فقد تقدم أن موسى ﵇ رحل اليه في طلب ما عنده من العلم اللدني وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف وذكرنا في تفسير ذلك هنالك وأوردنا هنا ذكر الحديث
[ ١ / ٣٢٥ ]
المصرح بذكر الخضر ﵇ وأن الّذي رحل اليه هو موسى بن عمران نبي بنى إسرائيل ﵇ الّذي أنزلت عليه التوراة.
وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته الى الآن على أقوال سأذكرها لك هاهنا إن شاء الله وبحوله وقوته * قال الحافظ ابن عساكر يقال إنه الخضر بن آدم ﵇ لصلبه ثم روى من طريق الدارقطنيّ حدثنا محمد بن الفتح القلانسي حدثنا العباس بن عبد الله الرومي حدثنا رواد بن الجراح حدثنا مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس قال الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال وهذا منقطع وغريب. وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا إن أطول بنى آدم عمرا الخضر واسمه خضرون بن قابيل بن آدم قال وذكر ابن إسحاق أن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة وأن يدفنوه في مكان عينه لهم. فلما كان الطوفان حملوه معهم فلما هبطوا الى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى فقالوا إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك. وقال إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر فهابوا المسير الى ذلك الموضع في ذلك الوقت فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الّذي تولى دفنه وأنجز الله ما وعده فهو يحيى الى ما شاء الله له أن يحيى. وذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه أن اسم الخضر بليا * ويقال إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وقال إسماعيل بن أبى أويس اسم الخضر فيما بلغنا والله أعلم المعمر بن مالك بن عبدان بن نصر بن لازد. وقال غيره هو خضرون بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال هو أرميا بن طبقا فالله أعلم. وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جدا. قال ابن الجوزي رواه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة وهما ضعيفان. وقيل إنه ابن مالك وهو أخو الياس قاله السدي كما سيأتي. وقيل انه كان على مقدمة ذي القرنين. وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه وقيل كان نبيا في زمن بشتاسب بن لهراسب.
قال ابن جرير والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون ابن اثفيان حتى أدركه موسى ﵉. وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال الخضر أمه رومية وأبوه فارسي وقد ورد ما يدل على أنه كان من بنى إسرائيل في زمان فرعون أيضا.
قال أبو زرعة في دلائل النبوة حدثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه ليلة أسرى به وجد رائحة طيبة فقال يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة قال هذه ريح قبر الماشطة وابنتها وزوجها وقال وكان بدء ذلك أن الخضر كان من
[ ١ / ٣٢٦ ]
أشراف بنى إسرائيل وكان ممره براهب في صومعته فتطلع عليه الراهب فعلمه الإسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا وكان لا يقرب النساء ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا ثم طلقها فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر فاقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر قال قد رأيت العزقيل ومن رآه معك قال فلان فسئل فكتم وكان من دينهم انه من كذب قتل فقتل وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة قال فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت تعس فرعون فأخبرت أباها وكان للمرأة ابنان وزوج فأرسل اليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما فأبيا فقال إني قاتلكما فقالا إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فجعلهما في قبر واحد فقال وما وجدت ريحا أطيب منهما وقد دخلت الجنة وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجا من كلام أبى بن كعب أو عبد الله بن عباس والله أعلم. وقال بعضهم كنيته أبو العباس والأشبه والله أعلم أن الحضر لقب غلب عليه.
قال البخاري ﵀ حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إنما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء تفرد به البخاري وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به. ثم قال عبد الرزاق الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه يعنى الهشيم اليابس. وقال الخطابي وقال أبو عمر الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها وقال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر كما قال الراعي.
ولقد ترى الحبشي حول بيوتنا … جذلا إذا ما نال يوما ما كلا
جعدا أصك كان فروة رأسه … بذرت فأنبت جانباه فلفلا
قال الخطابي إنما سمى الخضر خضرا لحسنه واشراق وجهه * قلت هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فان كان ولا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت الى ما عداه وقد
روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأيلي حدثنا عثمان وأبو جزى وهمام بن يحيى عن قتادة عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال إنما سمى الخضر خضرا لانه صلّى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء. وهذا غريب من هذا الوجه وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال إنما سمى الخضر لانه كان إذا صلّى أخضر ما حوله وتقدم أن موسى ويوشع ﵉ لما رجعا يقصان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه فسلم ﵇ فكشف عن وجهه فرد وقال أنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم فكان من أمرهما ما قصه
[ ١ / ٣٢٧ ]
الله في كتابه عنهما.
