قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥٩/ ١٦/ ٣٣١٩ فتح الباري; ومسلم في صحيحه ٣٩/ ٣٩/ ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠ وأحمد في مسنده ج ٢/ ٣١٢، ٤٤٩ وأبو داود والنسائي في سننيهما.
[ ٢ / ٥٥ ]
كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا. وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا. وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا. وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) [مريم: ١ - ١٥].
وقال تعالى: (وكفلها زكريا كلما دخل عليهما زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين. قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء. قال رب اجعل لي آية. قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) [آل عمران: ٣٧ - ٤١].
وقال تعالى في سورة الأنبياء: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠] وقال تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) [الانعام: ٨٥]. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل. زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان، ويقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهناشاط بن أينا من بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بني إسرائيل. دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى. وقيل إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه (^١) ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكرى أيضا.
_________________
(١) ذكر المسعودي في مروج الذهب: زكريا بن أدق من ولد داود من سبط يهوذا. وقال ابن قتيبة في المعارف: زكريا بن أزن من ولد داود من سبط يهوذا. ولم يذكر نسب زكريا في القرآن ولا في كتب الأنبياء عند أهل الكتاب. قال النجار في قصص الأنبياء مشككا في نسبه المتداول: ويوجد زكريا - آخر - ليس له قصة في القرآن أصلا، وهذا له كتاب من الكتب القانونية عند النصارى. وهو زكريا بن برخيا وكان في زمن داريوس أي قبل زمن المسيح بما يقرب من ثلاثة قرون. والنصارى يؤولونه بالمسيح واليهود يؤولونه بمسيحهم المنتظر وهو المسيح الدجال. أما زكريا أبو يحيى فيظهر أنه كان ممن لهم شركة في خدمة الهيكل وعلى ذلك فهو لاوي. ص ٣٦٨.
[ ٢ / ٥٦ ]
والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر، وكانت امرأته [مع ذلك] (^١) عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا). قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال: " يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك ". (قال رب إني وهن العظم مني) أي ضعف وخار من الكبر (واشتعل الرأس شيبا) استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شبيه كما قال ابن دريد في مقصورته:
أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض في مسوده … مثل اشتعال النار في جمر الغضا
وآض عود اللهو يبسا ذاويا … من بعد ما قد كان مجاج الثرى
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا ﵇: (إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) وقوله: (لم أكن بدعائك رب شقيا) أي ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ما ثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا في آوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشئ في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) وقوله: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا) قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: (فهب لي من لدنك) أي من عندك بحولك وقوتك (وليا يرثني) أي في النبوة (^٢) والحكم في بني إسرائيل: (ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) يعني كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية (^٣) يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد ههنا وراثة
_________________
(١) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(٢) قال القرطبي في الآية: سؤال ودعاء; ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة فقيل كان عمره بضع وسبعين وقيل خمس وتسعين سنة وغلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره. "يرثني " قيل النبوة: قال القرطبي: فأما قومهم وراثة نبوة فمحال، لان النبوة لا تورث.
(٣) كان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ويرجع نسبها إلى سليمان - داود - يهوذا يعقوب. وزكريا من ولد هارون أخي موسى وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب.
[ ٢ / ٥٧ ]
المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ههنا وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه:
أحدها: ما قدمنا عند قوله تعالى: (وورث سليمان داود) [النمل: ١٦] أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروى في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (^١) فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃ واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون ﵃.
الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " (^٢) وصححه.
الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها.
الرابع: أن زكريا ﵇ كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه ما لا يكون له ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم إن شاء الله.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد يعني ابن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كان زكريا نجارا " (^٣). وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) [مريم: ٧]. وهذا مفسر بقوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي وأحمد. وقد سبق تخريجه فليراجع.
(٢) تقدم نص الحديث في الترمذي وفيه: " لا نورث ما تركنا من صدقة " من طريق أنس بن مالك. ٢٢/ ٤٤/ ١٦١٠. وليراجع تخريج الحديث السابق.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٤٣/ ٤٥/ ١٦٥ ومسند أحمد ج ٢/ ٢٩٦، ٤٠٥، ٤٨٥.
