قال الله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين. فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه ان يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين. ان هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين. وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) [الصافات: ١١٣]. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل ﵇ لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لأنه أول ولده وبكره وقوله (فلما بلغ معه السعي) أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد (فلما بلغ معه السعي) أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا رئي إبراهيم ﵇ في المنام أنه يؤمر بذبح ولده … هذا. وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا " رؤيا الأنبياء وحي " (^٢) … قاله عبيد بن عمير أيضا وهذا اختبار من الله ﷿ لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعدما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه، فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا (قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [الصافات: ١٠٢] فبادر الغلام الحليم، سر والده الخليل إبراهيم، فقال: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) … وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى (فلما أسلما وتله للجبين) قيل أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه. قيل أراد أن يذبحه من قفاه
_________________
(١) في تفسير ابن كثير; راجع سورة الصافات. وسيأتي الحديث عنه في الفصل القادم.
(٢) الحديث في البخاري في رواية طويلة (٤/ ٥/ ١٣٨ فتح الباري).
[ ١ / ١٨١ ]
لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالأرض «وأسلما) أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت … قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم. فعند ذلك نودي من الله ﷿ (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى (إن هذا لهو البلاء المبين) أي الاختبار الظاهر البين وقوله (وفديناه بذبح عظيم) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه.
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير. قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر (^١). وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه (^٢). رواه ابن أبي حاتم.
قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام. فأما ما روي عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الأروى. واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما … ثم غالب ما ههنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات … وفي القرآن كفاية عما جرى من الامر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى ذبح عظيم وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا.
قال الإمام أحمد، حدثنا سفيان، حدثنا منصور عن خاله نافع (^٣)، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة - إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله ﷺ قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما (^٤) فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يشغل المصلي. قال: سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (^٥).
_________________
(١) العهن: الصوف.
(٢) الخبر في الطبري ج ١/ ١٤١ - ١٤٢.
(٣) في المسند: مسافح.
(٤) تخمرهما: تغطيهما.
(٥) الحديث في مسند أحمد ج ٤/ ٦٨، ٥/ ٣٨٠. وفيه: - صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية حدثت عن عائشة وأم حبيبة. وفي البخاري صرع بسماعها عن النبي ﷺ وأنكر الدارقطني ذلك. (تقريب التهذيب ٢/ ٦٠٣) الكاشف ٣/ ٤٢٩. منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي المكي، وهو ابن صفية بنت شيبة ثقة. تقريب التهذيب ٢/ ٢٧٦ قال أبو حاتم: صالح الحديث مات سنة ١٣٧ هـ (الكاشف ج ٣/ ١٥٦).
[ ١ / ١٨٢ ]
وهذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس. وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل لأنه كان هو المقيم بمكة. واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال بعده (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) [الصافات: ١١٢ [ومن جعله حالا (^١) فقد تكلف، ومستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما ههنا قطعا لا محيد عنه، فان عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكره اسحق فلفظة اسحق ههنا مقحمة مكذوبة مفتراة لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر [انما] ذاك إسماعيل. وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله ﷺ وإسحق والد يعقوب وهو إسرائيل الذين ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وقد قال بأنه اسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم (^٢). وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الأحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل. وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله (فبشرناها بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب) [هود: ٧١] قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق؟ وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق، وهو صغير، قبل أن يولد له، هذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم.
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله (فبشرناها بإسحاق) جملة تامة وقوله (ومن وراء إسحاق يعقوب) جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن
_________________
(١) أي من جعل كلمة - نبيا - حال من إسحاق فيكون التبشير به - بإسحاق - تبشيرا بنبوته لا بولادته.
(٢) قال القرطبي ١٥/ ٩٩: واختلف العلماء في المأمور بذبحه; فقال أكثرهم: الذبيح اسحق. وممن قال بذلك: العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله - ابن عباس - ابن مسعود - حماد بن زيد - جابر بن عبد الله - عبد الله بن عمر - عمر بن الخطاب - (هؤلاء من الصحابة) ومن التابعين وغيرهم: علقمة الشعبي مجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والسدي والزهري ومالك بن أنس. وقال الزجاج: الله أعلم أيهما الذبيح، وهذا مذهب ثالث. أما المذهب الثاني; فهم من قال: انه إسماعيل.
[ ١ / ١٨٣ ]
هو بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر. وقال فقوله (ومن وراء إسحاق يعقوب) منصوب بفعل مضمر تقديره (ووهبنا لإسحاق يعقوب) وفي هذا الذي قاله نظر. ورجح أنه إسحاق واحتج بقوله (فلما بلغ معه السعي) قال وإسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي … وهذا أيضا فيه نظر لأنه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكبا البراق إلى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم … فمن حكى القول عنه بأنه اسحق كعب الأحبار … وروي عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل ﵇. قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو إسماعيل ﵇ وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحق وكذبت اليهود … وقال عبد الله بن الإمام احمد عن أبيه هو إسماعيل … وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح فقال الصحيح أنه إسماعيل ﵇.
قال ابن أبي حاتم وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا الذبيح هو إسماعيل ﵇ … وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمر بن العلاء … قلت وروي عن معاوية (^١) وجاء عنه أن رجلا قال لرسول الله ﷺ يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ. وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا.
وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، يعني استدلاله بقوله بعد العصمة (^٢) (فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) فقال له عمر إن هذا الشئ ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه
_________________
(١) روى الخبر الحاكم في مستدركه (٢/ ٥٥١) من طريق عبد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي. قال الذهبي في الرواية: " قلت اسناده واه ". وعلق عليه ابن كثير في التفسير: هذا حديث غريب جدا.
(٢) " بعد العصمة " في النسخ المطبوعة وهو تحريف والصواب: بعد ذكر القصة.
[ ١ / ١٨٤ ]
وكان يرى أنه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل والذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لان إسحاق أبوهم … وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.