قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا رجل سقط اسمه، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم فقال لهم بعضهم قال أبو هلال ظننت أنه من أفاضلهم - ألا أجئ إليك يا نبي الله؟ قال: بلى، قال: فوضع إحدى
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره ٢/ ١٣٠ والترمذي في صحيحه ٤٨ كتاب التفسير القرآن - ٦ باب ٣٠٦١ مرفوعا وقال لا نعرفه مرفوعا من حديث الحسن بن قزعة. ورواه موقوفا وقال: هذا أصح ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا. ورواه ابن كثير في تفسيره ٢/ ١٢٠ دار الفكر.
(٢) قال الرازي: نزلت ثم طارت ثم عصوا من بعدها فمسخوا قردة وخنازير; ولم يذكره أنهم أكلوا منها. وقال وقال الجمهور الأعظم من المفسرين: أنها نزلت.
(٣) رواه ابن كثير في التفسير ج ٢/ ١٢٠ دار الفكر.
[ ٢ / ١٠٣ ]
رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أوه غرقت يا نبي الله. فقال: أرني يدك يا قصير الايمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء. ورواه أبو سعيد بن الأعرابي عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال عن بكر بنحوه. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم، يا عيسى بأي شئ تمشي على الماء؟ قال: بالايمان واليقين. قالوا فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال: فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا. فقال لهم عيسى: مالكم؟ فقالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج؟ قال: فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض، فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر، أو حصى فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب قال: فإنهما عندي سواء. وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى ﵇ كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد. قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت، وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، حدثنا جعفر بن بلقان: أن عيسى كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الامر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني. وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد، كان عيسى يقول لا يصيب أحد حقيقة الايمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا (^١). قال الفضيل: وكان عيسى يقول فكرت في الخلق فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق. وقال إسحاق بن بشر، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة. قال: وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى. قال: وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به إبليس فقال: يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا فقال: [فقام عيسى] (^٢): فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال: هذا لك مع الدنيا. وقال معتمر بن سليمان: خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف وكساء وتبان حافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها
_________________
(١) في نسخ البداية المطبوعة: لا نصيب حقيقة الايمان حتى لا نبالي من أكل الدنيا.
(٢) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
بإذن الله ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف (^١) وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمني والمساكين، أصبح وليس لي شئ وأمسي وليس لي شئ، وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى مني وأربح. رواه ابن عساكر. وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري، حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني، عن حياة بن شريح، حدثني الوليد بن أبي الوليد، عن شفى بن ماتع (^٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء ولأولمن عليك أربعمائة عام ". وهذا حديث غريب رفعه وقد يكون موقوفا من رواية شفى بن ماتع (^٢) عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: قال عيسى للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا. وقال قتادة: قال عيسى ﵇: سلوني فإني لين القلب وإني صغير عند نفسي. وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال عيسى للحواريين: كلوا خبز الشعير، واشربوا الماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم، إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله. وروي نحوه عن أبي هريرة. وقال أبو مصعب عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول: يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره (^٣). وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: كان عيسى يقول اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وكان يقول حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد: ورب شهوة أورثت أهلها حرنا طويلا. وعن عيسى ﵇: يا بن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة. وعنه ﵇ أنه قال: كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرارا وفي هذا يقول سابق البربري:
_________________
(١) في نسخ البداية المطبوعة: الصون، وهو تحريف.
(٢) في نسخ البداية المطبوعة: سفي بن نافع وهو تحريف. شفى بن ماتع الأصبحي ثقة من الثالثة، ذكره بعضهم في الصحابة خطأ، مات في خلافة هشام. تقريب التهذيب ١/ ٩٣/ ٣٥٣.
(٣) رواه مالك في الموطأ ١٦٨٨ ص ٥١٥.
[ ٢ / ١٠٥ ]
لكم بيوت بمستن السيوف وهل … يبنى على الماء بيت أسه مدر
وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء. وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال قال عيسى: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله. وعن عيسى ﵇: إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال (^١) وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات. وقال الأعمش عن خيثمة: كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول: هكذا فاصنعوا بالقرى. وبه قالت امرأة لعيسى ﵇: طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته. وعنه: طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم. وعن مالك بن دينار قال: مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها فقال: ما أبيض أسنانها. لينهاهم عن الغيبة. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر:
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم ﵇: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وقال الثوري: سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى لأصحابه: بحق أقول لكم: من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير. وقال مالك بن دينار قال عيسى: إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذا الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر (^٢) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها [اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز] (^٣). وقال صفوان بن عمرو: عن شريح بن عبد الله، عن يزيد بن ميسرة، قال: قال
_________________
(١) في نسخ البداية المطبوعة، وفكرة من المال.
(٢) في نسخ البداية المطبوعة: الأباقير وهو تحريف.
(٣) ما بين معكوفين سقطت من أصول البداية، واستدركت العبارة من نص الحديث في كتاب الزهد لابن المبارك; وروى الحديث ابن مالك في الموطأ.
[ ٢ / ١٠٦ ]
الحواريون للمسيح: يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه. قال: آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلى أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الأرض، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه: أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم املاء، حدثنا الوليد بن أبان املاء، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " مر عيسى ﵇ على مدينة خربة، فأعجبه البنيان فقال: أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني؟ فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت المدينة عيسى حبيبي وما تريد مني قال: ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك؟ قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري وخربت قصوري ومات سكاني. قال: فأين أموالهم فقالت جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني. لله ميراث السماوات والأرض. قال فنادى عيسى ﵇: تعجبت (^١) من ثلاث أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه! ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك إنما أنت عبد بطنك وشهوتك وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك وأنت يا بن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك. هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك.
وقال سفيان الثوري عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه. وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال قال عيسى بن مريم: من تعلم وعلم وعمل دعي عظيما في ملكوت السماء. وقال أبو كريب روي أن عيسى ﵇ قال: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ويعبر بك النادي. وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله ﷿. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن رجل عن عكرمة، قال قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير. وكذا حكى وهب وغيره عنه
_________________
(١) في نسخ البداية المطبوعة: فعجبت وهو تحريف.
[ ٢ / ١٠٧ ]