قال أهل الكتاب: إن إبراهيم ﵇ سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لإبراهيم ﵇ إن الرب قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم ﵇ فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا
_________________
(١) في الطبري: ١/ ١٢٧: ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع (من أرض فلسطين) على مسيرة يوم وليلة; وفي رواية أخرى ١/ ١٥١: نزل الأردن. وبعثه الله نبيا على المدائن الخمس: سدوم، وعمورا، وادموتا، وصاعورا وصابورا (المسعودي ١/ ٤٢) ونزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين/ الطبري - الكامل.
(٢) أخرجه الطبراني عن سلمان وجابر بن عبد الله. وأخرجه البيهقي في الدلائل ج ٦/ ٥٢٧ عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان وفيه زيادة قال: وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وأني سألت ربي ﷿ لامتي ألا يهلكها بسنة عامة .. زوي: جمع. وسنة: قحط وجدب.
(٣) سقط في الكلام; وفي قصص الأنبياء لابن كثير: فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنقذ لوطا ﵇ واسترجع أمواله ..
[ ١ / ١٧٦ ]
وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله ﷿ على ذلك. وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الأمم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل ﵇ قالوا وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد اسحق بثلاث عشرة سنة … ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته (^١) جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما … وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الأمة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال: " يكون اثنا عشر أميرا " ثم قال كلمة لم أفهمها فسألت أبي ما قال قال " كلهم من قريش " أخرجاه في الصحيحين (^٢). وفي رواية لا يزال هذا الامر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. فهؤلاء منهم الأئمة الأربع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا. ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لابد من وجودهم وليس المراد الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون فان أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه الحسن بن علي حين ترك القتال وسلم الامر لمعاوية وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور … وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرؤوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن هاجر ﵍ لما ولد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولي ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا ههنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت فإذا لا يضيعنا … وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ﵀ في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فخلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها
_________________
(١) كذا في النسخ المطبوعة، ونسخ قصص الأنبياء لابن كثير; ولعله ويمنته وهي أكثر مناسبة للسياق.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ج ٦/ ٥١٩ والبخاري في ٩٣ كتاب الأحكام ٥١ باب الاستخلاف ومسلم في ٣٣ كتاب الامارة (١) باب الناس تبع لقريش ص ١٤٥٢. وأبو داود في أول كتاب المهدي، وأحمد في المسنده ٥/ ٩٢.
[ ١ / ١٧٧ ]
الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها (^١) … قال السهيلي فكانت أول من اختتن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها.
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي ارض مكة وبنائه البيت العتيق
قال البخاري قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شئ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا، قال: نعم. قالت إذا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الانسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي ﷺ: " فلذلك سعى الناس بينهما ". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها. ثم تسمعت فسمعت أيضا; فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف … قال ابن عباس قال النبي ﷺ: " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم " أو قال: " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت
_________________
(١) أورده الطبري في تاريخه ١/ ١٣٠ وابن الأثير في الكامل ١/ ١٠٣ وفيهما فمن ثم خفص النساء.
[ ١ / ١٧٨ ]
مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا " (^١) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك، قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم … قال عبد الله بن عباس قال النبي ﷺ: " فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (^٢) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم (^٣) وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه … قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه¬ السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال فهل أوصاك بشئ فقالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أفارقك، فالحق بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى (^٤) ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله … ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم؟ قالت: اللحم قال فما شرابكم قالت: الماء. قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي ﷺ: " ولم يكن لهم يومئذ حب (^٥). ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه " [قال:] فهما لا يخلو عليهما أحد بعين مكة إلا لم يوافقاه (^٦). قال: فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه¬ السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن، قال الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشئ قالت: نعم هو
_________________
(١) عائفا: باحثا عن الماء.
(٢) أنفسهم: زاحمهم في النفاسة وعلو الهمة.
(٣) وهي جداء بنت سعد، امرأة من جرهم وهي التي امره أبوه بتطليقها.
(٤) وهي رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وقيل اسمها السيدة.
(٥) حب، بكسر الحاء، إناء من فخار يحفظ فيه الماء.
(٦) كذا العبارة في الأصول والمعنى وغير مكتمل; وفي العرائس للثعلبي ما يكتمل به المعنى: " فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت مكة أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا ". (انظر الكامل لابن الأثير ١/ ١٠٤، الطبري ١/ ١٣٢).
[ ١ / ١٧٩ ]
يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أمسكك … ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد … ثم قال يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم) [البقرة: ١٢٧] قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) ثم قال حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من إبراهيم وأهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء … وذكر تمامه بنحر ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات … وفيه أن إسماعيل كان رضيعا إذ ذاك … وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسماعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لأمر الله ﷿ في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ " اختتن إبراهيم النبي ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " … تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة * وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به … وفي بعض الألفاظ اختتن إبراهيم بعدما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم. والقدوم هو الآلة وقيل موضع. وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ". رواه ابن حبان في صحيحه. وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وانه إسماعيل ولم يذكر في قد مات (^١) إبراهيم ﵇ إلا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد، على ما ذكر إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم. وقد ذكر أن الأرض كانت تطوى له وقيل: إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
_________________
(١) قد مات: المرات التي قدمها إبراهيم إلى ولده.
[ ١ / ١٨٠ ]
والحاجة الأكيدة … وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا (^١) على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات.