلى (^١) حدثني عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس … قال بينا رسول الله ﷺ ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السماء فأقبل إسرافيل يدنو من الأرض ويتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي ﷺ فقال: " يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال: " فأشار جبريل إلي بيده (أن تواضع) فعرفت أنه لي ناصح فقلت: " عبد نبي " (^٢) فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت: يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل ﵇ خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن الله في شئ من السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به … قلت " يا جبريل وعلى أي شئ أنت " قال: على الريح والجنود … قلت: " وعلى أي شئ ميكائيل " قال: على النبات والقطر قلت: " وعلى أي شئ ملك الموت " قال: على قبض الأنفس وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة … هذا حديث غريب من هذا الوجه … وفي صحيح مسلم (^٣) عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك (^٤) إنك تهدي من تشاء إلى صراط
_________________
(١) في تقريب التهذيب: محمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق. قال أبو حاتم صدوق أملى علينا من كتاب الفرائض من حفظه عن أبيه عن جده - ج ٢/ ١٩٦ والكاشف ج ٣/ ٧٦.
(٢) أخرجه البيهقي بنحوه عن ابن عباس ولم يسم الملك. دلائل ج ١/ ٣٣٤، وأخرجه أيضا أحمد في مسنده ٢/ ٢٣١ عن أبي هريرة. ولم يسم الملك أيضا وآخره قال: بل عبدا رسولا.
(٣) في ٦ كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢٦ باب الدعاء في صلاة الليل وقيامها ح ٢٠٠ (٧٧٠) ص ١/ ٥٣٤.
(٤) قوله: اهدني. باذنك: معناه ثبتني عليه.
[ ١ / ٤٨ ]
مستقيم … وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصور … وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ * حكاه أبو القاسم السهيلي في كتابه (التعريف والاعلام. بما أبهم في القرآن من الاعلام) … وقال تعالى … من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) (^١) عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره … وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وهو ذو مكانة من ربه ﷿ ومن أشراف الملائكة المقربين … وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثنا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال لجبريل: مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط (^٢) فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار … فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن وفي الصحاح (^٣) هم المذكورون في الدعاء النبوي " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل … فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم. وميكائيل موكل بالقطر والنبات الذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار … وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه. يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب ﷻ. وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض " وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور. والحضور يوم البعث والنشور ليفوز الشكور. ويجازي الكفور. فذاك ذنبه مغفور. وسعيه مشكور … وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور. وهو يدعو بالويل والثبور " فجبريل ﵇ يحصل بما ينزل به الهدى … وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق. وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء … وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح. وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم.
وقد قال الله تعالى … قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) [السجدة: ١١] وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) [إبراهيم: ٢٧].
ثم يصعدون بها فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء وإلا غلقت دونها وألقي بها إلى الأرض قال الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٩٨.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٢٢٤.
(٣) أي الأحاديث الصحيحة.
[ ١ / ٤٩ ]
وفته رسلنا وهم لا يفرطون … ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين * [الانعام: ٦١].
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنهم قالوا إن الأرض بين يدي ملك الموت مثل الطست بتناول منها حيث يشاء وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الانسان على حسب عمله إن كان مؤمنا اتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الأرواح. وإن كان كافرا فبالضد من ذلك … عياذا بالله العظيم من ذلك … وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبي يقول نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ: " يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن " فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق … واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر بن محمد أبي هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان ولقنه الملك (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في تلك الحال العظيمة. هذا حديث مرسل وفيه نظر وذكرنا في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاص عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ (الحديث) بطوله. وفيه ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا جاء ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول يا رب قد مات أهل السماوات والأرض إلا من شئت * فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل … فيقول ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل فيقول: اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرسي فيموتان " ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة عرشي. فتموت. ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد … كان آخرا كما كان أولا … وذكر تمام الحديث بطوله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الطوالات) وعنده زيادة غريبة وهي قوله فيقول الله له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبدا.
[ ١ / ٥٠ ]
ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف … وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات … وروى الإمام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه. وفي صحته عندي نظر والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه والله أعلم … وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر … وعن علي وابن عباس وابن عمر أيضا ان الزهرة كانت امرأة وأنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا … وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب. وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة … ثم قيل كان أمرهما وقصتهما في زمان إدريس … وقيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير.
وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب أحبار بالقصة … وهذا أصح إسنادا وأثبت رجالا والله أعلم.
ثم قد قيل إن المراد بقوله … وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت … (^١) قبيلان من الجان قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد من اللفظ … ومن الناس من قرأ وما أنزل على الملكين بالكسر ويجعلهما علجين من أهل فارس. قاله الضحاك. ومن الناس من يقول هما ملكان من السماء ولكن سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره. ومن الملائكة المسمين في الحديث منكر ونكير ﵉. وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر. وقد أوردناها عند قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (^٢) وهما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ويمتحنان البر والفاجر وهما أزرقان أفرقان لهما أنياب وأشكال مزعجة وأصوات مفزعة أجارنا الله من عذاب القبر وثبتنا بالقول الثابت آمين … وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ: " هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟. قال: " لقد لقيت من قومك (^٣) وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (^٤) إذا عرضت نفسي على ابن عبد
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٠٢.
(٢) سورة إبراهيم الآية ٢٧.
(٣) قومك: أي قريش، وتقدير العبارة: لقد لقيت منهم ما لقيت.
(٤) يوم العقبة: وهو اليوم الذي وقف به النبي ﷺ عند العقبة بمنى داعيا الناس إلى الاسلام والى الله رب العالمين موحدين له، فما أجيب إلا بالأذى وذلك اليوم أصبح معروفا.
[ ١ / ٥١ ]
يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (^١) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (^٢) فقال النبي ﷺ " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا … ورواه مسلم من حديث ابن وهب به (^٣).