فيها أصبح الملك المعظم صاحب مصر عز الدين أيبك بداره ميتا وقد ولي الملك بعد أستاذ الصالح نجم الدين أيوب بشهور. كان فيها ملك توران شاه المعظم بن الصالح، ثم خلفته شجرة الدر أم خليل مدة ثلاثة أشهر ثم أقيم هو في الملك، ومعه الملك الأشرف موسى بن الناصر يوسف بن أقسيس بن الكامل مدة، ثم استقل بالملك بلا منازعة، وكسر الناصر لما أراد أخذ الديار المصرية وقتل الفارس إقطاي في سنة ثنتين وخمسين، وخلع بعده الأشرف واستقل بالملك وحده، ثم تزوج بشجرة الدر أم خليل. وكان كريما شجاعا حييا دينا، ثم كان موته في يوم الثلاثاء (^١) الثالث والعشرين من ربيع الأول، وهو واقف المدرسة المعزية بمصر ومجازها من أحسن الأشياء، وهي من داخل ليست بتلك الفائقة. وقد قال بعضهم: هذه مجاز لا حقيقة له. ولما قتل ﵀ فاتهم مماليكه زوجته أم خليل شجرة الدر به، وقد كان عزم على تزوج ابنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، فأمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها والجواري يعركن في معاربه حتى مات وهو كذلك (^٢)، ولما سمعوا مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها وألقوها على مزبلة غير مستورة العورة، بعد الحجاب المنيع والمقام الرفيع، وقد علمت على المناشير والتواقيع، وخطب الخطباء باسمها، وضربت السكة برسمها، فذهبت فلا تعرف بعد ذلك بعينها ولا رسمها (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير) [آل عمران: ٢٦] وأقامت الأتراك بعد أستاذهم عز الدين أيبك التركماني، بإشارة أكبر مماليكه الأمير سيف الدين قطز، ولده نور الدين عليا (^٣) ولقبوه الملك المنصور، وخطب له على المنابر وضربت السكة باسمه وجرت الأمور على ما يختاره برأيه ورسمه.
وفيها كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة، فنهب الكرخ ودور الرافضة حتى
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٢٩٤: يوم الأربعاء خامس وعشرين ربيع الأول.
(٢) في تاريخ أبي الفداء ٣/ ١٩٢: قتله سنجر الجوهري مملوك الطواشي والخدام. وفي بدائع ابن إياس، ندبت له خمسة من الخدام الروم، فدخل عليهما هؤلاء وبأيديهم سيوف مسلولة، فدخلوا عليه الحمام فقتلوه في الحمام خنقا. (١/ ١/ ٢٩٤).
(٣) قال ابن إياس: بويع بالسلطنة يوم الخميس سادس عشرين ربيع الأول ٦٥٥ وكان له من العمر إحدى وعشرين سنة (١/ ١/ ٢٩٦) وفي تاريخ أبي الفداء ٣/ ١٩٢: وعمره يومئذ خمس عشرة سنة.
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
دور قرابات الوزير ابن العلقمي، وأن ذلك من أقوى الأسباب في ممالاته للتتار. وفيها دخلت الفقراء الحيدرية الشام، ومن شعارهم لبس الراحي والطراطير ويقصون لحاهم ويتركون شواربهم، وهو خلاف السنة، تركوها لمتابعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة فقصوا لحيته وتركوا شواربه، فاقتدوا به في ذلك، وهو معذور مأجور. وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وليس لهم في شيخهم قدوة. وقد بنيت لهم زاوية بظاهر دمشق قريبا من العونية. وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة المباركة عمل عزاء واقف البادرائية بها الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد البادرائي (^١) البغدادي مدرس النظامية، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمة، وإصلاح الأحوال المدلهمة، وقد كان فاضلا بارعا رئيسا وقورا متواضعا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العزوبة وأن لا يكون الفقيه في غيرها من المدارس، وإنما أراد بذلك توفر خاطر الفقيه وجمعه على طلب العلم، ولكن حصل بذلك خلل كثير وشر لبعضهم كبير وقد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية بالشام وغيرها برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدين الفزاري مدرس هذه المدرسة وابن مدرسها، يذكر أنه لما حضر الواقف في أول يوم درس بها وحضر عنده السلطان الناصري، قرأ كتاب الوقف وفيه ولا تدخلها امرأة. فقال السلطان ولا صبي؟ فقال الواقف: يا مولانا السلطان ربنا ما يضرب بعصاتين. فإذا ذكر هذه الحكاية تبسم عندها رحمه الله تعالى. وكان هو أول من درس بها ثم ولده كمال الدين من بعده، وجعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار في ذريته إلى الآن. وقد نظر فيه بعض الأوقات القاضي شمس الدين بن الصائغ ثم انتزع منه حيث أثبت لهم النظر، وقد أوقف البادرائي على هذه المدرسة أوقافا حسنة دارة، وجعل فيها خزانة كتب حسنة نافعة، وقد عاد إلى بغداد في هذه السنة فولي بها قضاء القضاة كرها منه، فأقام فيه سبعة عشر يوما ثم توفي إلى رحمة الله تعالى في مستهل ذي الحجة من هذه السنة. ودفن بالشونيزية رحمه الله تعالى.
وفي ذي الحجة من هذه السنة بعد موت البادرائي بأيام قلائل نزلت التتار على بغداد مقدمة لملكهم هولاكو بن تولى بن جنكيزخان عليهم لعائن الرحمن، وكان افتتاحهم لها وجنايتهم عليها في أول السنة الآتية على ما سيأتي بيانه وتفصيله - وبالله المستعان.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان البادرائي واقف البادرائية التي بدمشق كما تقدم بيانه رحمه الله تعالى.
_________________
(١) البادرائي نسبة إلى بادرايا قرية من أعمال واسط.
[ ١٣ / ٢٢٩ ]