قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في " كتاب التفسير " من سننه عند قوله تعالى في سورة طه (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) [طه: ٤٠]
حديث الفتون (^٣)
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا اصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى [لموسى] (^٤) (وفتناك فتونا) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة ومن نسخة مطبعة السعادة واستدركت من النسخة المحفوظة بدار الكتب الوطنية مصر - مصور عن نسخة الآستانة - رقم (تاريخ ١١١٠).
(٢) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٣) رواه ابن كثير في تفسيره مطولا (ج ٣/ ٢٤٥ - ٢٥٢ احياء التراث - بيروت) وقال في نهايته معقبا: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى وأخرجه أبو جعفر بن جرير (الطبري) وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس رضي لله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار، أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا.
(٤) سقطت من النسخ المطبوعة واستدركت من النسائي.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي (^١) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر واتركوا (^٢) بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح (^٣) فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل، حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد [به] (^٤) فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه. فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة مستقي (^٥) جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط (أصبح فؤاد أم موسى فارغا) [من] (^٦) ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت لهم أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت: (قرة عين لي ولك) فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله ﷺ: " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك " فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لان تختار [له] (^٧) ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها فلم يقبل. وأصبحت أم موسى والها، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه
_________________
(١) في نسخة الذي. وما أثبتناه المناسب.
(٢) في نسخة: فتقل.
(٣) في نسخة: لا تقتل.
(٤) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٥) في نسخة: تستقي منها.
(٦) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٧) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ ١ / ٣٥٠ ]
هل تسمعين له ذكرا؟ أحي ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه (فبصرت به) أخته (عن جنب وهم لا يشعرون) والجنب أن يسمو بصر الانسان إلى شئ بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا (أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) [فأخذوها] (^١) فقالوا ما يدريك ما نصحهم [له] (^٢) هل [تعرفينه] (^٣) حتى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فقالت: نصحهم إله وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا. فأرسلت إليها فأتت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا، فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز موعوده، فرجعت إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه.
فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم. ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى: أزيريني ابني فوعدتها يوما [تزيرها] (^٤) إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها، لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل (^٥) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه. ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه؟ أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون - يا بن جبير - بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون. فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، أئت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه! فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٢) سقطت من النسخ المطبوعة.
(٣) في نسخة: يعرفونه.
(٤) في نسخة: أريني ابني فوعدتها يوما تريها.
(٥) النحل: العطايا.
[ ١ / ٣٥١ ]
يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان هم به، وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم [لا يعلم الناس إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على] (^١) ما لم يطلع عليه غيره. فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله ﷿ والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) [القصص: ١٥] ثم قال (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب) [القصص: ١٦] الاخبار فأتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله من يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه، لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة، ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم (إنك لغوي مبين) فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعدما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي … وقال: (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره. وذلك من الفتون - يا ابن جبير - فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم، إلا حسن ظنه بربه ﷿، فإنه قال (عسى ربي ان يهديني سواء السبيل. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما (ما خطبكما) معتزلتين
_________________
(١) سقطت من النسخ المطبوعة، واستدركت من مخطوطه بدار الكتب المصرية رقم ٢٤٤٢ وقورنت على حديث النسائي ورواية ابن كثير في التفسير.
[ ١ / ٣٥٢ ]
لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما فجعل يغترف (^١) من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا (^٢) بطانا فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فلما كلمه (قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين) ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته فقالت إحداهما: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) [القصص: ٢٧] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه. وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي: أمشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسرى عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت. فقال له هل لك (أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) [القصص: ٢٧] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت السنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا. قال سعيد - هو ابن جبير - فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري. فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا؟ وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده; فإنه قضى عشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قلت: أجل وأولى. فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصى ويده، ما قص الله عليك في القرآن. فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردأ ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فأتاه الله ﷿ [سؤله] (^٣) وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه. فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون. فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما. ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: (إنا رسولا ربك) فقال: فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن. قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال (أئت بآية إن كنت من الصادقين) فألقى عصاه فإذا هي [حية
_________________
(١) في نسخة: يغرف.
(٢) حفلا بطانا: درت ضروعها وشبعت بطونها.
