هو إبراهيم بن تسارخ «٢٥٠» بن ناحور «١٤٨» بن ساروغ «٢٣٠» بن راعو «٢٣٩» ابن فالغ «٤٣٩» بن عابر «٤٦٤» بن شالح «٤٣٣» بن أرفخشذ «٤٣٨» بن سام «٦٠٠» ابن نوح ﵇ (^٤) * هذا نص أهل الكتاب في كتابهم وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد (١) وقدمنا الكلام على عمر نوح ﵇ فأغنى عن إعادته * وحكى الحافظ
ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب المبتدإ أن اسم أم إبراهيم أميلة ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال
_________________
(١) في الطبري والكامل: ورغا ثلاثا. فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم.
(٢) في الطبري: ديارهم.
(٣) نقل الخبر الطبري في تاريخه ١/ ١١٧ - ١١٨ دار القاموس. والفصيل: ولد الناقة.
(٤) نسبه الموجود في التوراة والتواريخ هو: إبراهيم بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفکشاذ بن سام بن نوح ﵇. وفي تهذيب ابن عساكر (١٣٦/ ٢ - ١٣٧): إبراهيم بن ازار وهو تارخ بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن شالح بن ارفشخد بن سام بن نوح ويكنى بأبي الضيفان. وكما هو ملاحظ فأكثر الأسماءمخالفة لما فى الأصل الذي نعتمده.
[ ١ / ١٦٠ ]
الكلبي اسمها " بونا " بنت كربنا بن كرثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح (^١)
وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال كان إبراهيم ﵇ يكنى أبا الضيفان (^٢). قالوا ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم ﵇ وناحور وهاران وولد لهاران لوط … وعندهم أن إبراهيم ﵇ هو الأوسط وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل … وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ (^٣) والاخبار وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روى من طريق هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عباس قال ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون … ثم قال والصحيح أنه ولد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معينا للوط ﵇. قالوا فتزوج إبراهيم سارة (^٤) وناحور ملكا ابنة هاران يعنون بابنة أخيه. قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد قالوا وانطلق تارخ بابنة إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة (^٥) وهذا يدل على أنه لم يولد بحران وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها … ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين … وهي بلاد بيت المقدس فأقاموا بحران وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال … ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها ويعملون لها أعيادا وقرابين … وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط ﵈ وكان الخليل ﵇ هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال فان الله ﷾ أتاه رشده في صغره وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره قال تعالى) (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) [الأنبياء: ٥١] أي كان أهلا لذلك.
_________________
(١) في الطبري: عن غير واحد من أهل العلم: اسمها أنموتا من ولد افراهم بن أرغو بن فالغ .. من ولد سام. وقيل اسمها: انمتلى بنت يكفور.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١٢/ ١٤١ التهذيب.
(٣) قال الطبري: اختلف في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه; قالوا بالسوس من أرض الأهواز - بابل - بناحية كوثى من السواد - بالوركاء بناحية الزوابي - حران ونقله منها أبوه إلى بابل (١/ ١١٩ والكامل لابن الأثير ١/ ٩٤)
(٤) في سارة أقوال: في رواية للطبري ولابن الأثير: انها ابنة عمه هاران وفي رواية أخرى عنده عن السدي: انها ابنة ملك حران وقد طعنت في دين قومها وآمنت بالله تعالى مع إبراهيم.
(٥) وفي المسعودي: مائتان وستين سنة ١/ ٤٠.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال تعالى (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون. وان تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين. أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. ان الله على كل شئ قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار. إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين. فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي انه هو العزيز الحكيم. ووهبنا له اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب. وآتيناه أجره في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين) [العنكبوت: ١٦ - ٢٧] ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى (واذكر في الكتاب إبراهيم انه كان صديقا نبيا. إذ قال لأبيه. يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا. يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا. يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا. قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) [مريم: ٤١ - ٤٨].
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة. وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر؟ … ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه (يا أبت إنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك (^١) فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك) قيل بالمقال وقيل
_________________
(١) قال في أحكام القرآن: أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة. ١١/ ١١١ وقوله: يا أبت دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب .. / الرازي ٢١/ ٢٢٦/.
[ ١ / ١٦٢ ]
بالفعال (^١) (واهجرني مليا) أي واقطعني وأطل هجراني. فعندها قال له إبراهيم (سلام عليك) أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) … قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) (^٢). وقد استغفر له إبراهيم ﵇ كما وعده في أدعيته. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (^٣)
وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن أبن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقي في النار " (^٤) هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذؤيب (^٥) عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة … وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان به. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وفي سياقه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي ﷺ بنحوه. وقال تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني أراك وقومك في ضلال مبين) [الانعام: ٧٤] هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر *
وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر
_________________
(١) قال الحسن: يعنى بالحجارة وقال الضحاك: بالقول أي لأشتمنك; وقال ابن عباس: لأضربنك; وقيل لأظهرن أمرك/ القرطبي ١١/ ١١١; وقال الرازي في الرجم قولان: الرجم باللسان - والرجم باليد.
