قال الله ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾. لما وفي ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس اماما يقتدون به ويأتمون بهداه وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب الى ما سأل ورام. وسلمت اليه الإمامة بزمام واستثنى من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون كما قال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ. وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ * وقال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور.
ولوط وان كان ابن أخيه الا أنه دخل في الذرية تغليبا. وهذا هو الحامل للقائل الآخر ان الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾
[ ١ / ١٦٦ ]
الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته. وهذه خلعة سنية لا تضاهي ومرتبة عليه لا تباهي. وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان إسماعيل من هاجر ثم إسحاق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الّذي ينتسب اليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم الا الّذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل وأما إسماعيل ﵇ فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد ان شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم وفخر بنى آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكيّ ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطة العقد الفاخرة وهو السيد الّذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال (سأقوم مقاما يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم) فمدح إبراهيم آباءه مدحة عظيمة في هذا السياق. ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق *
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول أن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق. أعوذ بكلمات الله التامة. من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ورواه أهل السنن من حديث منصور به وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا. وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابا بسطاناها في التفسير. وقررناها بأتم تقرير * والحاصل أن الله ﷿ أجابه الى ما سأل فأمره أن يعمد الى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال والمقصود حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن باذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير الى صاحبه وكل ريشة تأتى الى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر الى قدرة الّذي يقول للشيء كن فيكون فأتين اليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا * ويقال إنه أمر أن يأخذ رءوسهن في يده فجعل كل طائر يأتى فيلقى رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله الا الله وقد كان إبراهيم ﵇ يعلم قدرة الله تعالى على احياء الموتى علما يقينيا لا يحتمل النقيض ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين الى عين اليقين فأجابه الله الى سؤاله وأعطاه غاية مأموله * وقال تعالى ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾
[ ١ / ١٦٧ ]
وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي فكيف يكون على دينكم وأنتم انما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الى أن قال ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد الى الإخلاص والانحراف وعمدا عن الباطل الى الحق الّذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
﴿* وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي. قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾. فنزه الله ﷿ خليله ﵇ عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه انما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ يعنى الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ يعنى محمدا ﷺ فان الله شرع له الدين الحنيف الّذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ﴾
[ ١ / ١٦٨ ]
فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله والله إن يستقسما بالأزلام قط (^١) لم يخرجه مسلم * وفي بعض ألفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط. فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا الى الخير يقتدى به فيه ﴿قانِتًا لِلّهِ﴾ أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مخلصا على بصيرة ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله ﴿اِجْتَباهُ﴾ أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيرى الدنيا والآخرة وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ يرغب تعالى في اتباع إبراهيم ﵇ لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم وقد قام بجميع ما أمره به ربه ومدحه تعالى بذلك فقال ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم
قد تخللت مسلك الروح منى … وبذا سمى الخليل خليلا
وهكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيد الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت
في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال أيضا في آخر خطبة خطبها أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله. أخرجاه من حديث أبى سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود. وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلّى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله إبراهيم خليلا. فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم حدثنا إسماعيل بن أحمد ابن أسيد حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة حدثنا عبد الله الحنفي حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة ابن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما. وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو
_________________
(١) قوله ان استقسما إن نافية. أي والله ما استقسما بالأزلام قط محمود الامام
[ ١ / ١٦٩ ]
كذلك وموسى كليمه وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا محمود بن خالد المسلمي حدثنا الوليد عن إسحاق بن بشار قال لما اتخذ الله إبراهيم خليلا القى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد أحدا يضيفه فرجع الى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال ومن أنت قال أنا ملك الموت أرسلنى ربى الى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال من هو فو الله إن أخبرتنى به ثم كان باقي البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت قال ذلك العبد أنت قال أنا قال نعم قال فبم اتخذني ربى خليلا قال بأنك تعطى الناس ولا تسألهم. رواه ابن أبى حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولى العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى وهما قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ وقوله ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية. ثم هو أشرف أولى العزم بعد محمد ﷺ وهو الّذي وجده ﵇ في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم. وما وقع في حديث شريك ابن أبى نمير عن انس في حديث الاسراء من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الأول *
وقال احمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول ﷺ إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
تفرد به احمد.
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى
الحديث الّذي قال فيه (وأخرت الثالثة ليوم يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم) رواه مسلم من حديث أبى بن كعب ﵁. وهذا هو المقام المحمود
[ ١ / ١٧٠ ]
الّذي
أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) ثم ذكر استشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا ﷺ فيقول (أنا لها أنا لها) الحديث. وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمرى به *
قال البخاري حدثنا على بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الله حدثني سعيد عن أبيه عن أبى هريرة قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم. قالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله. قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألونى خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر اربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ
وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم خليل الله. تفرد به احمد *
وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم. تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فاما الحديث الّذي
رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ «يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم ﵇» ثم قرأ ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة الى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الّذي يغبطه به الأولون والآخرون * وأما الحديث الآخر الّذي
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن انس بن مالك قال قال رجل للنّبيّ ﷺ يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلى بن مسهر ومحمد بن فضيل اربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل ﵇ كما قال لا تفضلوني على الأنبياء وقال لا تفضلوني على موسى فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدرى افاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك
[ ١ / ١٧١ ]
حديث أبى بن كعب في صحيح مسلم وأخرت الثالثة ليوم يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم. ولما كان إبراهيم ﵇ أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلى أن يقول في تشهده ما ثبت
في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك «قال قولوا اللهمّ صلّى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» وقال تعالى ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار. قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه ابن أبى حاتم * وقال وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبى صالح وأبى الجلد نحو ذلك قلت
وفي الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط *
وفي صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع عن زكريا بن أبى زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكيّ الحجبي عن طلق بن حبيب العترى عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء يعنى الاستنجاء وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه ﵊ كان لا يشغله القيام بالإخلاص لله ﷿ وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الإصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم وإبراهيم الّذي وفى *