وقد دل سباق القصة على نبوته من وجوه. أحدها قوله تعالى ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ الثاني قول موسى له ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الّذي اختصه الله به دونه فلو كان غير نبي لم يكن معصوما ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولى غير واجب العصمة ولما عزم على الذهاب اليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضى حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى اليه كما يوحى اليه وقد خص من العلوم اللدنية والأسرار النبويّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بنى إسرائيل الكريم وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني (^١) على نبوة الخضر ﵇. الثالث أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحى اليه من الملك العلام * وهذا دليل مستقل على نبوته. وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الّذي لم يبلغ الحلم علما منه بانه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دل ذلك على نبوته وانه مؤيد من الله بعصمته.
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه.
وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا. الرابع أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلى قال بعد ذلك كله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعنى ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحى الى فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته * ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون. وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وان الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون اليه ولا معتمد يعتمدون عليه.
وأما الخلاف في وجوده الى زماننا هذا فالجمهور على انه باق الى اليوم. قيل لانه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. وقيل لانه شرب من عين الحياة فحيي.
_________________
(١) وفي النسختين الموجودتين في المكتبة المصرية (البرقاني).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه الى الآن وسنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة وهذه وصيته لموسى حين ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة. قال البيهقي أنبأنا أبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو عبد الله الصفار حدثنا أبو بكر ابن أبى الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير حدثني أبو عبد الله الملطي قال لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى أوصني قال كن نفاعا ولا تكن ضرارا. كن بشاشا ولا تكن غضبان. ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة. وفي رواية من طريق أخرى زيادة (ولا تضحك إلا من عجب). وقال وهب بن منبه قال الخضر يا موسى ان الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها وقال بشر بن الحارث الحافى قال موسى للخضر أوصني فقال يسر الله عليك طاعته. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع
رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوقاد إلا أنه من الكذابين الكبار. قال قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري قال مجالد قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدريّ قال عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ قال أخى موسى يا رب ذكر كلمته فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها فقال السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران إن ربك يقرأ عليك السلام. قال موسى هو السلام واليه السلام والحمد لله رب العالمين الّذي لا أحصى نعمه ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ثم قال موسى أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك. فقال الخضر يا طالب العلم ان القائل أقل ملامة (١) من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم واعلم ان قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك. واغرف من الدنيا وانبذها وراءك. فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار. وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد. ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم * يا موسى تفرغ للعلم ان كنت تريده فإنما العلم لمن تفرغ له * ولا تكن مكثارا للعلم مهذارا فان كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوى السخفاء. ولكن عليك بالاقتصاد فان ذلك من التوفيق والسداد * وأعرض عن الجهال وماطلهم وأحلم عن السفهاء فان ذلك فعل الحكماء وزين العلماء إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما. وجانبه حزما. فان ما بقي من جهله عليك وسبه إياك أكثر وأعظم * يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا * فان الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف * يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه * يا ابن عمران من لا ينتهى من الدنيا نهمته ولا تنقضي منها رغبته ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدا. هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه. أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه لان سعيه الى آخرته وهو مقبل على دنياه * يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بواره ولغيرك نوره * يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك والعلم والذكر كلامك واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات وزعزع بالخوف قلبك فان ذلك يرضى ربك واعمل خيرا فإنك لا بد
[ ١ / ٣٢٩ ]
عامل سوء. قد وعظت ان حفظت * قال فتولى الخضر وبقي موسى محزونا مكروبا يبكى.
لا يصح هذا الحديث وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري كذبه غير واحد من الأئمة والعجب أن الحافظ بن عساكر سكت عنه *
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي حدثنا بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبى امامة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه ألا أحدثكم عن الخضر قالوا بلى يا رسول الله قال بينما هو ذات يوم يمشى في سوق بنى إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال تصدق على بارك الله فيك فقال الخضر آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون ما عندي من شيء أعطيكه فقال المسكين أسألك بوجه الله لما تصدقت على فانى نظرت الى السماء في وجهك ورجوت البركة عندك فقال الخصر آمنت بالله ما عندي من شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني فقال المسكين وهل يستقيم هذا قال نعم الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم أما أنى لا أخيبك بوجه ربى بعنى قال فقدمه الى السوق فباعه بأربعمائة درهم فمكث عند المشترى زمانا لا يستعمله في شيء فقال له انك ابتعتني التماس خير عندي فأوصنى بعمل قال أكره أن أشق عليك انك شيخ كبير ضعيف. قال ليس يشق على. قال فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة. فقال أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه. ثم عرض للرجل سفر فقال إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال فأوصني بعمل قال إني أكره أن أشق عليك قال ليس تشق على قال فاضرب من اللبن لبيتى حتى أقدم عليك فمضى الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه فقال أسألك بوجه الله ما سبيلك وما أمرك فقال سألتني بوجه الله والسؤال بوجه الله أوقعني في العبوديّة سأخبرك من أنا أنا الخضر الّذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شيء أعطيه فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع. فقال الرجل آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم فقال لا بأس أحسنت وأبقيت. فقال الرجل بأبي وأمى يا نبي الله أحكم في أهلي ومالي بما أراك الله أو أخيرك فاخلى سبيلك فقال أحب أن تخلى سبيلي فاعبد ربى فخلى سبيله * فقال الخضر الحمد لله الّذي أوقعني في العبوديّة ثم نجاني منها. وهذا حديث رفعه خطأ والأشبه أن يكون موقوفا وفي رجاله من لا يعرف فالله أعلم.
