هو يوشع بن نون بن أفراثيم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ وأهل الكتاب يقولون يوشع بن عم هود وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله (﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ * ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ﴾) وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبى ابن كعب ﵁ عن النبي ﷺ من أنه يوشع بن نون وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب فان طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى الا يوشع بن نون لانه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة الى يوم القيامة.
واما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له يا كليم الله إني كنت لا اسألك عما يوحى الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحبّ الموت ففي هذا نظر لأن موسى ﵇ لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله اليه من جميع أحواله حتى توفاه الله ﷿ ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ثم بعثه الله اليه ان كان يريد لحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها قال ثم ماذا قال الموت قال فالآن يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر وقد أجيب الى ذلك صلوات الله وسلامه عليه
[ ١ / ٣١٩ ]
فهذا الّذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الّذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين يحتاجون اليه الى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان. وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّ ابني إسرائيل على اسباطهم وان يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا وهو النقيب وما ذاك الا ليتأهّبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة. ولهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى ﵇ عين ملك الموت لانه لم يعرفه في صورته تلك ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ﵇ كما أن رسول الله ﷺ كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع. ثم حج في سنة عشر ثم رجع فجهز. جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج اليهم امتثالا لقوله تعالى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ ولما جهز رسول الله جيش أسامة توفى ﵊ واسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁ ثم لما لم أشعث جزيرة العرب وما كان دهى من أمر أهلها وعاد الحق إلى نصابه جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس والى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم وملكهم نواصي أعدائهم كما سنورده عليك في موضعه إذا انتهينا اليه مفصلا إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده * وهكذا موسى ﵇ كان الله قد أمره أن يجند بنى إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال الله ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول لهم لئن قمتم بما أوجبت عليكم ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك كما قال تعالى لمن تخلف من الاعراب عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبيّة «قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا» وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم. وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد.
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يكتب أسماء المقاتلة من بنى إسرائيل ممن يحمل
[ ١ / ٣٢٠ ]
السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم. السبط الأول سبط روبيل لانه بكر يعقوب كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين الفا وخمسمائة. ونقيبهم منهم وهو اليصور ابن شديئورا. السبط الثاني سبط شمعون وكانوا تسعة وخمسين الفا وثلاثمائة. ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي. السبط الثالث سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين الفا وستمائة. ونقيبهم نحشون بن عميناداب.
السبط الرابع سبط ايساخر وكانوا أربعة وخمسين الفا وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوغر. السبط الخامس سبط يوسف ﵇ وكانوا أربعين الفا وخمسمائة ونقيبهم يوشع بن نون. السبط السادس سبط ميشا وكانوا أحدا وثلاثين الفا ومائتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور. السبط السابع سبط بنيامين وكانوا خمسة وثلاثين الفا وأربعمائة ونقيبهم أبيدن بن جدعون. السبط الثامن سبط حاد وكانوا خمسة وأربعة الفا وستمائة وخمسين رجلا ونقيبهم الياساف بن رعوئيل. السبط التاسع سبط أشير وكانوا أحدا وأربعين الفا وخمسمائة ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن. السبط العاشر سبط دان وكانوا اثنين وستين الفا وسبعمائة ونقيبهم أخيعزر ابن عمشداى. السبط الحادي عشر سبط نفتالى وكانوا ثلاثة وخمسين الفا وأربعمائة. ونقيبهم أخيرع بن عين السبط الثاني عشر سبط زبولون وكانوا سبعة وخمسين الفا وأربعمائة ونقيبهم الباب بن حيلون. هذا نص كتابهم الّذي بأيديهم والله أعلم. وليس منهم بنو لاوى فامر الله موسى أن لا يعدهم معهم لانهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهارون ﵉ وكانوا اثنين وعشرين الفا من ابن شهر فما فوق ذلك * وهم في أنفسهم قبائل الى كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها وهم كلهم حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمينها وشمالها ووراءها. وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بنى لاوى خمسمائة ألف وأحد وسبعون الفا وستمائة وستة وخمسون لكن قالوا فكان عدد بنى إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلا سوى بنى لاوى وفي هذا نظر فان جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها والله أعلم. فكان بنو لاوى الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بنى إسرائيل وهم القلب ورأس الميمنة بنو روبيل ورأس الميسرة بنوران وبنو نفتالى يكونون ساقه * وقرر موسى ﵇ بأمر الله تعالى له الكهانة في بنى هارون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بكرة وأبيهو والعازر ويثمر. والمقصود أن بنى إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ قاله الثوري عن أبى سعيد عن عكرمة عن ابن عباس وقاله قتادة وعكرمة ورواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعا وقد زعم ابن إسحاق أن الّذي فتح بيت المقدس
[ ١ / ٣٢١ ]
هو موسى وإنما كان يوشع على مقدمته وذكر في مروره اليها قصة بلعام بن باعور الّذي قال تعالى فيه ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقد ذكرنا قصته في التفسير وأنه كان فيما قاله ابن عباس وغيره يعلم الاسم الأعظم وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم ولما ألحوا عليه ركب حمارة له. ثم سار نحو معسكر بنى إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت فسارت غير بعيد وربضت فضربها ضربا أشد من الأول فقامت ثم ربضت فضربها فقالت له يا بلعام أين تذهب أما ترى الملائكة أمامى تردني عن وجهي هذا أتذهب الى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان. ونظر الى معسكر موسى وبنى إسرائيل فاخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه فلاموه على ذلك فاعتذر اليهم بانه لا يجرى على لسانه إلا هذا واندلع لسانه حتى وقع على صدره وقال لقومه ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة. ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم حتى لعلهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا وزينوا نساءهم وبعثوهن الى المعسكر فمرت امرأة منهم سمها كستي برجل من عظماء بنى إسرائيل وهو زمري بن شلوم.
يقال إنه كان رأس سبط بنى شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بنى إسرائيل فجعل يحوس فيهم فلما بلغ الخبر الى فنحاص بن العزار بن هارون أخذ حربته وكانت من حديد فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعا فيها ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده وقد اعتمد على خاصرته وأسندها الى لحيته ورفعهما نحو السماء وجعل يقول اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين الفا والمقلل يقول عشرين الفا وكان فنحاص بكر أبيه العزار ابن هارون فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللية والذراع واللحى ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم. وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية ولعله مراد ابن إسحاق ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم. ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه فان في هذا السياق ذكر حسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس كما صرح به السدي. والله أعلم. وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفى بالتيه
[ ١ / ٣٢٢ ]
قبل موسى أخيه بنحو من سنتين. وبعده موسى في التيه أيضا كما قدمنا وانه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك فكان الّذي خرج بهم من التيه وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇ فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع بنى إسرائيل نهر الأردن وانتهى الى أريحا وكانت من أحصن المدائن سورا واعلاها قصورا وأكثرها أهلا فحاصرها ستة أشهر. ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا بالقرون يعنى الابواق وكبروا تكبيرة رجل واحد فتفسخ سورها وسقط وجبة واحدة فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء وحاربوا ملوكا كثيرة. ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام. وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر. فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الّذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان قال لها إنك مأمورة وأنا مأمور اللهمّ احبسها على فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد وأمر القمر فوقف عند الطلوع وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر والأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الّذي سأذكره.
وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر والأشبه والله أعلم أن هذا كان في فتح بيت المقدس الّذي هو المقصود الأعظم وفتح أريحا كان وسيلة اليه والله أعلم.
قال الإمام احمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس. انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري. وفيه دلالة على أن الّذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇ لا موسى وان حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا. وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع ﵇ فيدل على ضعف الحديث الّذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبى طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته فسأل رسول الله أن يردها عليه حتى يصلى العصر فرجعت. وقد صححه على بن صالح المصري ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها والله أعلم.
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولما يبن. ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهمّ احبسها على شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه فجمعوا ما غنموا فاتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه
[ ١ / ٣٢٣ ]
فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول ولتبايعني قبيلتك فبايعته قبيلته فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه بالمال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. انفرد به مسلم من هذا الوجه. وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. قال ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري قال ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي ﷺ. والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين لله ﷿ على ما من به عليهم من الفتح العظيم الّذي كان الله وعدهم إياه وان يقولوا حال دخولهم حطة أي حط عنا خطيانا التي سلفت من نكولنا الّذي تقدم منا. ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته وهو متواضع حامد شاكر حتى أن عثنونه وهو طرف لحيته ليمس مورك رحله مما يطأطئ رأسه خضعانا لله ﷿ ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله ﷺ ثم لما دخلها اغتسل وصلّى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء. وقيل إنها صلاة الضحى وما حمل هذا القائل على قوله هذا الا لأنها وقعت وقت الضحى. واما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا دخلوا الباب يزحفون على أستاههم يقولون حبة في شعرة وفي رواية حنطة في شعرة. وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزءوا به كما قال تعالى حاكيا عنهم في سورة الأعراف وهي مكية ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقال في سورة البقرة وهي مدنية مخاطبا لهم ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ قال ركعا من باب صغير. رواه الحاكم وابن جرير وابن أبى حاتم وكذا روى العوفيّ عن ابن عباس وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء. قال مجاهد والسدي والضحاك والباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس. قال ابن مسعود فدخلوا مقنعي رءوسهم ضد ما أمروا به وهذا لا ينافي قول ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. وهكذا في الحديث الّذي سنورده بعد فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رءوسهم. وقوله ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة. قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع
[ ١ / ٣٢٤ ]
أمروا أن يستغفروا *
قال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن بن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال قيل لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة. وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفا. وقد
قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ قال الله لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة.
ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة وعمن لا اتهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال دخلوا الباب الّذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة. وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال قالوا (هطى سقاثا ازمة مزبا) فهي في العربية (حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء) وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الّذي أنزله عليهم وهو الطاعون كما ثبت
في الصحيحين من حديث الزهري عن عامر بن سعد ومن حديث مالك عن محمد ابن المنكدر وسالم أبى النضر عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ أنه قال إن هذا الوجع (أو) السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم
وروى النسائي وابن أبى حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا قال رسول الله ﷺ الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم وقال الضحاك عن ابن عباس الرجز العذاب. وكذا قال مجاهد وابو مالك والسدي والحسن وقتادة وقال أبو العالية هو الغضب. وقال الشعبي الرجز إما الطاعون وإما البرد.
وقال سعيد بن جبير هو الطاعون. ولما استقرت يد بنى إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله اليه وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة فكان مدة حياته بعد موسى سبعا وعشرين سنة