قال الحافظ ابن عساكر: هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا دأب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (^٢) أبي الربيع نبي الله ابن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق (^٣). قال ابن ماكولا فارص بالصاد المهملة وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر قال الله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) [النمل: ١٦] أي ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لأنه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم، وأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (^٤) وفي لفظ: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " (^٥). فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها أقرباؤهم لان الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك، كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم وقال: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير) الآية يعني أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن حمشاد (^٦) حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا علي بن قدامة، حدثنا أبو جعفر الاستوائي (^٧) يعني محمد بن عبد الرحمن عن أبي يعقوب القمي (^٨)، حدثني أبو مالك قال: مر
_________________
(١) ذكر سليمان في القرآن ست عشرة مرة في: البقرة - النساء - الانعام - الأنبياء - النمل - سبأ - ص.
(٢) راجع التعليق على نسب داود، وقد تقدم قريبا.
(٣) راجع تاريخ ابن عساكر ج ٦/ ٣٥٢ - ٢٥٣ تهذيب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٨٥/ ٣/ ٦٧٢٧ فتح الباري، وأخرجه مسلم في صحيحه ٣٢/ ١٦/ ٤٩ ومالك في الموطأ ٥٦/ ١٢/ ٢٧ والترمذي في سننه ٢٢/ ٤٤/ ١٦١٠ والنسائي في سننه وأحمد في مسنده ١/ ٤، ٦، ٩، ٢٥ - ٢/ ٤٦٣ - ٦/ ١٤٥، ٢٦٢.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الخمس، وفضائل أصحاب النبي (١٢) وفي المغازي (١٤، ٣٨) وفي النفقات (٣) وفي الفرائض (٣) وفي كتاب الجهاد (٤٩، ٥٢، ٥٤، ٥٦).
(٦) في الأصول حشاد، وهو تحريف.
(٧) في الأصول الأسواني وهو تحريف والصواب الاستوائي نسبة إلى اتسوا وهي كورة بنواحي نيسابور ذكره صاحب معجم البلدان وفيه: محمد بن بسطام بن الحسن الاستوائي وقد ولي قضاء نيسابور ودام له القضاء ولأولاده. معجم البلدان ج ١/ ١٧٥.
(٨) في الأصول: العمي، وهو أبو الحسن يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي روى عن عيسى بن جابر وروى عنه أبو الربيع الزهراني وغيره توفي بقزوين سنة ٧٤ معجم البلدان ٤/ ٣٩٨.
[ ٢ / ٢٢ ]
سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول قالوا وما يقول يا نبي الله؟ قال يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت. قال سليمان ﵇ لان غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذاب. رواه ابن عساكر (^١): عن أبي القاسم زاهر بن طاهر عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات: (وأوتينا من كل شئ) أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال: (إن هذا لهو الفضل المبين) أي من بارئ البريات وخالق الأرض والسماوات كما قال تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) [النمل: ١٧ - ١٩].
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والانس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه، ولا يتأخر عنه (^٢) قال الله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) [النمل: ١٨] فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد (^٣) بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا (^٤) وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب. وفي هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شئ ولا وطئ لان البساط كان عليه جميع ما
_________________
(١) تاريخ ابن عساكر ٦/ ٢٥٣ تهذيب.
(٢) قال القرطبي في أحكام القرآن ج ١٣/ ١٦٨ وفي الآية دليل على اتخاذ الامام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض; إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم.
(٣) وادي السرير.
(٤) قال في أحكام القرآن: قيل كان اسمها: طاخية. وقال السهيلي: " قالوا اسمها حرميا. ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم والنمل لا يسمي بعضهم بعضا.
[ ٢ / ٢٣ ]
يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والانعام والطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد، والامر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره وليس كما يقوله بعض الجهلة، من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها، فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها، ولهذا قال: (رب أوزعني) أي ألهمني وأرشدني: (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وأن ييسر عليه العمل الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له. والمراد بوالديه داود ﵇ وأمه وكانت من العابدات الصالحات كما قال سنيد بن داود، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ قال: " قالت أم سليمان بن داود: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة ". رواه ابن ماجة (^١) عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن سليمان بن داود ﵇ خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها. قال ابن عساكر (^٢): وقد روي مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح بن خالد، عن عقيل، عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال النبي: " ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة ". وقال السدي: أصاب الناس قحط على عهد سليمان ﵇، فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول: " اللهم أنا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك " قال فصب الله عليهم المطر.
قال تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا
_________________
(١) رواه ابن ماجة في إقامة ح ١٧٤ وفيه: .. تترك الرجل فقيرا.
(٢) رواه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٧١ تهذيب.
[ ٢ / ٢٤ ]
شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون إلا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا أيها الملا إني القي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والامر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) [النمل: ٢٠ - ٣٧].
يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون (^١) يقومون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك. وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الاسفار يجئ فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم. فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته (فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) أي ماله مفقود من ههنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي (لأعذبنه عذابا شديدا) توعده بنوع من العذاب. اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على كل تقدير (أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) أي بحجة تنجيه من هذه الورطة. قال الله تعالى: (فمكث غير بعيد) أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها: (فقال) لسليمان: (أحطت بما لم تحط به) أي اطلعت على ما لم تطلع عليه (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) أي بخبر صادق (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم) يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد، فأرسلت إليه
_________________
(١) في الطبري: اختار سليمان من كل طير طيرا فجعله رأس تلك الطير، فإذا أراد أن يسأل شيئا من تلك الطير سأل رأسها.
[ ٢ / ٢٥ ]
تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها (^١)، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح (^٢) بن الحرث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن (^٣)، فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة (^٤) ويقال لها بلقيس. وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " كان أحد أبوي بلقيس جنيا ". وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف. وقال الثعلبي أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن جرجة، حدثنا ابن أبي الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ، فقال: " لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف. وقد ثبت في صحيح البخاري: من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " (^٥). ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ [بمثله] وقال الترمذي حسن صحيح وقوله: (وأوتيت من كل شئ) أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك (ولها عرش عظيم) يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلي الباهر. ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) أي له العرش العظيم، الذي لا أعظم منه في المخلوقات. فعند ذلك بعثه معه سليمان ﵇ كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والاذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم: (ألا تعلوا علي) أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري (واتوني مسلمين) أي وأقدموا علي سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة. فلما
_________________
(١) راجع الكامل لابن الأثير ١/ ٢٣٣.
(٢) ذكر الطبري في نسبها: ابنة ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح.
(٣) في أحكام القرطبي: بلعمة بنت شيصان. وفي الكامل: رواحة بنت السكر; وقيل يلقمه بنت عمرو بن عمير الجني.
(٤) في الطبري: بلمقة وفي الكامل: بلقمة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ٩٢/ ١٨، والترمذي في سننه ٣١/ ٧٥ وأحمد في مسنده: ٥/ ٣٨، ٤٣، ٤٥، ٤٧، ٥٠، ٥١ والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده. قال القاضي ابن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه ونقل عن الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه.
[ ٢ / ٢٦ ]
جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق، ولكن أين الثريا من الثرى، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها (قالت يا أيها الملا إني القي إلي كتاب كريم) ثم قرأت عليهم عنوانه أولا (إنه من سليمان) ثم قرأته: (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي واتوني مسلمين) ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم، وخاطبتهم، وهم يسمعون (قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) [النمل: ٣٢] تعني ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد) يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الابطال فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين (و) مع هذا (الامر إليك فانظري ماذا تأمرين) [النمل: ٣٣] فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الامر، لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) [النمل: ٣٤] تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الامر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) [النمل: ٣٥] أرادت أن تصانع عن نفسها، وأهل مملكتها بهدية ترسلها، وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان ﵇ لا يقبل منهم، والحالة هذه صرفا ولا عدلا لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون ولهذا (لما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) [النمل: ٣٦] هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون (^١). ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) [النمل: ٣٧] يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلي من قد من بها، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال، والتحف، والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) [النمل: ٣٧] أي فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة (وهم صاغرون) عليهم الصغار والعار
_________________
(١) عن ابن عباس: بعث باثنتي عشرة وصيفة، واثني عشر غلاما، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير; وبخرزتين إحداهما مثقوبة ثقبا معوجا والأخرى غير مثقوبة. وبقدح لا شئ فيه. (من ذهب). [قيل بعثت الهدية مع رجل من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو]. أحكام القرآن ١٣/ ١٩٦.