(٢) في القرطبي: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه; (ومفارقته إياهم). وقال في تفسير الرازي: في الرجم.
(٣) سورة التوبة الآية ١١٤.
(٤) فتح الباري ٦٠/ ٨/ ٣٣٥٠ ورواه ابن عساكر في ٢/ ١٣٧ التهذيب.
(٥) كذا في الأصول وهو تحريف وفي البخاري ابن أبي ذئب; وقد تقدم قبل قليل.
[ ١ / ١٦٣ ]
علم. وهذا الذي قاله محتمل والله أعلم (^١) … ثم قال تعالى (وكذلك نري إبراهيم ملكوت
_________________
(١) يقول الدكتور النجار في قصص الأنبياء معللا ص ٧٠ - ٧١: " هو إبراهيم خليل الله بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عامر بن شالح بن أرفكشاذ بن سام بن نوح ﵇. هذا هو نسبه الموجود في التوراة والتواريخ. وقد جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة). اختلف المفسرون في اسم أبي إبراهيم - فقال بعضهم أن لفظ " آزر " في الآية بدل من لفظ " أب " في " أبيه " ويكون مقول القول " أتتخذ أصناما آلهة) الخ وقال آخرون اسمه " تارح " وان لفظ " آزر " كلمة ذم في لغته ومعناه " أعرج " قاله السهيلي في التكلمة. وقال آخرون أن معناه الخاطئ والخرف وفي التكلمة " يا مخطئ يا خرف " وقيل معناه " يا شيخ " أو هي كلمة زجر عن الباطل " راجع ص ١٢ ج ٣ تاج العروس ". أقول: بعيد في نظري أن يكون إبراهيم ﵇ قد واجه أباه بكلمات فيها تحقير أو عيب أو زجر كأعرج وخرف ومخطئ لان والد إبراهيم ﵇ لما هدده بقوله (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) لم يكن له جواب على هذه الجفوة القاسية وهذا التهديد العنيف إلا أن قال لأبيه (سلام عليك سأستغفر لك ربي أنه كان بي حفيا). وقال آخرون: أن تارح اسمه العلم، وان آزر وصف له كما قال البيضاوي. أقول: إذا صح أن والد إبراهيم كان له اسم علمي واسم وصفي، يكون معناه القوي أو الناصر أو المعين; لان لفظ آزر من الأزر أي القوة والنصر والعون ومنه الوزير أي المعين " تاج العروس ص ١١ ج ٣ " وهي كذلك في اللغات السامية التي منها لغة إبراهيم، ومن ذلك عازر وعزير وعازر في العبرية. فإن هذه المادة تفيد التقوية والنصرة والإعانة في تلك اللغة كما هي في اللغة العربية. قال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه. الخ) ومعلوم أن العين والهمزة يتعاوران على موضع واحد. وفي أسماء ملوك الأشوريين " أسرحدون " ولفظا " أسر " و" ازر " في غاية القرب. وفيهم أيضا " توخلات أبال ازار " وعلى ذلك فلا يبعد عن علماء الفيلولوجيا وعلماء اللغات السامية على الخصوص أن يثبتوا النسب بين هذه الألفاظ في اللغات السامية وقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية ما نصه: " آزر " اسم أبي إبراهيم في القرآن - سورة الأنعام الآية ٧٤ - ويظهر أن في هذا بعض الخلط لان اسم أزر لم يرد مطلقا على أنه أبو إبراهيم في غير هذا الموضع. كما أن تارح أو تارخ قد ورد في روايات بعض المؤرخين والمفسرين من المسلمين على أنه أبو إبراهيم أيضا. ولذلك لجئوا إلى التحاليل للتوفيق بين هاتين الروايتين. ولكن هذا التحايل لا قيمة له. ويقول مراتشي Prodrani Maracci، ج ٤ - ص ٩٠ " ان صيغة آزر نشأت عن قراءة خاطئة Agae التي وردت في تاريخ الكنيسة ليوز بيوس; إلا أنه لم يعين لا هو ولا من نقلوا عنه الفقرة التي ورد فيها هذا الاسم. أضف إلى ذلك أن هذا المؤرخ قد ذكر في مواضع متعددة. ومهما يكن من شئ فإن ما ذهب إليه مراتشي بعيد الاحتمال ".
