وقوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ثم
قال حدثنا على بن عبد الله أخبرنا ابن علية عن على بن المبارك حدثنا يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك. فقالت يا أبا سلمة
_________________
(١) من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن انه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال ان كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب انتهى (محمود الامام)
[ ١ / ١٨ ]
اجتنب الأرض فان رسول الله ﷺ قال «من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين» ورواه أيضا في كتاب المظالم ومسلم من طرق عن يحيى بن كثير به * ورواه احمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة به، ورواه أيضا عن يونس عن ابان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة بمثله. ثم
قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي ﷺ «من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع أرضين» ورواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبد الله هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به وهو من افراده،
وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ «الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنى عشر شهرا» الحديث ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثنى عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمان كما أن تلك مطابقة في المكان. ثم
قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى (^١) في حق زعمت أنه انتقصه لها الى مروان فقال سعيد ﵁ انا انتقص من حقها شيئا؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» ورواه (^٢)
وقال الامام أحمد حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عبد الله ابن لهيعة حدثنا عبد الله ابن أبى جعفر عن أبى عبد الرحمن عن ابن مسعود قال «قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم قال ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد الا طوقها يوم القيامة الى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها الا الّذي خلقها» تفرد به أحمد، وهذا اسناد لا بأس به.
وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) أروى بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو مقصورا وهي بنت أبى أوس
(٢) (قوله ورواه) بياض بالأصول. وفي البخاري عقب ما تقدم. قال ابن أبى الزناد عن هشام عن أبيه قال قال لي سعيد بن زيد (دخلت على النبي ﷺ انتهى) وهذا تعليق من البخاري يبين لقاء عروة لسعيد والتصريح بسماعه منه الحديث المذكور فلعل المصنف يريد: ورواه البخاري أيضا معلقا أو نحوه (محمود الامام).
[ ١ / ١٩ ]
قال «من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الى سبع أرضين» تفرد به أيضا وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال «من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به أيضا وقد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله *
فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهى الأمر الى السابعة وهي صماء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة.
وهو محط الأثقال، اليه ينتهى ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع. واختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر ان بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين. وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة لظاهر قوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية
وقال الامام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة قال «بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرت سحابة فقال «أتدرون ما هذه قلنا الله ورسوله أعلم قال العنان وزوايا الأرض تسوقه الى من لا يشكرونه من عباده ولا يدعونه أتدرون ما هذه فوقكم: قلنا الله ورسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ أتدرون كم بينكم وبينها قلنا الله ورسوله أعلم. قال مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال أتدرون ما الّذي فوقها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات * ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قلنا الله ورسوله أعلم قال العرش أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام. ثم قال أتدرون ما هذه تحتكم قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أتدرون ما تحتها قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أخرى أتدرون كم بينهما قلنا الله ورسوله اعلم. قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال وأيم الله لو دليتم أحدكم الى الأرض السفلى السابعة لهبط. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، قال حدث الحسن عن أبى هريرة وذكره الا انه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام وذكر في آخره كلمة (^١) ذكرناها عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلى بن زيد
_________________
(١) (قوله كلمة) أي جملة. ونصها والّذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل الى الأرض السفلى لهبط على الله. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ إلخ (محمود الامام).
[ ١ / ٢٠ ]
أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبى هريرة *
ورواه ابو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم في تفسيره من حديث أبى جعفر الرازيّ عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره ورواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة مرسلا.
وقد يكون هذا أشبه والله أعلم. ورواه الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث أبى ذر الغفاريّ عن النبي ﷺ ولكن لا يصح اسناده والله أعلم *
وقد تقدم عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له. وفيه وبعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام، وكثفها أي سمكها خمسمائة عام *
وأما ما ذهب اليه بعض المتكلمين على حديث (طوقه من سبع أرضين) انها سبعة أقاليم. فهو قول يخالف ظاهر الآية والحديث الصحيح وصريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الّذي أوردناه من طريق الحسن عن أبى هريرة. ثم انه حمل الحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل والله أعلم. وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب والتي تحتها من حديد والأخرى من حجارة من كبريت والأخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به ويصح سنده الى معصوم فهو مردود على قائله. وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس انه قال في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كابراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات وهو محمول ان صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات والله أعلم *
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الريح. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به أحمد *
وقد ذكر أصحاب الهيئة اعداد جبال الأرض في سائر بقاعها شرقا وغربا، وذكروا طولها وبعد امتدادها وارتفاعها وأوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا. وقد قال الله تعالى ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ قال ابن عباس وغير واحد الجدد الطرائق وقال عكرمة وغيره الغرايب الجبال الطوال السود. وهذا هو الشاهد من الجبال في سائر الأرض تختلف باختلاف بقاعها وألوانها. وقد ذكر الله تعالى في كتابه الجودي على التعيين وهو جبل عظيم شرقى
[ ١ / ٢١ ]
جزيرة ابن عمر الى جانب دجلة. عند الموصل امتداده من الجنوب الى الشمال مسيرة ثلاثة أيام وارتفاعه مسيرة نصف يوم وهو أخضر لأن فيه شجرا من البلوط والى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح ﵇ في موضعها فيما ذكره غير واحد من المفسرين والله أعلم.