[ ٢ / ٢٧ ]
والدمار. فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة، وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين. فلما سمع بقدومهم عليه، ووفودهم إليه، قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن. (قال يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) [النمل: ٣٨ - ٤٣].
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها، قبل قدومها عليه (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الاشغال (وإني عليه لقوي أمين) أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك (قال الذي عنده علم من الكتاب) المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان. وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم. وقيل رجل من بني إسرائيل من علمائهم وقيل إنه سليمان وهذا غريب جدا. وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام قال وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) قيل معناه قبل أن تبعث رسولا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. وقيل قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل. (فلما رآه مستقرا عنده) أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين (قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) أي إنما يعود نفع ذلك عليه (ومن كفر فإن ربي غني كريم) أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين. ثم أمر سليمان ﵇ أن يغير حلي هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: (ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو) وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا
[ ٢ / ٢٨ ]
الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى إخبارا عن سليمان وقومه: (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين) أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي قومها من دون الله اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك، وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفا من زجاج، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ربي أني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) [النمل: ٤٤] وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لان أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف. وفي الأول أيضا نظر والله أعلم. إلا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الانس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك. فسأل الجان فصنعوا له النورة، ووضعوا لها الحمام، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر.
وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن (^١) وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان (^٢) وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن. والأول أشهر وأظهر. والله أعلم.
وقال تعالى في سورة ص: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق. ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب. قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي أنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد. هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ص: ٣٠ - ٣٩] يذكر تعالى أنه وهب
_________________
(١) هذا قول ابن الأثير في الكامل. وفي أحكام القرآن عن الضحاك: أنه تزوجها وأسكنها الشام.
(٢) وفي رواية أخرى في الكامل: أنه زوجها ذا تبع ملك همدان ثم ردها إلى اليمن. ونقل الخبر الطبري في تاريخه ١/ ٢٥٧. وفيه أمر زوبعة أمير جن اليمن فصنع لذي تبع الصنائع باليمن .. سلحين وصرواح ومرواح. وبينون وهند وهنيدة وتلثوم (وهي حصون).
[ ٢ / ٢٩ ]
لداود سليمان ﵉ ثم أثنى الله عليه تعالى فقال: (نعم العبد إنه أواب) أي رجاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. الجياد وهي المضمرة السراع (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب) يعني الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق) قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر. والذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس روي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك. وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعي وغيره. وقال مكحول والأوزاعي بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد (^١) كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. وقال آخرون بل كان تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق نسيانا وعلى هذا فيحمل فعل سليمان ﵇ على هذا والله أعلم. وأما من قال الضمير في قوله حتى توارت بالحجاب عائد على الخيل وأنه لم تفته وقت صلاة وإن المراد بقوله: (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق) يعني مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق. ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا: إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شئ من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها وإهلاكها لئلا يتقووا بها، وعليه حمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقر فرسه بموته، وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة. قيل كانت عشرة آلاف فرس. وقيل عشرين ألف فرس (^٢). وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الأجنحة. وقد روى أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن عزية ": أن محمد بن إبراهيم حدثه ٤)
_________________
(١) الخبر في تاريخ ابن عساكر ج ٦/ ٢٥٨ و٢٥٩ تهذيب وقال القرطبي في أحكامه: ومن قال إن الهاء في ردوها ترجع للشمس فذلك من معجزاته. والأكثر أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، ولما فاتته الصلاة فأمر الله الملائكة الموكلين بالشمس ردوها فردوها حتى صلى العصر في وقتها وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون. ج ١٥/ ١٩٦.
