وقد أنزل الله ﷿ في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز * وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الّذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلى يفهمه كل عاقل ذكي زكى فهو أشرف كتاب نزل من السماء أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان. بأفصح لغة وأظهر بيان. فان كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه
[ ١ / ١٩٧ ]
ورده وإن كان في الأوامر والنواهي فاعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين حكما وأعدل حكما فهو كما قال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. يعنى صدقا في الأخبار عدلا في الأوامر والنواهي ولهذا قال تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. وقال تعالى ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا * خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا﴾. يعنى من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما
قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على مرفوعا وموقوفا من ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد عن الشعبي عن جابر (أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) اسناد صحيح. ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله ﷺ (والّذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها
أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال في خطبته (أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون. ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ * قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم واليهم تنسب أسباط بنى إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف ﵇ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي اخوته لم يوح اليهم. وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوى
[ ١ / ١٩٨ ]
لأن المراد بالأسباط شعوب بنى إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم * ومما يؤيد أن يوسف ﵇ هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما
قال الامام أحمد (حدثنا) عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن دينار عن أبيه عن بن عمر أن رسول الله ﷺ قال الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم «انفرد به البخاري» فرواه عن عبد الله ابن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف ﵇ وهو صغير قبل أن يحتلم كأن ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهم اشارة الى بقية اخوته ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه واخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار (استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فان كل ذي نعمة محسود)، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه واخوته معا وهو غلط منهم ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي بالوحي إليك ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنّبوّة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحاق ووالد جدك إبراهيم الخليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ * لهذا
قال رسول الله ﷺ لما سئل أي الناس أكرم قال (يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) وقد
روى ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير وقد ضعفه الأئمة عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال (أتى النبي ﷺ رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال يا محمد أخبرنى عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها. قال فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء ونزل جبريل ﵇ بأسمائها قال فبعث اليه رسول الله فقال هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان (^١) والطارق.
والديال وذو الكتفان. وقابس. ووثاب. وعمردان (^٢) والفيلق. والمصبح. والضروح. وذو الفرع.
_________________
(١) في نسخه حرثان
(٢) وفي نسخه عمودان
[ ١ / ١٩٩ ]
والضياء. والنور) فقال اليهودي أي والله إنها لأسماؤها. وعند أبى يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه. ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ * إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ * قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه يعنون شقيقه لأمه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده الى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك فلما تمالئوا على ذلك وتوافقوا عليه ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن إسحاق هو أكبرهم روبيل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة فليكن هذا الّذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فاجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ * قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم. يا بنى يشق على أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتى الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه. ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون.
وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل اليهم. وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فان يعقوب ﵇ كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ * قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ * وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان الا أن غابوا عن
[ ١ / ٢٠٠ ]
عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال وأجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الّذي ينزل ليملى الدلاء إذا قل الماء والّذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه فيه أوحى الله اليه أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾.
قال مجاهد وقتادة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بايحاء الله اليه ذلك * وعن ابن عباس ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ورجعوا الى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم. ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أي ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي وما أنت بمصدق لنا في الّذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه. ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا الى سخلة ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا ان يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه وغيبوه عن عينيه جاءوا وهم يتباكون وعلى ما تمالئوا عليه يتواطئون ولهذا ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده الى أبيه فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده فصاح وشق ثيابه وعمد أولئك الى جدي فذبحوه ولطخوا من دمه جبة يوسف. فلما علم يعقوب شق ثيابه ولبس مئزرا أسود وحزن على ابنه أياما كثيرة. وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير. ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ. قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾.
﴿* وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ * وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ﴾
[ ١ / ٢٠١ ]
الْأَحادِيثِ. وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ أي مسافرون * قال أهل الكتاب كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف فلما رآه ذلك الرجل ﴿قالَ يا بُشْرى﴾ أي يا بشارتي ﴿هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر بما يجرى الله على يدي هذا الغلام الّذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف. ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾. قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفيّ باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما. وقال عكرمة ومحمد ابن إسحاق أربعون درهما فالله أعلم ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أي أحسنى اليه ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه اليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيرى الدنيا والآخرة. قالوا وكان الّذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الّذي الخزائن مسلمة اليه * قال ابن إسحاق واسمه اطفير (^١) بن روحيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل (^٢). وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها. وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن ابى هشام (^٣) الرفاعيّ. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبى صالح عن ابن عباس كان اسم الّذي باعه بمصر يعنى الّذي جلبه اليها مالك ابن ذعر بن نويب بن عفقا (^٤) بن مديان بن إبراهيم فالله أعلم.
وقال ابن إسحاق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته أكرمي مثواه والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى ﴿يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا. وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا. فالله أعلم وقوله ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان اليه ويعتنيان
_________________
(١) في نسخة قطفير
(٢) في نسخة رعابيل
(٣) في نسخة ابن هشام
(٤) في نسخة بن عنقاء
[ ١ / ٢٠٢ ]
به مكنا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي فهمها. وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وأمورا لا يهتدى اليها العباد ولهذا قال تعالى ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد. وهو حد الأربعين الّذي يوحى الله فيه الى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين.
وقد اختلفوا في مدة العمر الّذي هو بلوغ الأشد فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي هو الحلم. وقال سعيد بن جبير ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك عشرون سنة وقال عكرمة خمس وعشرون سنة. وقال السدي ثلاثون سنة. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن أربعون سنة. ويشهد له قوله تعالى ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ. وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾.
﴿* وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ * قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ * وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ * فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾. يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف ﵇ عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن إسحاق وبنت أخت الملك (^١) الريان بن الوليد صاحب مصر. وهذا كله مع أن يوسف ﵇ شاب بديع الجمال والبهاء إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء. وحماه عن مكر النساء. فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء. المذكورين
في الصحيحين عن خاتم الأنبياء. في قوله ﵊ من رب الأرض والسماء (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه.
ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) والمقصود أنها دعته اليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال ﴿مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعنى زوجها
_________________
(١) في النسختين الموجودتين بالمكتبة المصرية أخ الملك
[ ١ / ٢٠٣ ]
صاحب المنزل سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي أحسن الى وأكرم مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وقد تكلمنا على قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والّذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي هرب منها طالبا الى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره ﴿وَأَلْفَيا﴾ أي وجدا ﴿سَيِّدَها﴾ أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.
اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف ﵇ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج الى أن يقول الحق عند الحاجة ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروى عن أبى هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير. وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا الى أطفير بعلها. وقيل قريبا اليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم فقال ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان.
ولهذا قال تعالى ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي هذا الّذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الّذي صدر منها والتوبة الى ربها فان العبد إذا تاب الى الله تاب الله عليه. وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الّذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله الا أنه عفيف نزيه بريء العرض سليم الناحية فقال ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ * وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ. فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ * قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ * فَاسْتَجابَ﴾
[ ١ / ٢٠٤ ]
لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها والتشنيع عليها في مراودتها فتاها وحبها الشديد له تعنين وهو لا يساوى هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها والإشارة اليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فاظهرن ذما وهي معذورة في نفس الأمر فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ولا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها. واعتدت لهن ضيافة مثلهن وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه وأتت كل واحدة منهن سكينا وكانت قد هيأت يوسف ﵇ وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهنّ بهذه الحالة. فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي اعظمنه وأجللنه وهبنه وما ظنن أن يكون مثل هذا في بنى آدم وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقد جاء في حديث الاسراء
(فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن) قال السهيليّ وغيره من الائمة معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ﵇ لأن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ويوسف كان على النصف من حسن آدم ولم يكن بينهما أحسن منهما كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل ﵇.
