وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك. وقد مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه وكانوا بعد قوم عاد وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله صالح بن عبد بن ماسح (^٢) بن عبيد بن حاجر ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة الأعراف (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم. هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون. قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون. فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) [الأعراف: ٧٣ - ٧٩] وقال تعالى في سورة هود (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب. قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ان عصيته فما تزيدونني غير تحسير. ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب. فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب. فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ. إن ربك هو القوي العزيز. وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود)
_________________
(١) ذكر اسم صالح في القرآن تسع مرات، في سورة الأعراف: ٧٣ - ٧٥ - ٧٧ وفي سورة هود في الآيات: ٦١ - ٦٢ - ٦٦ - ٨٩، وفي سورة الشعراء: ١٤٢.
(٢) في الطبري: صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جاثر بن ارم بن سام بن نوح.
[ ١ / ١٥٠ ]
[هود: ٦١ - ٦٧] وقال تعالى في سورة الحجر (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين. وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين. وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين. فأخذتهم الصيحة مصبحين. فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) [الحجر: ٧٠ - ٨٤] وقال ﷾ في سورة سبحان (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون. وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) [الاسراء: ٥٩] وقال تعالى في سورة الشعراء (كذبت ثمود المرسلين. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين. قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم. فعقروها فأصبحوا نادمين. فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: ١٤١ - ١٥٩] وقال تعالى في سورة النمل (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون. قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون. قالوا اطيرنا بك وبمن معك. قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون. وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون. ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون. وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [النمل: ٤٥ - ٥٣] وقال تعالى في سورة حم السجدة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [فصلت: ١٧ - ١٨] وقال تعالى في سورة اقتربت (كذبت ثمود بالنذر. فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه انا إذا لفي ضلال وسعر. أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا من الكذاب الأشر. انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر. ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر. فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر. انا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: ٢٣ - ٣٢] وقال تعالى (كذبت ثمود بطغواها إذا انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [الشمس: ١١ - ١٥] وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود كما في سورة براءة وإبراهيم والفرقان وسورة صلى الله عليه وآله وسورة (ق) والنجم والفجر … ويقال إن هاتين الأمتين لا يعرف خبرهما
[ ١ / ١٥١ ]
أهل الكتاب وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما كما قال تعالى في سورة إبراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فان الله لغني حميد. ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات] [إبراهيم: ٨ - ٩] الآية. الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه ولكن لما كان هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا ولا اعتنوا بحفظه وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى ﵇ … وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير متقصيا ولله الحمد والمنة.
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم وكيف نجى الله نبيه صالحا ﵇ ومن آمن به وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم ومخالفتهم رسولهم ﵇ … قد قدمنا أنهم كانوا عربا وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم … ولهذا قال لهم نبيهم ﵇ (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [الأعراف: ٧٣ - ٧٤] أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم وتعملوا بخلاف عملهم وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته فإن عاقبة ذلك وخيمة ولهذا وعظهم بقوله (أتتركون فيما ههنا آمنين. في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٨] أي متراكم كثير حسن بهي ناضج (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) [الشعراء ١٤٩ - ١٥٢] وقال لهم أيضا (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) [هود: ٦١] أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض وجعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرزاق فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه (فاستغفروه ثم توبوا إليه) أي أقلعوا عما أنتم فيه (^١) وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم (إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) [هود: ٦٢] أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة (^٢) وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد
_________________
(١) أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام.
(٢) في أحكام القرآن: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل هذا، أي قبل دعوتك النبوة، وكانوا يرجون رجوع دينهم .. وانقطع رجاؤهم لما دعاهم إلى الله.
[ ١ / ١٥٢ ]
العبادة وترك ما كنا نعبده من الأنداد والعدول عن دين الآباء والأجداد ولهذا قالوا (أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب - قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير) [هود: ٦٣] وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير أي فما ظنكم إن كان الامر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ماذا عذركم عند الله وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم وقالوا له أيضا (إنما أنت من المسحرين) [الشعراء: ١٥٣] أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده وخلع ما سواه من الأنداد وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين … وقيل من المسحرين أي ممن له سحر وهي الرئة كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والأول أظهر لقولهم بعد هذا ما أنت إلا بشر مثلنا * وقولهم (فأت بآية إن كنت من الصادقين) [هود: ١٥٤] سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم (قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم) [هود: ١٥٦] وقال (قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) [الأعراف: ٧٣] وقال تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) [الاسراء: ٥٩].
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا (^١) فيها وأن تكون عشراء (^٢) طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح ﵇ أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به. قالوا نعم فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ثم قام إلى مصلاه فصلى لله ﷿ ما قدر له ثم دعا ربه ﷿ أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله ﷿ تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا (^٣) فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم
_________________
(١) تعنتوا: تشددوا.
(٢) عشراء: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو هي كالنفساء من النساء.
