أول من ولد له: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل، ثم تزوج بعدها " قنطورا " بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها " حجون " بنت أمين (^٤) فولدت له خمسة كيسان
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ - باب ما جاء في السنة في الفطرة ح ١٦٦٧/ ص ٥١٠.
(٢) عند مالك: أول الناس ضيف الضيف.
(٣) عند مالك: الشارب.
(٤) في الكامل لابن الأثير: حجون بنت أهير.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وسورج واميم ولوطان ونافس … وهكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه " التعريف والاعلام ". ومما وقع في حياة إبراهيم خليل من الأمور العظيمة، قصة قوم لوط ﵇، وما حل بهم من النقمة الغميمة (^١) وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم … وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكأن أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك من خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الأعراف (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين. أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون. وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون. فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
وقال تعالى في سورة هود (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ. فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب. يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك. وإنهم آتاهم عذاب غير مردود. ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب. وجاءه قومه يهرعون إليه. ومن قبل كانوا يعملون السيئات. قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد. قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد. قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن
_________________
(١) وفي نسخة العميمة; أي الشاملة.
[ ١ / ٢٠٣ ]
شديد. قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [هود: ٦٩ - ٨٣].
وقال تعالى في سورة الحجر (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. قال فما خطبكم أيها المرسلون. قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين. إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين. فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون. قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون. فاسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. وجاء أهل المدينة يستبشرون. قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون. واتقوا الله ولا تخزون. قالوا أولم ننهك عن العالمين. قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون. فأخذتهم الصيحة مشرقين. فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل. إن في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم. إن في ذلك لآية للمؤمنين) [الحجر: ٥١ - ٧٧].
وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت قوم لوط المرسلين … إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين … أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون … قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين … قال إني لعملكم من القالين … رب نجني وأهلي مما يعملون … فنجيناه وأهله أجمعين … إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين … وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين … إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين … وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: ١٦٠ - ١٧٥].
وقال تعالي في سورة النمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون. أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون … فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [النمل: ٥٤ - ٥٨]. وقال تعالي في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين … أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر … فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب
[ ١ / ٢٠٤ ]
الله إن كنت من الصادقين. قال رب انصرني على القوم المفسدين … ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية … إن أهلها كانوا ظالمين … قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين … ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين … إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون … ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) [العنكبوت: ٢٨ - ٣٥] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن لوطا لمن المرسلين … إذ نجيناه وأهله أجمعين. الا عجوزا في الغابرين … ثم دمرنا الآخرين … إنكم لتمرون عليهم مصبحين … وبالليل أفلا تعقلون) [الصافات: ١٣٣ - ١٣٧] وقال تعالى في الذاريات بعد قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم (قال فما خطبكم أيها المرسلون … قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين … لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين … فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين. وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) [الذاريات: ٣١ - ٣٨]. وقال في سورة الانشقاق (كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر … ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر … ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر … ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *) [القمر: ٣٣ - ٤٠].
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير … وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها (^١) مع قوم نوح وعاد وثمود … والمقصود الآن ايراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان … وذلك أن لوطا ﵇ لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعوا (^٢) عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم [واستضعفوه وكثروا منه] (^٣) وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا (أخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون) [النمل: ٥٦] فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الاخراج وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج. فطهره الله وأهله إلا امرأته وأخرجهم منها أحسن اخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعدما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في
_________________
(١) غير ما تقدم ذكر اسم لوط في: الانعام ٨٦، الأنبياء: ٧١ - ٧٤، الحج: ٤٣، الصافات: ١٣٣ ص: ١٣، ق: ١٢، التحريم: ١٠.
(٢) وفي نسخة: ولم يرعووا.
(٣) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ ١ / ٢٠٥ ]
الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج. وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن [ارتكاب] (^١) الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا (^٢) … ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرقيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال والافعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالانعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) [العنكبوت: ٢٩] فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الامر الجسيم والخطب العميم (قال فما خطبكم أيها المرسلون. قالوا انا أرسلنا إلى قوم مجرمين. لنرسل عليهم حجارة من طين. مسومة عند ربك للمسرفين) [الذاريات: ٣١ - ٣٤] وقال (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين. قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين) [العنكبوت: ٣١ - ٣٤] وقال الله تعالى (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) [هود: ٧٤]. وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا. ولهذا قال تعالى (إن إبراهيم لحليم أواه منيب. يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) [هود: ٧٥] أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به، من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق أن إبراهيم ﵇ جعل يقول: … (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن إسحاق إلى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها) الآية وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٢) في نسخة: من العالمين.
[ ١ / ٢٠٦ ]
عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى (وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب) قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا ﵇ وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه … وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق أمامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم: فيما قال [والله] (^١) يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حيت كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت (^٢) عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك (^٣) فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه. وقوله (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [هود: ٧٧] أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) [هود: ٧٨] يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لان النبي للأمة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب: ٦] وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم. وهذا كقوله (أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٢) وفي نسخة: شفقة عليهم; وفي الكامل: خافت عليهم.