قال ابن مسعود وكان وجه يوسف مثل البرق وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس ولهذا لما قام عذر امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور وجرى لهن وعليهنّ ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحته بالعصمة التامة فقالت ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وكان بقية النساء حرّضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشد الاباء. ونأى لانه من سلالة الأنبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ يعنى إن وكلتني الى نفسي فليس لي من نفسي الا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فانا ضعيف الا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك ولهذا قال تعالى ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾
[ ١ / ٢٠٥ ]
﴿حَتّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ. قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا. وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ * وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ * ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾. يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأى بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه الى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأحمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا. وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم * ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعيّ أن من العصمة أن لا تجد قال الله ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قيل كان أحدهما ساقى الملك واسمه فيما قيل بنو. والآخر خبازه يعنى الّذي يلي طعامه وهو الّذي يقول له الترك (الجاشنكير) واسمه فيما قيل مجلث كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه الى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه * ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضوارى الطيور تأكل من السل الأعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فانى أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ أي بأن هدانا لهذا ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ أي بان أمرنا أن ندعوهم اليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ * ثم دعاهم الى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله ﷿ وصغر أمر الأوثان وحقرها وضعف أمرها فقال ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ﴾
[ ١ / ٢٠٦ ]
الْواحِدُ الْقَهّارُ * ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ) أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الّذي يهدى من يشاء ويضل من يشاء ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي وحده لا شريك له و﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فهم لا يهتدون اليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول فناسب أن يدعوهما الى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد الى ما أرشد اليه قال ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ قالوا وهو الساقي ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ قالوا وهو الخباز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت).
وقد روى عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ * وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. يخبر تعالى أن يوسف ﵇ قال للذي ظنه ناجيا منهما وهو الساقي ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعنى اذكر أمرى وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب. وقوله ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي فأنسى الناجي منهما الشيطان. أن يذكر ما وصاه به يوسف ﵇ * قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع ما بين الثلاث الى التسع * وقيل الى السبع * وقيل الى الخمس * وقيل ما دون العشرة. حكاها الثعلبي * ويقال يضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف. وقال الله تعالى ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى في ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ وهذا رد لقوله * قال الفراء ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون الى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون الى تسعين * وفي الصحيح (الايمان بضع وستون) وفي رواية وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ومن قال إن الضمير في قوله ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وان كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة والحديث الّذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد باسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (^١) المكيّ وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى والله أعلم.
_________________
(١) في نسخة خوذى وفي أخرى خورى والصواب الخوزي
[ ١ / ٢٠٧ ]
فاما قول ابن حبان في صحيحه ذكر السبب الّذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث
أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ ثنا مسدد بن مسرهد ثنا خالد بن عبد الله ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوى الى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد قال فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه. فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها. والّذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ * قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ * وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف ﵇ من السجن على وجه الاحترام والاكرام وذلك أن ملك مصر وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه (^١) بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا. قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن ثم ملن عليهنّ فاكلنهن فاستيقظ مذعورا. ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن فاستيقظ مذعورا. فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك ولهذا قالوا ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكر الناجي منهما الّذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه الى حينه هذا. وذلك عن تقدير الله ﷿ وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار. ولهذا قال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ﴾ أي تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد نسيان وقرأها مجاهد ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بإسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.
_________________
(١) في النسخة الحلبية ابن اراثية
[ ١ / ٢٠٨ ]
امهت وكنت لا أنسى حديثا … كذاك الدهر يزرى بالعقول
فقال لقومه وللملك ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فأرسلونى الى يوسف فجاءه فقال ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي استدعاه الى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من قراى وربان. فبذل يوسف ﵇ ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم الى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يعنى يأتيهم الغيث والخصب والرفاهيّة ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعنى ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم. وعلى الخير دلهم وأرشدهم الى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في السبع الأول في سنبله الا ما يرصد بسبب الأكل ومن تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأى والفهم.
﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ * ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ * وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف ﵊ وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره الى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه بريء الساحة مما نسبوه اليه بهتانا ﴿قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ يعنى الملك ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب الى أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الأمر الّذي ليس برشيد ولا سديد. فلما سئلن عن ذلك أعرفن بما وقع من الأمر وما كان منه من الأمر الحميد ﴿وقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فعند ذلك ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وهي زليخا ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي فيما يقوله من انه بريء وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما وعدوانا وزورا وبهتانا.
وقوله ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ قيل إنه من كلام يوسف أي انما
[ ١ / ٢٠٩ ]
طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أنى لم أخنه بظهر الغيب. وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أنى لم أخنه في نفس الأمر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الّذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك ابن جرير وابن أبى حاتم سوى الأول. ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين. وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ * قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾. لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه اليه ﴿قالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي ذو مكانة وأمانة ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضى سبع سنى الخصب لينظر فيها بما يرضى الله في خلقه من الاحتياط لهم والرّفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوى على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظيم يوسف ﵇ جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي. قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه امرأة عظيمة الشأن.
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف. وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء لأن زوجها كان لا يأتى النساء فولدت ليوسف ﵇ رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء.
وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل ذلك يجاوبه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق الركاب بديار مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل. ولهذا قال ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ويقال إن أطفير زوج
[ ١ / ٢١٠ ]
زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي يوسف ﵇ فالله أعلم. وقد قال بعضهم
وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به غاية الحزن
فلا تيأسن فالله ملك يوسفا … خزائنه بعد الخلاص من السجن
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ * قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ * وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف ﵇ الى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد. وكان يوسف ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار اليه يوسف ﵇ من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول وقال أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي. فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الّذي أصابنا ونحن بنو أب واحد من كنعان ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد وصغيرنا عند أبينا فقال لا بد أن أستعلم أمركم * وعندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر. وفي بعض هذا انظر. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتونى به معكم ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى اليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ أي وانا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم. وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانيه. وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
[ ١ / ٢١١ ]
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ. قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ. فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم الى أبيهم * وقولهم له ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي بعد عامنا هذا ان لم ترسل معنا أخانا فان أرسلته معنا لم يمنع منا ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أي أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ﴾ بسببه ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قال الله تعالى ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب ﵇ أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أي الا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أكد المواثيق وقرر العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغنى حذر من قدر.
ولولا حاجته وحاجة قومه الى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الأقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم. ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لأنهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي. والأول أظهر ولهذا قال ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية الى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الأولى وعوضا آخر ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ﴾
[ ١ / ٢١٢ ]
لَسارِقُونَ * قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ * قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ.
﴿* قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ * قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ * قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وإيوائه اليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الإساءة اليه * ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته. وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته في متاع بنيامين. ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادي لهم فاقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع الى المسروق منه ولهذا قالوا ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. قال الله تعالى ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم اليه فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبى أمه فكسره. وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لإسحاق ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وانما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له. وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. وقيل غير ذلك فلهذا ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها وقوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا﴾
[ ١ / ٢١٣ ]
شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء. هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف اليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ … ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزال مقيما هاهنا ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بأن يقدرنى على رد أخى الى أبى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ أي اخبروه بما رأيتم من الأمر في لظاهر المشاهدة ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي فان هذا الّذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لأنه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه وانما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل قال ابن إسحاق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يعنى يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن بنيه ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال آخر
لقد لامنى عند القبور على البكا … رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته … لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى … فدعني فهذا كله قبر مالك
وقوله ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه الى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿قالُوا﴾ له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه لست أشكو إليكم ولا الى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو الى الله ﷿ وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما. ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين اليهم ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا. قيل كانت دراهم رديئة. وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك. وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل بقبولها قاله السدي. وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد ﷺ ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف اليهم وعطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه وربهم.