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر من طريق عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك عن بقية. وقد روى الحافظ بن عساكر باسناده الى السدي أن الخضر والياس كانا أخوين وكان أبوهما ملكا فقال الياس لأبيه إن أخى الخضر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر فقال لها الخضر إنه لا حاجة لي في النساء فان
[ ١ / ٣٣٠ ]
شئت أطلقت سراحك وان شئت أقمت معى تعبدين الله ﷿ وتكتمين على سرى فقالت نعم وأقامت معه سنة. فلما مضت السنة دعاها الملك فقال إنك شابة وابني شاب فأين الولد فقالت إنما الولد من عند الله ان شاء كان وان لم يشأ لم يكن فأمره أبوه فطلقها وزوجه بأخرى ثيبا قد ولد لها فلما زفت اليه قال لها كما قال للتي قبلها فأجابت الى الاقامة عنده. فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد فقالت إن ابنك لا حاجة له بالنساء فتطلبه أبوه فهرب فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه. فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره فهرب من أجل ذلك وأطلق سراح الأخرى فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة فمر بها رجل يوما فسمعته يقول بسم الله فقالت له أنى لك هذا الاسم فقال إني من أصحاب الخضر فتزوجته فولدت له أولادا. ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت فرعون فبينما هي يوما تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت ابنة فرعون أبى فقالت لا ربى وربك ورب أبيك الله فأعلمت أباها فامر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها فألقيت فيه فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها فقال لها ابن معها صغير يا أمه اصبري فإنك على الحق فالقت نفسها في النار فماتت رحمها الله * وقد
روى ابن عساكر عن أبى داود الأعمى نفيع وهو كذاب وضاع عن أنس بن مالك ومن طريق كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو كذاب أيضا عن أبيه عن جده أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي ﷺ وهو يدعو ويقول اللهمّ أعنى على ما ينجيني مما خوفتني وارزقني شوق الصالحين الى ما شوقتهم اليه فبعث اليه رسول الله أنس بن مالك فسلم عليه فرد عليه¬ السلام وقال قل له ان الله فضلك على الأنبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره الحديث وهو مكذوب لا يصح سندا ولا متنا كيف لا يتمثل بين يدي رسول الله ﷺ ويجيء بنفسه مسلما ومتعلما وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتى اليهم ويسلم عليهم ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الّذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه حتى يتعرف اليه بأنه موسى بنى إسرائيل. وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي بعد إيراده حديث أنس هذا وأهل الحديث متفقون على أنه حديث منكر الاسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة. فاما الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا كامل بن طلحة حدثنا عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك قال لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت الى أصحاب رسول الله ﷺ فقال ان في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فإلى الله فأنيبوا واليه فارغبوا ونظر إليكم في البلاء فانظروا فان المصاب من لم يجبر وانصرف فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل فقال أبو بكر وعلى
[ ١ / ٣٣١ ]
نعم هو أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇. وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن كامل بن طلحة به وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ثم قال البيهقي عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر بمرة قلت عباد بن عبد الصمد هذا هو بن معمر البصري. روى عن أنس نسخة قال ابن حبان والعقيلي أكثرها موضوع * وقال البخاري منكر الحديث. وقال أبو حاتم ضعيف الحديث جدا منكره. وقال بن عدي عامة ما يرويه في فضائل على وهو ضعيف غال في التشيع. وقال الشافعيّ في مسندة أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده على بن الحسين قال لما توفى رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول ان في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب. قال على بن الحسين أتدرون من هذا. هذا الخضر * شيخ الشافعيّ القاسم العمرى متروك. قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يكذب. زاد أحمد ويضع الحديث ثم هو مرسل ومثله لا يعتمد عليه هاهنا والله أعلم. وقد روى من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أبيه عن على. ولا يصح. وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه عن محمد بن عجلان عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلى على جنازة إذ سمع هاتفا وهو يقول لا تسبقنا يرحمك الله فانتظره حتى لحق بالصف فذكر دعاءه للميت إن تعذبه فكثيرا عصاك وإن تغفر له ففقير الى رحمتك * ولما دفن قال طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا فقال عمر خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو. قال فتوارى عنهم فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع. فقال عمر هذا والله الخضر الّذي حدثنا عنه رسول الله ﷺ. وهذا الأثر فيه مبهم وفيه انقطاع ولا يصح مثله.