[ ٢ / ٥٨ ]
[آل عمران: ٣٩] فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) [مريم: ٨] أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن (^١) من ذلك (وكانت امرأتي عاقرا) يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون) [الحجر: ٥٤] وقالت سارة: (يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [هود: ٧٢ - ٧٣] وهكذا أجيب زكريا ﵇ قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه (كذلك قال ربك هو علي هين) أي هذا سهل يسير عليه (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) أي قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا. وقال تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٩٠] ومعنى اصلاح زوجته: أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شئ أي بذاءة (^٢) (قال رب اجعل لي آية) أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية. وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والابكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه (فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشيا). والوحي ههنا هو الامر الخفي إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا)، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇ وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه (^٣). قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله: (وآتيناه الحكم صبيا) وأما قوله: (وحنانا من لدنا) فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدري ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك (وحنانا من لدنا)
_________________
(١) تقدم أنه كان ابن خمس وتسعين سنة.
(٢) قال في أحكام القرآن: قال أكثر المفسرين: وأصلحنا زوجه: إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا، وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق. ١١/ ٣٣٦.
(٣) قال قتادة: كان ابن سنتين أو ثلاث سنين; وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا.
[ ٢ / ٥٩ ]
أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة (وحنانا) أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال: (وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) ثم قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الانسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء. حيث يقول:
ولدتك أمك باكيا مستصرخا … والناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الأخرى: (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) [آل عمران: ٣٩] فقيل المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: (هب لي من لدنك ذرية طيبة) [آل عمران: ٣٨] وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لاحد يقول أنا خير من يونس بن متى " (^١). علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث، وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العباداني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا. وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قال: موسى كليم الله. وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته. وقال قائل: إبراهيم خليل الله [وهم يذكرون
_________________
(١) مسند أحمد ج ١/ ٢٥٤، ٢٩٢.
[ ٢ / ٦٠ ]
ذلك] (^١) فقال: " أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب " قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا. وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ". فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن ههنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق: حدثنا محمد بن الأصبهاني، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال ما أحد إلا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثم تلا: (وسيدا وحصورا) ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا صح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق: عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن ساج (^٢) عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵉ " (^٣). وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن خالة قد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا. قال: وما هي يا بن خالة؟ قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال: سبحان الله بدنك معي فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين ". فيه غرابة وهو من الإسرائيليات. وقال إسرائيل: عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه أين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني قال: لا تغضب قال لا أستطيع إلا أن أغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى.
_________________
(١) سقطت من نسخ البداية المطبوعة.
(٢) في نسخ البداية المطبوعة: ابن سباح وهو تحريف والصواب ما أثبتناه. وهو عثمان بن عمرو بن ساج، مولى بني أمية وقد ينسب إلى جده، فيه ضعف من التاسعة. تقريب التهذيب ٢/ ١٣.
(٣) رواه البيهقي في دلائله ج ٧/ ٥٧٨ من طريق حذيفة بن اليمان. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٣٨١ وقال الذهبي صحيح.
[ ٢ / ٦١ ]
وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا ﵇ موتا أو قتل قتلا على روايتين: فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله إليه: لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين (^١). وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله. وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن النبي ﷺ قال: " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وكان أن يبطئ، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن؟ فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله ﷿ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله ﷿ كثيرا فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ﷿.
قال: وقال رسول الله ﷺ: " وأنا آمركم بخمس: الله أمرني بهن بالجماعة والسمع
_________________
(١) قال ابن قتيبة في المعارف ص ٢٤: قتلوه في جوف شجرة قطعوها وقطعوه معها. وذكر المسعودي رواية قتله: قال: فنشروا الشجرة وهو فيها، دلهم عليه إبليس لعنه الله ﷿، فقطعوه وقطعوها. والسبب في قتله اتهامه بارتكابه الفاحشة مع مريم ١/ ٥٩. وذكر ابن الأثير سببا آخر لقتله، ورواية قتله كما سبق إليها المسعودي وابن قتيبة - والسبب أنه لما قتل يحيى فر زكريا هاربا فأرسل الملك في طلبه. فدخل الشجرة .. ١/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٦٢ ]
والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الاسلام من عنقه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال: يا رسول الله وإن صام وصلى قال: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله ﷿ المسلمين المؤمنين عباد الله ﷿ " (^١).
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير به.
وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به، ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به. ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام عن أخيه به. ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام. قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية. ثم روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم. وقد ذكروا أن يحيى ﵇ كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار، ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان ويقول: من أنعم منك يا يحيى. وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله ﷿. وقال ابن وهب عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يوما إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه فقال يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة (^٢) لا يقطع إلا بدموع البكائين فقال له إبك يا بني فبكيا جميعا. وهكذا حكاه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج ٤/ ٢٠٢ ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٦١).
(٢) في كامل ابن الأثير: عقبة.
[ ٢ / ٦٣ ]
وهب بن منبه ومجاهد بنحوه. وروى ابن عساكر عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله ﷿. ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه.