وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك فبقي في نفسها منه. فلما كان بينها وبين الملك
[ ٢ / ٥٣ ]
ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعث اليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت الى عندها فيقال انها هلكت من فورها وساعتها وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك فتمنع عليها الملك ثم أجابها الى ذلك فبعث من قتله وأحضر اليها رأسه ودمه في طشت. وقد ورد معناه
في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدإ حيث قال أنبأنا يعقوب الكوفي عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ليلة أسرى به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل. قال يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها وكان كما قال الله تعالى ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ وكان لا يحتاج الى النساء فهوته امرأة ملك بنى إسرائيل وكانت بغية فأرسلت اليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب. قال فخرج الملك الى العيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجبا ولم تكن تفعله فيما مضى فلما أن شيعته قال الملك سليني فما سألتني شيئا الا أعطيتك قالت أريد دم يحيى بن زكريا قال لها سليني غيره قالت هو ذاك قال هو لك قال فبعثت جلاوزتها الى يحيى وهو في محرابه يصلى وأنا الى جانبه أصلى قال فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه اليها. قال فقال رسول الله ﷺ فما بلغ من صبرك قال ما انفتلت من صلاتي قال فلما حمل رأسه اليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل قد غضب إله زكريا لزكريا فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا قال فخرجوا في طلبى ليقتلوني وجاءني النذير فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم على فلما تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتنى وقالت الى الى وانصدعت لي ودخلت فيها. قال وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طرف ردائه دخلها بسحره فقالوا نحرق هذه الشجرة فقال إبليس شقوه بالمنشار شقا. قال فشققت مع الشجرة بالمنشار قال له النبي ﷺ هل وجدت له مسا أو وجعا قال لا انما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها. هذا سياق غريب جدا وحديث عجيب ورفعه منكر وفيه ما ينكر على كل حال ولم ير في شيء من أحاديث الاسراء ذكر زكريا ﵇ الا في هذا الحديث وانما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الاسراء فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث فان أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران. وقيل بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم * ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين فقال الثوري
[ ٢ / ٥٤ ]
عن الأعمش عن شمر بن عطية قال قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا ﵇ وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال قدم بخت نصّر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين الفا فسكن. وهذا اسناد صحيح الى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وان قصة بخت نصّر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد ابن مسلم عن زيد بن واقد قال رأيت رأس يحيى ابن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الّذي يلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وفي رواية كأنما قتل الساعة. وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكه فالله أعلم (^١).
وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الأقصى من طريق العباس بن صبح عن مروان عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية قال كان ملك هذه المدينة يعنى دمشق هداد ابن هدار وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة قال وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا. ثم انه أراد مراجعتها فاستفتي يحيى بن زكريا فقال لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا وذلك بإشارة أمها فأبى عليها ثم أجابها الى ذلك وبعث اليه وهو قائم يصلى بمسجد حيرون من أتاه برأسه في صينية فجعل الرأس يقول له لا تحل له لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها الى قدميها ثم الى حقويها وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ثم خسف بها الى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ففعل فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ووقعوا في الذل والفناء ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم نصر فقتل عليه خمسة وسبعين الفا * قال سعيد بن عبد العزيز وهي دم كل نبي ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال أيها الدم أفنيت بنى إسرائيل فأسكن باذن الله فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق الى بيت المقدس فتبعهم اليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة وسبى منهم ثم رجع عنهم.
_________________
(١) من هنا الى قصة عيسى لم يوجد في النسختين الموجودتين بالمكتبة الملكية المصرية
[ ٢ / ٥٥ ]