(٢) وعن الحسن والكلبي ومقاتل: كانت ألف فرس ورثها سليمان عن أبيه، عرض عليه تسعمائة فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت.
[ ٢ / ٣٠ ]
عن محمد (^١) بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (^٢) ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع. فقال: " ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس. قال: وما الذي عليه هذا؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ " (^٣). وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله ﷿ وقال: " إنك لا تدع شيئا اتقاء الله ﷿ إلا أعطاك الله خيرا منه " (^٤).
وقوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب). ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ههنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات (^٥) وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا ههنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان ﵇ غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد إليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. وقد قدمنا أنه جدده وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل ﵇ كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي؟ قال: مسجد بيت المقدس، قلت: كم
_________________
(١) في سنن أبي داود: عن أبي سلمة، وسقط اسم محمد ابنه.
(٢) السهوة. قال في النهاية: السهوة بيت صغير، منحدر في الأرض قليلا وقيل هو كالصفة، وقيل شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشئ.
(٣) سنن أبي داود - كتاب الأدب - باب في اللعب بالبنات ح ٤٩٣٢ ج ٤/ ٢٨٣.
(٤) مسند أحمد ج ٥/ ٧٩ وفيه: إلا أتاك الله خيرا منه.
(٥) هذه الأقوال التي نقلها المفسرون لا تصح قصصا لمنافاتها للعصمة التي هي من أخص صفات الأنبياء ﵈. ولو صح منها شئ لكان الوحي محل الشك والارتياب. وقال أبو حيان في تفسيره: نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، وهي مما لا يحل نقلها وهي إما من أوضاع اليهود أو الزنادقة. ولم يبين الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان .. وقال: ويستحيل عقلا بعض ما ذكروه كتمثل الشيطان بصورة نبي حتى يلتبس أمره عند الناس .. نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها. وقال الآلوسي: ومن أقبح ما زعم: تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض. الله أكبر! هذا بهتان عظيم وخطب جسيم .. وقد ضعف القرطبي هذا الزعم.
[ ٢ / ٣١ ]
بينهما؟ قال: أربعون سنة " (^١) ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام، وبين سليمان بن داود ﵉ أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس. كما قال الإمام أحمد، والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: " إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ﷿ خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها " (^٢). فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي رعته بالليل فأكلت شجرة بالكلية، فتحاكموا إلى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بما حكم لكم نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به. وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبري: إنما ذهب بابنك. وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها " (^٣). ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه وإياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: (وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) [الأنبياء: ٧٩ - ٨٠]. ثم قال: (ولسليمان الريح عاصفة) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ١٠ - ٤٠ ومسلم في المساجد ١، ٢ والنسائي في مساجد ٣ وابن ماجة في مساجد ٧ ومسند أحمد ج ٥/ ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦٦، ١٦٧.
(٢) أخرجه النسائي في مساجد - ٦ - وابن ماجة إقامة ١٩٦ وأحمد في مسنده ج ٢/ ١٧٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ٤١/ ٤ والقضاء ٦٠/ ٤٠ ورواه مسلم في ٥/ ٣٣، ٣٠/ ٢٠ والنسائي وأبو داود في سننيهما وابن ماجة في ٢٨/ ١٤ وأحمد في مسنده ٢/ ٣٢٢ - ٣٤٠ - ٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
[ ٢ / ٣٢ ]
ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) [الأنبياء: ٨١ - ٨٢]. وقال في سورة ص: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ص: ٣٦ - ٤٠]. لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجري بأمره رخاء (حيث أصاب) أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر (^١) مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار. ثم يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس كما قال تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: ١٢ - ١٣]. قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل (^٢) وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر، وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر. قلت: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان: أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال.
وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد: هو النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن أنبعها الله له. قال السدي ثلاثة أيام فقط (^٣) أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات
_________________
(١) إصطخر: بلدة بفارس، من أقدم مدنها وأشهرها، كان عليها قديما سور فتهدم بينها وبين شيراز اثنا عشر فرسخا النسبة إليها اصطخري واصطخرزي بناها إصطخر بن طهمورث ملك الفرس. معجم البدان ١/ ٢١١.