[ ١ / ١٦٤ ]
السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أفلا تتذكرون. وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون. وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء ان ربك حكيم عليم) [الانعام: ٧٥ - ٨٣] وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله ﷿ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شئ ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه فبين لهم أولا عدم صلاحية الكواكب. قبل هو الزهرة لذلك ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها. ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [فصلت: ٣٧] ولهذا قال (فلما رأى الشمس بازغة) أي طالعة (قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) [الانعام: ٧٨ - ٨٠] أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة ومسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق … وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها كما قال تعالى (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا. ثم يوم القيامة بكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا. ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) [العنكبوت: ٢٥] وقال في سورة الأنبياء (ولقد
[ ١ / ١٦٥ ]
آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين. إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين. قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين. وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. فجعلهم جذاذا الا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون. قالوا من فعل هذا بآلهتنا انه لمن الظالمين. قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. ثم نكسوا على رؤوسهم. لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون. قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) [الأنبياء: ٥١ - ٧٠] وقال في سورة الشعراء (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين) [الشعراء: ٦٩ - ٨٣] وقال تعالى في سورة الصافات (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم. إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون. ائفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين. فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم. فتولوا عنه مدبرين. فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون. قال أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون. قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم. فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين) [الصافات: ٨٣ - ٩٨] يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله ﵇ أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا (وجدنا آبائنا لها عابدين) ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد وما كانوا عليه من عبادة الأنداد (قال لقد كنتم. أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) [الأنبياء: ٥٢] كما قال تعالى (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون. أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين) قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وقال لهم (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الاباء الجهال ولهذا قال لهم (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما
[ ١ / ١٦٦ ]
ادعوه من الأصنام لأنه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا (قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين) يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شئ فاطر السماوات والأرض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم. قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه (^١) بعضهم، وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره (^٢) فقال إني سقيم كما قال تعالى (فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم). عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة … فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم (راغ إلى آلهتهم) أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الأطعمة قربانا إليها (فقال) لها على سبيل التهكم والازدراء (ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضربا باليمين) لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم (^٣) في يده كما قال تعالى (فجعلهم جذاذا) أي حطاما كسرها كلها (إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون) قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير (^٤) إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين).
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) أي في الملا الأكبر على رؤس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل ﵇ أن يجتمع الناس كلهم
_________________
(١) قال الطبري: فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إني سقيم. وفي الكامل: لم يخرج معهم; لأنه كان يتوقع فرصة ينتهى بها ليفعل بأصنامهم ذلك (أي تكسيرها).
(٢) في الكامل والطبري ١/ ١٢٢: سمعه ضعفي الناس ومن هو في آخرهم ١/ ٩٦.
(٣) في الطبري: حديدة - وفي الكامل: بفأس في يده; وهي كذلك في رواية للطبري.
(٤) أما في الطبري والكامل: فربط الفأس بيده. (الصنم الأعظم).
[ ١ / ١٦٧ ]
فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى ﵇ لفرعون (موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) [طه: ٥٩] فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل فعله كبيرهم هذا) قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها (^١) وإنما عرض لهم في القول (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣] وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها (ثم نكسوا على رؤوسهم) قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إنكم أنتم الظالمون أي في عبادتها … وقال قتادة أدركت القوم حيرة سوء أي فأطرقوا ثم قالوا (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل ﵇ (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم. أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [البقرة: ٢٥٨] كما قال (فأقبلوا إليه يزفون) قال مجاهد يسرعون … قال (أتعبدون ما تنحتون) أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون (والله خلقكم وما تعملون) وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الأصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم. فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين) [الصافات: ٩٧ - ٩٨]. عدلوا عن الجدال والمناظرة (^٢) لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب ﷻ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠]. وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرآة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم … ثم عمدوا إلى جوبة (^٣) عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط … ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق
_________________
(١) قال إبراهيم ساخرا منهم: ان هذا الكبير، الصنم الكبير، غضب من أن تعبدوا معه هذه الصفار وهو أكبر منها فكسرها. ويتابع الطبري قائلا: فارعوا ورجعوا عنه فيما ادعوه عليه. ج ١/ ١٢٢.
(٢) أي فلما أعيتهم الحيلة فيه ووجدت موعظته منهم قلوبا غلقا وأذانا صما، عمدوا إلى ما يلجأ إليه القوي الجبار الذي لاحق معه بإزاء المحق الضعيف.
(٣) الجوبة: الحفرة.
[ ١ / ١٦٨ ]
صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن (^١) وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل ﵇ في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا. وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) [آل عمران: ١٧٣] الآية.
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال ﷺ: " لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك " (^٢).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا * ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) [الأنبياء: ٦٩] قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لأذى إبراهيم بردها … وقال كعب الأحبار لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه * وقال الضحاك يروى أن جبريل ﵇ كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شئ غيره … وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل. وصار إبراهيم ﵇ في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا إبراهيم … وروى ابن عساكر (^٣) عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها ﵇ فنادته يا بني إني أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك. فقال نعم فأقبلت إليه لا يمسها شئ من حر النار. فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت … وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) وفي الآية الأخرى (الأسفلين) ففازوا بالخسارة والسفال هذا في
_________________
(١) في الطبري والكامل: هيزن.
(٢) ورواه ابن عساكر في تاريخه ٢/ ١٤٧.
(٣) في رواية مطولة تراجع في تاريخه ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ١٦٩ ]
الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بل هي كما قال تعالى (إنها ساءت مستقرا ومقاما).
قال البخاري حدثنا عبد الله (^١) بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ (^٢)، وقال: " وكان ينفخ على إبراهيم " … ورواه مسلم من حديث ابن جريج … وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به … وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: " اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم ". قال فكانت عائشة تقتلهن … وقال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الأوزاغ. ثم حدثت عن رسول الله ﷺ: " أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه … تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة (^٣) مولاة الفاكه بن المغيرة قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله ﷺ حدثنا: " أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله (^٤) " … ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.