(٣) في الكامل: أدرك.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وهو الصواب. والقول الاخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا اثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) [هود: ٧٨] نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء. فجرة أقوياء. كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد. مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الامر السديد (لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما تريد) [هود: ٧٩] يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا [من غير النساء] (^١). واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم. ذي العذاب الأليم. ولهذا قال ﵇ (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [هود: ٨٠] ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.
وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " (^٢) ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة … وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (يعني الله ﷿ فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه " (^٣). وقال تعالى (وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون. واتقوا الله ولا تخزون. قالوا أو لم ننهك عن العالمين. قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين) [الحجر: ٦٧ - ٧١] فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم (^٤) يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون. ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون. وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [الحجر: ٧٢] وقال تعالى (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) [القمر - ٣٦ - ٣٨] ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا ﵇ جعل
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٦٠ كتاب المناقب باب ١١ ح ٣٣٧٢ فتح الباري وروى ابن ماجة نحوه ورواه أحمد في مسنده ٢/ ٣٢٦ - ٣٣٢ - ٣٥٠.
(٣) انظر الدر المنثور ج ٢/ ١٨٥.
(٤) هكذا في الأصول وفي نسخة من قصص الأنبياء لابن كثير: كلما نهاهم.
[ ١ / ٢٠٨ ]
يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح فلما ضاق الامر وعسر الحال قال [ما قال] (^١): لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " لأحللت. بكم النكال … قالت الملائكة (يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) [هود: ٨١] وذكروا أن جبريل ﵇ خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان. ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط ﵈ آمرين له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم … وقوله (إلا امرأتك) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها. ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم. ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الأول أظهر في المعنى والله أعلم.
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة. وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [هود: ٨١] فلما خرج لوط ﵇ بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن امرأته خرجت معه فالله أعلم. فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد. ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد … وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غورزغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [هود: ٨٢ - ٨٣] قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن وكن سبع مدن (^٢) بمن فيهن من الأمم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة. قيل أربعة آلاف (^٣) نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٢) في الطبري والكامل والمسعودي: خمس قرى، ذكر المسعودي المدائن الخمس وهي: سدوم، عمورا، وادموتا، وصاعورا، وصابورا.
(٣) وفي نسخة: أربعة آلاف ألف نسمة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شرفاتها (وأمطرة عليهم حجارة من سجيل) [الحجر: ٧٤] والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال (مسومة عند ربك للمسرفين) [الذاريات: ٣٤] وكما قال تعالى (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) [الشعراء: ١٧٣] وقال تعالى (والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى) [النجم: ٥٣ - ٥٤ يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها … ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت وا قوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [التحريم: ١٠] أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه. وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما. فإن الله لا يقدر على نبي آن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط … ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيرا. قال الله تعالى في قصة الإفك: لما انزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول اله ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [النور: ١٥ - ١٦] أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة … وقوله ههنا (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة واحتجوا أيضا بما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (^١) وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٤٦٨ والترمذي في سننه ١٥/ ٢٤/ ١٤٥٦ وابن ماجة. وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: لينه ابن معين، وقال أحمد: ما به بأس. وقال أبو داود: ليس بالقوي. وفي تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم ٢/ ٧٥/ ٦٤٢.
[ ١ / ٢١٠ ]
لقوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد). وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينفع بمائها ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لردائتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه. ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات. وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى (ان في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وان ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: … - ٩] وقال تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين. فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل. إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم. ان في ذلك لآية للمؤمنين) [الحجر: ٧٣ - ٧٧] أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله تلك البلاد وأهلها؟ وكيف جعلها بعدما كانت آهلة عامرة. هالكة غامرة؟ كما روى الترمذي وغيره مرفوعا: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (^١) ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين). وقوله (وانها لبسبيل مقيم) [الحجر: ٧٦] أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) [الصافات: ١٣٧] وقال تعالى (ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون) [العنكبوت: ٣٥] وقال تعالى (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) [الذاريات: ٣٥ - ٣٧] أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم:
فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم … فما قوم لوط منكم ببعيد
فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به ﷿ ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال. والجواري من السراري ذوات الجمال. وإياه أن يتبع كل شيطان مريد. فيحق عليه الوعيد. ويدخل في قوله تعالى (وما هي من الظالمين ببعيد).
_________________
(١) سنن الترمذي ٤٨/ ١٦/ ٣١٢٧ عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، وقال في المتوسمين. المتفرسين. ورواه ابن حجر في لسان الميزان (٥/ ١١٥٤) والقرطبي في أحكامه (١/ ٤٣) ورواه الأصفهاني في حلية الأولياء ٤/ ٩٤ والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٣ والذهبي في الطب النبوي ص ١١٢. والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ١٢١.
[ ١ / ٢١١ ]