قال الله تعالى (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم
_________________
(١) أي ابن جرير.
[ ١ / ١٥ ]
الذين كفروا بربهم يعدلون) [الانعام: ١] وقال تعالى (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) [هود: ٧] في غير ما آية من القرآن وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين. فالجمهور على أنها كأيامنا هذه. وعن ابن عباس، ومجاهد والضحاك، وكعب الأحبار: أن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهن ابن جرير، وابن أبي حاتم، واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية، وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم. وسيأتي ما يدل على هذا القول. وروى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، وغيره أن أسماء الأيام الستة " أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت " وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن إسحاق أنه قال " يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله ﷺ ابتدأ الله الخلق يوم السبت " وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. وسيأتي فيه حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت) والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصحابة ورواه أيضا عن عبد الله بن سلام، واختاره ابن جرير. وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون من الفقهاء. وهو أشبه بلفظ الأحد ولهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع وهو اليوم الذي أضل الله عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم) [البقرة: ٢٩] وقال تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح، وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [فصلت: ٩] فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) [غافر: ٦٤] قال تعالى (ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا إلى أن قال وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا) [المرسلات: ٢٥] وقال [تعالى] (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) [الأنبياء: ٣٠] أي فصلنا ما بين السماء والأرض حتى هبت الرياح ونزلت الأمطار وجرت العيون، والأنهار وانتعش الحيوان. ثم قال (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون) [الأنبياء: ٣٢] أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، والسيارات والنجوم
[ ١ / ١٦ ]
الزاهرات والأجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض والسماوات كما قال تعالى … (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) … [يوسف: ١٠٥] فأما قوله تعالى (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم) [النازعات: ٢٨] فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض. فخالفوا صريح الآيتين المتقدمين ولم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحي الأرض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء. وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى (وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) [فصلت: ١٠] أي هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلي والعلوي دحى الأرض أخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون وجرت الأنهار، ونبت الزرع والثمار ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرسال الجبال فقال (والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها) وقوله (والجبال أرساها) [المرسلات: ٣٠ - ٣٢] أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها وثبتها وأكدها وأطدها وقوله (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، والأرض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) [الذاريات: ٣٧] بأيد أي بقوة. وأنا لموسعون، وذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. ولهذا كان الكرسي أعلى من السماوات. وهو أوسع منهن كلهن. والعرش أعظم من ذلك كله بكثير. وقوله بعد هذا (والأرض فرشناها) أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال (فنعم الماهدون) والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع. وإنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة والله أعلم *
وقال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا قد بشرتنا فاعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم " قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الامر. قال " كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السماوات والأرض " فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فوالله لوددت اني كنت تركتها " هكذا رواه هاهنا وقد رواه في كتاب المغازي وكتاب التوحيد وفى بعض ألفاظه (ثم خلق السماوات والأرض) وهو لفظ النسائي أيضا. وقال الإمام أحمد بن حنبل (^١) حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرني إسماعيل بن
_________________
(١) مسند أحمد ج ٢/ ٣٢٧.
[ ١ / ١٧ ]
مية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال " أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال [فيها] يوم الأحد وخلق لشجر [فيها] يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاث (^١) وخلق النور يوم الأربعاء وبث [فيها] لدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله والنسائي عن هارون ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عن ابن جريج به مثله سواء. وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم ين يعقوب الجوزجاني عن محمد ابن الصباح عن أبي عبيدة الجداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة " إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة " إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت " وذكر تمامه بنحوه فقد اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ، وقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يحدثه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي ﷺ، فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي ﷺ، وأكد رفعه بقوله " أخذ رسول الله ﷺ بيدي " ثم في متنه غرابة شديدة. فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام. وهذا خلاف القرآن لان الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السماوات في يومين من دخان. وهو بخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من ربذة الأرض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى (^٢) السماء فسواهن سبع سماوات " قال إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء … ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين (الأحد والاثنين) وخلق الأرض على حوت وهو النون قال الله تعالى (نون والقلم وما يسطرون) (^٣) والحوت
_________________
(١) في المسند: الثلاثاء وما بين معكوفين في الحديث زيادة من المسند.
(٢) قال البيهقي في الأسماء ص ٥٢٠: قال يحيى بن زياد الفراء: الاستواء في كلام العرب على جهتين: إحداهما: ان يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته; أو يستوي من اعوجاج، ووجه ثالث: أن تقول كان مقبلا علي فلان يشاتمني والي سواء على معنى أقبل إلي وعلي. وعن ابن عباس قال: استوى: صعد.
(٣) سورة القلم الآية ١.
[ ١ / ١٨ ]
في الماء والماء على صفات والصفات على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح. وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت. وخلق الله يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع. وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب وفتق السماء وكانت رتقا فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها. ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره. ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا يحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. هذا الاسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات. فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الاذن في التحديث عن بني إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ كثير * وقد روى البخاري في صحيحه (^١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار (وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم. ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم. ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه ويبقى الباقي مما لا يصدق ولا يكذب وبه المستعان وعليه التكلان. قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي زناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي " وكذا رواه مسلم (^٢) والنسائي عن قتيبة به. ثم قال البخاري: (^٣)
_________________
(١) صحيح البخاري - من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن انه سمع معاوية " يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال: انه كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا لنبلو مع ذلك عليه الكذب.
(٢) البخاري - كتاب بدء الخلق - ج ٤/ ٧٣. عند مسلم في ٤٩ كتاب التوبة ج ١٤ (٢٧٥١) عن قتيبة بن سعد وفيه: لما خلق الله. وقوله عنده: قال العيني في شرح البخاري: والعندية ليست مكانية بل إشارة إلى كمال كونه مكنونا عن الخلق، مرفوعا عن حيز إدراكهم.
(٣) في كتاب بدء الخلق. باب ما جاء في سبع أرضين.
[ ١ / ١٩ ]