قال الامام ابو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه عند قوله تعالى في سورة طه ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ (حديث الفتون) حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبى أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فسأله عن الفتون ما هو فقال استأنف النهار يا ابن جبير فان لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت الى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال تذكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بنى إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه وكانوا يظنون انه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم فقال فرعون فكيف ترون فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بنى إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك فلما رأوا أن الكبار من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بنى إسرائيل فتصيروا الى أن تباشروا من الأعمال والخدمة الّذي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل بناتهم ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون اليهم فاجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الّذي لا تقتل فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يا ابن جبير ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد فأوحى الله اليها أن لا تخافي ولا تحزني انا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ذلك فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب الى من أن ألقيه الى دواب البحر وحيتانه فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن ان في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه اليها فلما فتحته رأت فيه غلاما فالقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم الى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت لهم أقروه فان هذا الواحد لا يزيد في بنى إسرائيل حتى آتى فرعون
[ ١ / ٣٠٠ ]
فاستوهبه منه فان وهبه منى كنتم قد أحسنتم وأجملتم وان أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال فرعون يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه
فقال رسول الله ﷺ (والّذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ولكن حرمه ذلك) فأرسلت الى من حولها الى كل امرأة لها لأن تختار ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فاخرج الى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ضئرا يأخذه منها فلم يقبل وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحىّ ابني أم قد أكلته الدواب ونسيت ما كان الله وعدها فيه فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب أن يسمو بصر الإنسان الى شيء بعيد وهو الى جنبه لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك فأرسلوها فانطلقت الى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا الى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشير الى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت اليها فاتت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي ترضعى ابني هذا فانى لم أحب شيئا حبه قط قالت أم موسى لا أستطيع أن أترك بيتي وولدى فيضيع فان طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معى لا آلوه خيرا فعلت فانى غير تاركة بيتي وولدى وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز موعودة فرجعت الى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظ لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى أرينى ابني فوعدتها يوما تريها إياه فيه وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصى كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه الى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته فرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه. ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه فلما دخلت به وعليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها الى الأرض فقال الغواة من أعداء الله لفرعون ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك فأرسل الى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى الى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الّذي وهبته لي فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني فقالت اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن اليه فان بطش باللؤلؤتين
[ ١ / ٣٠١ ]
واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل وان تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب اليه فتناول الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان هم به وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص الى أحد من بنى إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى ﵇ يمشى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بنى إسرائيل وحفظه لهم ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله ﷿ والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ثم قال ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الاخبار فأتى فرعون فقيل له إن بنى إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فقال ابغوني قاتله من يشهد عليه فان الملك وان كان صفوه مع قومه لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الّذي رأى فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للاسرائيلى لما فعل بالأمس واليوم ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيلي الى موسى بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الّذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغويّ مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده انما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي * وقال موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وانما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون ان يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم الى موسى فأخبره. وذلك من الفتون يا ابن جبير فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ﷿ فإنه قال ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ * وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ يعنى بذلك حابستين غنمهما فقال لهما ﴿ما خَطْبُكُما﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما الى أبيهما وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال ان لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما
[ ١ / ٣٠٢ ]
صنع موسى فامر إحداهما أن تدعوه فاتت موسى فدعته فلما كلمه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته وما أمانته فقالت أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه. وأما الأمانة فإنه نظر الى حين أقبلت اليه وشخصت له فلما علم أنى امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي امشي خلفي وانعتى لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسرى عن أبيها وصدقها وظن به الّذي قالت فقال له هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت السنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا. قال سعيد هو ابن جبير فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري أي الأجلين قضى موسى قلت لا وأنا يومئذ لا أدرى فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال الّذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصي ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا الى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه الله ﷿ وحل عقدة من لسانه وأوحى الله الى هارون فأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون فانطلقا جميعا الى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما. ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك فقال فمن ربكما فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن قال فما تريدان وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال أريد ان تؤمن بالله وترسل معى بنى إسرائيل فأبى عليه وقال ائت ﴿بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ﴾ عظيمة فاغرة فاها مسرعة الى فرعون فلما رأى فرعون قاصدة اليه خافها واقتحم عن سريره وأستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعنى من غير برص. ثم ردها فعادت الى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له ﴿هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ يعنى ملكهم الّذي هم فيه والعيش وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما فأرسل الى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل السحر قالوا يعمل بالحيات قالوا فلا والله ما أحد من الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصي الّذي نعمل وما أجرنا إن نحن غلبنا قال لهم أنتم أقاربى وخاصتي وأنا صانع
[ ١ / ٣٠٣ ]
إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ قال سعيد فحدثني ابن عباس أن ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ اليوم الّذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ يعنون موسى وهارون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. قال بل ألقوا فالقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله اليه أن الق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك قالوا لو كان هذا سحرا لم تبلع من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله تعالى آمنا بالله وبما جاء به موسى ونتوب الى الله مما كنا عليه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر ﴿الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعوا لله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده وقال ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ﴾ يصنع غير هذا فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب اليه أن يكفها عنه ويوافقه على أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله الى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه * ثم التقى على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى الى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله ﷿ فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال وعدني ربى إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصي فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى قال أصحابه إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنزلهم موسى منزلا
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقال أطيعوا هارون فان الله قد استخلفه عليكم فانى ذاهب الى ربى وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع اليهم فيها فلما أتى ربه ﷿ وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك الا وفمي طيب الريح. قال أو ما علمت يا موسى ان ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى ما أمره به ربه فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع اليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم فقال إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيها مثل ذلك وانا أرى ان تحتسبوا ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين اليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال لا يكون لنا ولا لهم * وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بنى إسرائيل فاحتمل مع موسى وبنى إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون يا سامرى الا تلقى ما في يديك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الّذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء الا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامرى ما هذا وأنت أعلم به قال هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق وقالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فان كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه وان لم يكن ربنا فانا نتبع قول موسى وقالت فرقة هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق واشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون ﵇ يا قوم إنما فتنتم به وان ربكم الرحمن ليس هذا قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم اخلفنا. هذه أربعون يوما قد مضت قال سفهاؤهم اخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فرجع الى قومه غضبان أسفا فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له فانصرف الى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت قال قبضت ﴿قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ وفطنت لها وعميت عليكم ﴿فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ولو كان إلها لم يخلص الى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط
[ ١ / ٣٠٥ ]
الذين كان رأيهم فيه مثل رأى هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير خيار بنى إسرائيل ومن لم يشرك في الحق فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله ﵇ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال لو شئت لأهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال ﴿رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتنى حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم فقال له إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها ونتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم وأخذوا الكتاب بايمانهم وهم مصغون ينظرون الى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدو مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فان يخرجوا منها فانا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قراه قال نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجنا اليه فقالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون من بنى إسرائيل ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فاغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله لهم وسماهم كما سماهم فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من محله إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الّذي كان فيه بالأمس * رفع ابن عباس هذا الحديث الى النبي ﷺ وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الّذي أفشى على موسى أمر القتيل الّذي
[ ١ / ٣٠٦ ]
قتل فقال كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الّذي حضر ذلك فغضب ابن عباس فاخذ بيد معاوية فانطلق به الى سعد بن مالك الزهري فقال له يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الّذي قتل من آل فرعون. الإسرائيلي الّذي أفشى عليه أم الفرعوني قال إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الّذي شهد ذلك وحضره هكذا ساق هذا الحديث الامام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون والأشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر وغالبة متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام وفي بعض ما فيه نظر ونكارة والأغلب أنه كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك والله أعلم