وروى الحافظ بن عساكر عن الثوري عن عبد الله بن محرز عن يزيد بن الأصم عن على بن أبى طالب قال دخلت الطواف في بعض الليل فإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يمنعه سمع من سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا مسألة السائلين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال فقلت أعد على ما قلت فقال لي أو سمعته قلت نعم فقال لي والّذي نفس الخضر بيده قال وكان هو الخضر لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل دبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم لغفرها الله له. وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرز فإنه متروك الحديث ويزيد بن الأصم لم يدرك عليا ومثل هذا لا يصح والله أعلم. وقد
رواه أبو إسماعيل الترمذي حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا صالح بن أبى الأسود عن محفوظ بن عبد الله الحضرميّ عن محمد بن يحيى قال بينما على بن أبى طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا يغلطه السائلون ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين ارزقنى برد عفوك وحلاوة رحمتك
[ ١ / ٣٣٢ ]
قال فقال له على يا عبد الله أعد دعاءك هذا قال وقد سمعته قال نعم قال فادع به في دبر كل صلاة فو الّذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها وحصباء الأرض وترابها لغفر لك أسرع من طرفة عين. وهذا أيضا منقطع وفي اسناده من لا يعرف والله أعلم.
وقد أورد ابن الجوزي من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا حدثنا يعقوب بن يوسف حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر نحوه. ثم قال وهذا إسناد مجهول منقطع وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد أنبأنا أبو إسحاق المزكي حدثنا محمد ابن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن احمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان أنبأنا عمرو بن عاصم حدثنا الحسن بن زريق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ولا أعلمه إلا مرفوعا الى النبي ﷺ قال يلتقى الخضر والياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف الشر إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله. قال وقال ابن عباس من قالهن حين يصبح وحين يمسى ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحرق والسرق قال وأحسبه قال ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب.
قال الدارقطنيّ في الافراد هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشيخ عنه يعنى الحسن بن زريق هذا * وقد روى عنه محمد بن كثير العبديّ أيضا ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي ليس بالمعروف * وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي مجهول وحديثه غير محفوظ.
وقال أبو الحسن بن المنادي هو حديث واه بالحسن بن زريق. وقد
روى ابن عساكر نحوه من طريق على بن الحسن الجهضمي وهو كذاب عن ضمرة بن حبيب المقدسي عن أبيه عن العلاء بن زياد القشيري عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب مرفوعا قال يجتمع كل يوم عرفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل * والخضر وذكر حديثا طويلا موضوعا تركنا إيراده قصدا ولله الحمد.
وروى ابن عساكر من طريق هشام ابن خالد عن الحسن بن يحيى الخشنيّ عن ابن أبى رواد قال الياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويحجان في كل سنة ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما الى مثلها من قابل. وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق أحب أن يتعبد ليلة في المسجد فامر القومة أن يخلوه له ففعلوا فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلى فيما بينه وبين باب الخضراء فقال للقومة ألم آمركم أن تخلوه فقالوا يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلى هاهنا. وقال ابن عساكر أيضا أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل ابن أحمد أنبأنا أبو بكر بن الطبري أنبأنا أبو الحسين بن الفضل أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب هو
[ ١ / ٣٣٣ ]
ابن سفيان الفسوي حدثني محمد بن عبد العزيز حدثنا حمزة عن السري بن يحيى عن رباح بن عبيدة قال رأيت رجلا يماشى عمر بن عبد العزيز معتمدا على يديه فقلت في نفسي إن هذا الرجل حافى قال فلما انصرف من الصلاة قلت من الرجل الّذي كان معتمدا على يدك آنفا قال وهل رأيته يا رباح قلت نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخى الخضر بشرنى أنى سألى وأعدل. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي الرمليّ مجروح عند العلماء * وقد قدح أبو الحسين بن المنادي في ضمرة والسري ورباح. ثم أورد من طرق أخر عن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع بالخضر وضعفها كلها. وروى ابن عساكر أيضا أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم. وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب الى حياته الى اليوم وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الاسناد * وقصاراها أنها صحيحة الى من ليس بمعصوم من صحابى أو غيره لانه يجوز عليه الخطأ والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرنى عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد قال حدثنا رسول ﷺ حديثا طويلا عن الدجال وقال فيما يحدثنا يأتى الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فيخرج اليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيرهم فيقول أشهد أنك أنت الدجال الّذي حدثنا عنك رسول الله ﷺ بحديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحيى والله ما كنت أشد بصيرة فيك منى الآن قال فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه قال معمر بلغني أنه يجعل على حلقه صحيفة من نحاس وبلغني أنه الخضر الّذي يقتله الدجال ثم يحييه وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراويّ عن مسلم الصحيح أن يقال إن هذا الرجل الخضر وقول معمر وغيره بلغني ليس فيه حجة وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث فيأتى بشاب ممتلئ شبابا فيقتله وقوله الّذي حدثنا عنه رسول الله ﷺ لا يقتضي المشافهة بل يكفى التواتر. وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعات ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد * وأما الذين ذهبوا الى أنه قد مات ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي وقد انتصر لذلك وألف فيه كتابا سماه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر فيحتج لهم بأشياء كثيرة * منها قوله ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى والأصل عدمه حتى يثبت ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله. ومنها أن الله تعالى قال ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ﴾
[ ١ / ٣٣٤ ]
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ) قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه. ذكره البخاري عنه فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق فلو كان حيا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه وينصره أن يصل أحد من الأعداء اليه لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه وان كان نبيا فموسى أفضل منه وقد
روى الامام أحمد في مسندة حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال والّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. وهذا الّذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة. وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع معهم ليلة الاسراء رفع فوقهم كلهم ولما هبطوا معه الى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم فدل على أنه الامام الأعظم والرسول الخاتم البجل المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فإذا علم هذا وهو معلوم عند كل مؤمن علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد ﷺ وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك * هذا عيسى بن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها وهو أحد أولى العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بنى إسرائيل والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس اليه أنه أجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه ﷿ واستنصره وأستفتحه على من كفره اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب
وثبير بدر إذ يرد وجوههم … جبريل تحت لوائنا ومحمد
فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات فقال نعم قال وبلغني مثل هذا عن أبى طاهر بن الغبارى قال وكان يحتج بانه لو كان حيا لجاء الى رسول الله ﷺ. نقله ابن الجوزي في العجالة * فان قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه.
فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمام البعيد الّذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبويّة والآيات القرآنية وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة والروايات المقلوبة والآراء البدعية والاهواء العصبية وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهوده جمعهم وجماعاتهم ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم وتسديده العلماء والحكام وتقريره الادلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار. وجوبه الفيافي والأقطار. واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم. وهذا الّذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم.
ومن ذلك ما ثبت
في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ صلّى ليلة العشاء ثم قال أرأيتم ليلتكم هذه فإنه الى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد. وفي رواية عين تطرف. قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ هذه وإنما أراد انخرام قرنه.
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبانا معمر عن الزهري قال أخبرنى سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان ابن أبى خيثمة أن عبد الله بن عمر قال صلّى رسول ﷺ ذات ليلة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتم ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري *
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن سليمان التيمي عن أبى نضرة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول ﷺ قبل موته بقليل أو بشهر ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتى عليها مائة سنة وهي يومئذ حية
وقال أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا بن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال قبل أن يموت بشهر يسألوننى عن الساعة وإنما علمها عند الله أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتى عليها مائة سنة. وهكذا رواه مسلم من طريق أبى نضرة وأبى الزبير كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه.
وقال الترمذي حدثنا عباد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال قال رسول ﷺ ما على الأرض من نفس منفوسة يأتى عليها مائة سنة. وهذا أيضا على شرط مسلم * قال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر * قالوا فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ﷺ كما هو المظنون الّذي يترقى في القوة الى القطع فلا إشكال وإن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لانه داخل في هذا العموم والأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم.
وقد حكى الحافظ أبو القاسم السهيليّ في كتابه التعريف والأعلام عن البخاري وشيخه أبى بكر بن العربيّ أنه أدرك حياة النبي ﷺ ولكن مات بعده لهذا الحديث وفي كون البخاري ﵀ يقول بهذا وأنه بقي الى زمان النبي ﷺ نظر * ورجح السهيليّ بقاءه وحكاه عن الأكثرين * قال وأما اجتماعه
[ ١ / ٣٣٦ ]
مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت بعده فمروى من طرق صحاح ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ولم يورد أسانيدها والله أعلم