داود بن المعظم عيسى بن العادل، ملك دمشق بعد أبيه، ثم انتزعت من يده وأخذها عمه الأشرف واقتصر على الكرك ونابلس، ثم تنقلت به الأحوال وجرت له خطوب طوال حتى لم يبق معه شئ من المحال، وأودع وديعة تقارب مائة ألف دينار عند الخليفة المستنصر فأنكره إياها ولم يردها عليه، وقد كان له فصاحة وشعر جيد، ولديه فضائل جمة، واشتغل في علم الكلام على الشمس الخسر وشاهي تلميذ الفخر الرازي، وكان يعرف علوم الأوائل جدا، وحكوا عنه أشياء تدل إن صحت على سوء عقيدته فالله أعلم. وذكر أنه حضر أول درس ذكر بالمستنصرية في سنة ثنتين وثلاثين وستمائة، وأن الشعراء أنشدوا المستنصر مدائح كثيرة، فقال بعضهم في جملة قصيدة له:
لو كنت في يوم السقيفة شاهدا … كنت المقدم والامام الأعظما
فقال الناصر داود للشاعر: اسكت فقد أخطأت، قد كان جد أمير المؤمنين العباس شاهدا يومئذ، ولم يكن المقدم، وما الامام الأعظم إلا أبو بكر الصديق ﵁، فقال الخليفة: صدقت فكان هذا من أحسن ما نقل عنه رحمه الله تعالى، وقد تقاصر أمره إلى أن رسم عليه الناصر بن العزيز بقرية البويضا لعمه مجد الدين يعقوب حتى توفي بها في هذه السنة، فاجتمع الناس بجنازته، وحمل منها فصلي عليه ودفن عند والده بسفح قاسيون.