(٣) قال الرازي في تفسيره ج ١٨/ ١٩: وأعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه: الأول: انه تعالى خلقها من الصخرة. الثاني: انه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل. الثالث: انه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر. الرابع: خلقها دفعة واحدة من غير ولادة الخامس: ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر. السادس: كان يحصل منها لبن كثير يكفي لخلق عظيم.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولهذا قال (فظلموا بها) أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم. وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس. وكان من رؤسائهم وهم بقية الاشراف بالاسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر بن جمس ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من أشرافهم فهم بالاسلام فنهاه أولئك فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل ﵀:
وكانت عصبة من آل عمرو … إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا … فهم بأن يجيب ولو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا … وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر … تولوا بعد رشدهم ذابا (^١)
ولهذا قال لهم صالح ﵇ (هذه ناقة الله لكم آية) [هود: ٦٤] أضافها الله ﷾ إضافة تشريف وتعظيم كقوله بيت الله وعبد الله لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به (فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) [هود: ٦٤] فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ولهذا (قال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) ولهذا قال تعالى (أنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) [القمر: ٢٧] أي اختبارا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون والله أعلم بما يفعلون (فارتقبهم) أي انتظر ما يكون من أمرهم (واصطبر) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية (ونبئهم ان الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) [القمر: ٢٨] فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم وزين لهم الشيطان أعمالهم قال الله تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) [الأعراف - ٧٧] وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قدار بن سالف بن جندع وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال أنه ولد زانية ولد على فراش سالف وهو ابن رجل يقال له صيبان. وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم (^٢) *
_________________
(١) في قصص الأنبياء لابن كثير: ذبابا.
(٢) وفي نسخة قصص الأنبياء لابن كثير: إليهم كلهم. وهو مناسب.
[ ١ / ١٥٤ ]
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين (^١) أن امرأتين من ثمود اسم إحداهما صدوق ابنة المحيا ابن زهير بن المختار وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة واسم الأخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم المذكورون في قوله تعالى (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) [النمل: ٤٨] وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقيها وهو فصيلها فصعد جبلا منيعا ودعا (^٢) ثلاثا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن أنه قال يا رب أين أمي ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه أيضا قال الله تعالى (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر) [القمر: ٢٩ - ٣٠] وقال تعالى (إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) [الشمس: ١٢ - ١٣] أي احذروها (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) [الشمس: ١٤ - ١٥].
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هاشم - هو أبو عزرة - عن أبيه عبد الله بن زمعة (^٣) قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال (إذ انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل من عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة (^٤). أخرجاه من حديث هشام بن (^٥) عارم أي شهم عزيز أي رئيس منيع أي مطاع في قومه … وقال محمد بن إسحاق حدثني
_________________
(١) تاريخ الطبري، وروح المعاني للآلوسي.
(٢) كذا في الأصل، وفي قصص الأنبياء لابن كثير: ورغا. وهو المناسب.
(٣) في المسند ٤/ ١٧: عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة. وهشام بن عروة; وأبو عزرة تحريف/ عن مسلم.
(٤) رواه مسلم في ٥١ كتاب/ ١٣ باب/ ح ٤٩ بزيادة: ذكر النساء فوعظ فيهم ثم قال: إلام يجلد أحدكم امرأته. ورواه البخاري في الفتح: ٦٥/ ٩١/ ٤٩٤٢ بزيادة " ذكر النساء .. وعارم: قال أهل اللغة: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس.
(٥) كذا بالأصول والنسخ المطبوعة: وفي قصص الأنبياء لابن كثير: من حديث هشام به.
[ ١ / ١٥٥ ]
يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب عن محمد بن خيثم عن يزيد عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ﷺ لعلي: " ألا أحدثك بأشقى الناس " قال: بلى. قال: " رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي بضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته ". رواه ابن أبي حاتم. وقال تعالى (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين) [الأعراف: ٧٧] فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:
منها انهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية. ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين … أحدهما الشرط عليهم في قوله (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) وفي آية " عظيم " وفي الأخرى " أليم " والكل حق … والثاني استعجالهم على ذلك.
ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه وهم يعلمون ذلك علما جازما ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم … قال الله تعالى (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (^١) ذلك وعد غير مكذوب) [هود: ٦٥] وذكروا نهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الأرض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقيها وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ورغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الأكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) [النمل: ٤٨] أي لنكسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدن قتله وننكرن ذلك أن طالبنا أولياؤه بدمه. ولهذا قالوا: (ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون) [النمل: ٤٨] قال الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) [النمل: ٥٠ - ٥٣] وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح ﵇ فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الاجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل. وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الاجل. ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما
_________________
(١) قال الرازي في تفسيره: قال ابن عباس: انه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الايمان، وذلك لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح ﵇ بنزول العذاب ..
[ ١ / ١٥٦ ]
أمسوا نادوا ألا قد مضى الاجل فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الأصوات وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها. قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة - ابنت السلق - ويقال لها الذريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح ﵇ فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شئ فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء فلما شربت ماتت. قال الله تعالى (كأن لم يغنوا فيها) أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) [هود: ٦٠] أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج (فعتوا عن أمر ربهم فعقروها). وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله. فقالوا من هو يا رسول الله قال: " هو أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " (^١). وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شئ من الكتب الستة والله أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي ﷺ مر بقبر أبي رغال فقال: " أتدرون من هذا " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله [من] عذاب الله. فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا، ودفن معه غصن من ذهب. فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن " … قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف … هذا مرسل من هذا الوجه … وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير، [قال] سمعت عبد الله بن عمرو، [يقول] سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: " إن هذا قبر أبي رغال. وهو أبو ثقيف; وكان من ثمود; وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان
_________________
(١) مسند أحمد ج ٣/ ٣٩٦ وتفرد به. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم، صدوق مشهور، اعتمده مسلم وروى له البخاري متابعة. قال ابن حجر: صدوق إلا أنه يدلس. تقريب التقريب (٢/ ٢٠٧/ ٦٩٧) المغني في الضعفاء للذهبي/ ٢ - ٦٣٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن " وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق به … قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ هذا حديث حسن عزيز. قلت تفرد به بجير بن أبي بجير هذا ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية … قال شيخنا فيحتمل أنه وهم في رفعه وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه والله أعلم. قلت لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له … والله أعلم.