(٢) كابل: كابل في الإقليم الثالث، قال ابن الفقيه: من ثغور طخارستان. وهي بين الهند ونواحي سجستان في ظهر الغور. غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها. معجم البلدان ٤/ ٤٢٦.
(٣) قال القشيري: تخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدري ما حده، ولعله وهم من ناقله، إذ في رواية مجاهد: أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها، وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة. وقال القرطبي في أحكامه: والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته. ١٤/ ٢٧٠.
[ ٢ / ٣٣ ]
وغيرها وقوله: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) [سبأ: ١٢] أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الامر عذبه ونكل به (يعملون له ما يشاء من محاريب) وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس (وتماثيل) وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم (^١) (وجفان كالجواب). قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى:
تروح على آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي يفهق (^٢)
وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافهيا منها. يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد. ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والاحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: ١٣] وقال تعالى: (والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد) يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلئ وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك وقوله: (وآخرين مقرنين في الأصفاد) أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد: وهي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده، ولم يكن أيضا لمن كان قبله. وقد قال البخاري: ثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي [ص: ٣٥] فرددته خاسئا) " (^٣). وكذا رواه
_________________
(١) نسخ ذلك بشرع محمد ﷺ، وقد صح النهي عن النبي ﷺ لهذه الآية، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله ﷿ بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث ﷺ والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. روى مسلم عن عائشة عنه ﷺ قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله ﷿.
(٢) الفهق: الامتلاء. وخص العراقي لجهله بالمياه لأنه حضري، فإذا وجدها ملا جابيته وأعدها ولم يدر متى يجد المياه; وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالي ألا بعدها.
(٣) صحيح البخاري ٨/ ٧٥، ٦٠/ ٤٠، وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) كتاب المساجد (٢٨) باب - ٣٠٩/ ٥٤١. وأحمد في مسنده: ٢/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٣٤ ]
مسلم والنسائي من حديث شعبة. وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فصلى فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك، قال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " (^١) وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به. وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، ثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل " (^٢). روى أبو داود منه " فمن استطاع " إلى آخره عن أحمد بن سريج عن أحمد الزبيري به.
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة بمهور وثلاثمائة سراري وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي ﷺ لو قالها لجاهدوا في سبيل الله " (^٣). وقال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن
_________________
(١) أخرجه مسلم: في ٥ كتاب المساجد - ٢٨ باب ٤٠/ ٥٤٢; والنسائي في سننه ١٧/ ١٩.
(٢) مسند أحمد ج ٣/ ٨٢.
(٣) صحيح البخاري ٨٣/ ٤/ ٦٦٣٩ فتح الباري.
[ ٢ / ٣٥ ]
امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ: " لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله الله ﷿ " (^١). إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن فما ولدت إلا واحدة منهن بشق إنسان قال قال رسول الله ﷺ: " لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله ﷿ " تفرد به أحمد أيضا (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال: ونسي أن يقول إن شاء الله فأطاف بهن قال: فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ: " لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (^٣) وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا مقاتل، عن أبي الزناد وابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما: لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل واحدة منهن إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي ﷺ: " والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله ﷿ ". وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر فإنه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح. وقد كان له ﵇ من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لاحد قبله، ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال: (وأوتينا من كل شئ) [النمل: ١٦] (وقال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [ص: ٣٥] وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: (وهذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) أي أعط من شئت وأحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوغ لك كل ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك، وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا ولا يمنع أحدا إلا بإذن الله له في ذلك، وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا (^٤). وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك، فأشار إليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده ج ٢/ ٥٠٦ ورواه ابن عساكر في تاريخه ٦/ ٢٦٦ تهذيب.
(٢) مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٢٩.
(٣) مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٧٥.
(٤) تقدم تخريج الحديث ورواته فليراجع في محله.
[ ٢ / ٣٦ ]
رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فلله الحمد والمنة.
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والاجر الجميل والقربة التي تقربه إليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب).