﷽
الحمد لله الأول الآخر، الباطن الظاهر، الّذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء الباطن، فليس دونه شيء، الأزلي القديم الّذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، ولا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال.
يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وعدد الرمال. وهو العلى الكبير المتعال، العلى العظيم الّذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.
ورفع السموات بغير عمد، وزينها بالكواكب الزاهرات، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا.
وسوى فوقهن سريرا، شرجعا (^١) عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا - وهو العرش العظيم - له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، وتحفه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام، ولهم زجل بالتقديس والتعظيم. وكذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة، ويفد منهم في كل يوم سبعون ألفا الى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون اليه، آخر ما عليهم (^٢) في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم.
ووضع الأرض للأنام على تيار الماء. وجعل فيها روسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها
_________________
(١) الشرجع: هو العالي المنيف كما يأتى شرحه عن المؤلف نفسه.
(٢) (قوله آخر ما عليهم) خبر مبتدإ محذوف أي هذا آخر ما عليهم أي أن دخولهم البيت وعدم عودهم اليه بعد خروجهم منه آخر ما عليهم بالنسبة للبيت. (محمود الامام)
[ ١ / ٤ ]
في أربعة أيام قبل خلق السماء، وأنبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للالباء من جميع ما يحتاج العباد اليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون اليه ويملكونه من حيوان بهيم *
وبدأ خلق الإنسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، في قرار مكين. فجعله سميعا بصيرا، بعد ان لم يكن شيئا مذكورا. وشرفه بالعلم والتعليم. خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر، وصور جثته ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجه حواء أم البشر فأنّس بها وحدته، وأسكنهما جنته، وأسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما الى الأرض لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وقسمهم بقدره العظيم ملوكا ورعاة، وفقراء وأغنياء، وأحرارا وعبيدا، وحرائر وإماء. وأسكنهم أرجاء الأرض، طولها والعرض، وجعلهم خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض، الى يوم الحساب والعرض على العليم الحكيم. وسخر لهم الأنهار من سائر الأقطار، تشق الأقاليم الى الأمصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار. وأرسل عليهم السحائب بالامطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزرع والثمار. وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار»:
فسبحان الكريم العظيم الحليم * وكان من أعظم نعمه عليهم. وإحسانه اليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم، أن أرسل رسله اليهم، وأنزل كتبه عليهم: مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيء في المبدإ والمعاد الى يوم القيامة *
فالسعيد من قابل الاخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم. ففاز بالنعيم المقيم، وزحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم والحميم، والعذاب الأليم *
أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملأ أرجاء السموات والأرضين، دائما أبد الآبدين، ودهر الداهرين، الى يوم الدين، في كل ساعة وآن ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم * وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد ولا قسيم *
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الّذي يبعثه الله المقام المحمود الّذي يرغب اليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم. ورضى الله عن جميع أصحابه الغرّ الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء. ما اختلط الظلام بالضياء، وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم *
[ ١ / ٥ ]
(أما بعد) فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدإ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسموات، والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم ﵇، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك الى أيام بنى إسرائيل وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة الى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفى الصدور والغليل، وتزيح الداء عن العليل *
ثم نذكر ما بعد ذلك الى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة. ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار، ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
ولسنا نذكر من الإسرائيليات الا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ. وهو القسم الّذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج اليه والاعتماد عليه.
وانما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه. وبالله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز الحكيم العلى العظيم *
فقد قال الله تعالى في كتابه ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا﴾ وقد قص الله على نبيه ﷺ خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه. وبين ذلك رسول الله ﷺ لأمته بيانا شافيا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، صلوات الله وسلامه عليه. من ذلك تلو الآيات الواردات (^١) في ذلك فأخبرنا بما نحتاج اليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس اليه (^٢) وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها الا القليل على سبيل الاختصار. ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الإنكار *
فأما الحديث الّذي رواه البخاري ﵀ في صحيحه عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار» فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها
_________________
(١) أي بذكر الأحاديث عقب الآيات
(٢) قوله مما لا فائدة فيه لكثير من الناس اليه. كذا بالأصول وهو مكرر
[ ١ / ٦ ]
عندنا. فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار. وهذا هو الّذي نستعمله في كتابنا هذا * فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا اليه استغناء بما عندنا. وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، الا على سبيل الإنكار والإبطال *
فإذا كان الله، سبحانه وله الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، ﷺ عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير *
فالمحتاج اليه قد بينه لنا رسولنا، وشرحه وأوضحه. عرفه من عرفه، وجهله من جهله. كما قال على بن أبي طالب «كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» وقال أبو ذر، ﵁: «لقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه الا أذكرنا منه علما» وقال البخاري في كتاب بدء الخلق، وروى عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال «سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم. وأهل النار منازلهم» حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» قال أبو مسعود الدمشقيّ في اطرافه هكذا قال البخاري، وانما رواه عيسى غنجار عن أبى حمزة عن رقية، وقال الامام أحمد بن حنبل ﵀ في مسندة: حدثنا أبو عاصم (^١) حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري:
حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال قال: صلى بنا رسول الله ﷺ «صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر. ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعا عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبى زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه
_________________
(١) قوله أبو عاصم كذا في نسخة وفي أخرى أبو عامر. وكلاهما راويان له فلذلك لم نرجح إحداهما على الأخرى محمود الامام
[ ١ / ٧ ]