[ ١ / ٢١٥ ]
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الّذي يعرفون ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا﴾ وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا اليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ يعنى أنا يوسف الّذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله ﴿وَهذا أَخِي﴾ تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾. أي فيما أسدينا إليك وها نحن بين يديك ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف والصحيح الأول. ثم أمرهم بان يذهبوا بقميصه وهو الّذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع اليه بصره بعد ما كان ذهب باذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين الى ديار مصر الى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبى سنان عن عبد الله بن أبى الهذيل سمعت ابن عباس يقول فلما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف ﴿قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبى سنان به. وقال الحسن البصري وابن جريج المكيّ كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي تقولون انما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون. وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون ﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا﴾
[ ١ / ٢١٦ ]
تَعْلَمُونَ) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيرينى فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك ﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾. طلبوا منه أن يستغفر لهم الله ﷿ عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه. ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم الى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم الى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن سحق يذكر عن محارب ابن دثار قال كان عمر يأتى المسجد فسمع إنسانا يقول (اللهمّ دعوتني فأجبت وأمرتنى فأطعت وهذا السحر فاغفر لي) قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه الى السحر بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ وقد قال الله تعالى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ وثبت
في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال (ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له) وقد ورد في حديث (أن يعقوب أرجأ بنيه الى ليلة الجمعة)
قال ابن جرير حدثني المثنى. ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقيّ حدثنا الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول حتى تأتى ليلة الجمعة وهو قول أخى يعقوب لبنيه. وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي رفعه نظر والأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس ﵁. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل انها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن. وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة. وقال محمد ابن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد الى تحديد المدة تقريبا فان المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الأولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين. وفي الثالثة تعرف اليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاءوا كلهم ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾
[ ١ / ٢١٧ ]
عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) اجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته ﴿وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى اليه أبويه. وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام. ثم لما اقتربوا من باب مصر ﴿قالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ قاله السدي. ولو قيل إن الأمر لا يحتاج الى هذا أيضا وانه ضمن قوله أدخلوا مغنى اسكنوا مصر أو أقيموا بها ﴿إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ لكان صحيحا مليحا أيضا وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل الى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو إسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سنى الجدب ببركة قدومه اليهم فالله أعلم وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن ابى عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا. وقال ابو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا: قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم.
قال الله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت خالته ليا والخالة بمنزلة الام. وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه الى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوى والله أعلم. ورفعهما على العرش أي أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي سجد له الأبوان والاخوة الأحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا. ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتنى بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي فيما كان منهم الىّ من الأمر الّذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدى اليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بجميع الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره.
[ ١ / ٢١٨ ]
وعند أهل الكتاب ان يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الّذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده.
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه انما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
قال الشافعيّ قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة (لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة). ثم لما رأى يوسف ﵇ نعمته قد تمت وشمله قد اجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شيء فيها ومن عليها فان. وما بعد التمام الا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله. وسأل منه وهو خير المسئولين أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الإسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين. وهكذا كما يقال في الدعاء (اللهمّ أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين) أي حين تتوفانا ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ﵇ كما
سأل النبي ﷺ عند احتضاره أن يرفع روحه الى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال (اللهمّ في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى) ويحتمل أن يوسف ﵇ سأل الوفاة على الإسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روى عن ابن عباس أنه قال ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف. فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت الا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الّذي رواه أحمد (وإذا أردت بقوم فتنه فتوفنا إليك غير مفتونين) وفي الحديث الآخر (ابن آدم الموت خير لك من الفتنة) وقالت مريم ﵍ ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ وتمنى الموت على بن أبى طالب لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال.
فأما في حال الرفاهيّة فقد
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) والمراد بالضر هاهنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف ﵇ سأل ذلك إما عند احتضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفى ﵇ وكان قد أوصى الى يوسف ﵇ أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق.
قال السدي فصبر وسيره الى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل ﵈.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة. وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد اسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة هاهنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يوصى بنيه بالإخلاص وهو دين الإسلام الّذي بعث الله به الأنبياء ﵈.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثى وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا الى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر. ثم حضرت يوسف ﵇ الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى ﵇ فدفنه عند آبائه كما سيأتي. قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة. ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة * وقال غيره أوصى الى أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.