(٣) سقطت من النسخ المطبوعة.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تسعى] (^١) عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها (^٢) فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل. ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص. ثم ردها فعادت إلى لونها الأول. فاستشار الملا حوله فيما رأى فقالوا له (هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: إجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير، حتى تغلب بسحرك سحرهما. فأرسل إلى المدائن فحشر به كل ساحر متعالم (^٢) فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل [هذا الساحر]؟ (^٣) قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد [في (^٤) الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال: لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شئ أحببتم فتواعدوا (يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) قال سعيد: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الامر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين يعنون موسى وهارون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم (إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) [الأعراف: ١١٥] قال بل ألقوا (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه (أن ألق عصاك) فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصى تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه (^٥) حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته. فلما عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ (^٦) من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله تعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف من غده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد
_________________
(١) في نسخة: ثعبان.
(٢) في نسخة: رأى.
(٣) في نسخة: السحر.
(٤) في نسخة: من.
(٥) في نسخة: صارت حرزا للثعابين تدخل فيه.
(٦) في النسخ المطبوعة: يبلع.
[ ١ / ٣٥٤ ]
والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات. كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه (^١) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه … ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصى وانتهى إلى البحر وله قصيف (^٢) مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله ﷿ فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: (إنا لمدركون) إفعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصى فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما [أن] (^٣) جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى [البحر] (^٤) قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه. ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) [الأعراف: ١٣٨] قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال: أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربه ﷿ وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى شيئا من نبات (^٥) الأرض فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب [عندي] من ريح المسك؟ إرجع فصم عشرا ثم ائتني، ففعل موسى ما أمره به ربه. فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الاجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع (^٦) ولكم فيها مثل ذلك، وأنا
_________________
(١) في نسخة: ليوافقه، وعند النسائي: ويواثقه.
(٢) قصيف: هشيم الشجر، هنا: صليل البحر وهديره.
(٣) سقطت من النسخ المطبوعة وأثبتت من النسائي وتفسير ابن كثير.
(٤) سقطت من النسخ المطبوعة. واستدركت من النسائي وتفسير ابن كثير.
(٥) عود من خرنوب.
(٦) كان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي وزينة من آل فرعون ليلة خروجهم من مصر بحجة التزين بها في عيد لهم - عيد الزينة.
[ ١ / ٣٥٥ ]
أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.
وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون، فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يديك (^١)؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشئ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون. فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف، ليس فيه روح له خوار. قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق. وقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا (^٢) فيه حتى رأيناه وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليسر بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق: بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به. فقال لهم هارون ﵇ (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن) [طه: ٩٠] ليس هذا. قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا. هده أربعون يوما قد مضت، قال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه. فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، (فرجع إلى قومه غضبان أسفا) فقال لهم: ما سمعتم ما في القرآن؟ (وأخذ برأس أخيه يجره إليه) وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له فانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها (وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا) [طه: ٩٦ - ٩٧] ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا [ربك] أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى [من] قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في الحق، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض.
_________________
(١) في سنن النسائي وتفسير ابن كثير: يدك.
(٢) في نسخة: وعكفنا; وفي النسائي وتفسير ابن كثير فكالأصل.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فاستحيا نبي الله ﵇ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال: (رب لو شئت لأهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به. فلذلك رجفت بهم الأرض فقال (رحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) فقال يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم (^١) فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل [منهم] من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون [أمرهم] واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها وفتق (^٢) الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، وأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم. ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكر من ثمارهم أمرا عجبا (^٣) من عظمها، فقالوا: (يا موسى إن فيها قوما جبارين) لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها (فإن يخرجوا منها فإنا داخلون). (قال رجلان من الذين يخافون) قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم، من الجبارين، آمنا بموسى وخرجنا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فأدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس: إنهم من قوم موسى. فقال الذين يخافون من بني إسرائيل (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم [موسى] فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من محلة - إلا وجدوا
_________________
(١) في تفسير ابن كثير: المرحومة.
(٢) في نسخة: ونتق.
(٣) في تفسير ابن كثير: عجيبا.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ذلك الحجر [بينهم] بالمكان الذي كان فيه [بالمنزل الأول] (^١) بالأمس … رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس [يحدث] هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل. فقال: كيف يفشى عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع [من] الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره. هكذا ساق هذا الحديث الامام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون والأشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر. وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شئ يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام. وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه [من] كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك [أيضا]، والله أعلم (^٢).