قال الله ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ * وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر الى بلد يتمكن
[ ١ / ١٤٩ ]
فيها من عبادة ربه ﷿ ودعوة الخلق اليه والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله ﷿ ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ قاله أبى بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم * وروى العوفيّ عن ابن عباس قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ مكة ألم تسمع الى قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾.
وزعم كعب الأحبار أنها حران * وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة إبراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقى إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير وهو غريب * والمشهور أنها ابنة عمه هاران الّذي تنسب اليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيليّ عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى ان تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل. ولو فرض ان هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الأنبياء لا تتعاطاه والله أعلم * ثم المشهور ان إبراهيم ﵇ لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم. وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله اليه إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة وضرب قبته شرقى بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا الى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا الى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك إياها هاجر. ثم أخرجهم منها فرجعوا الى بلاد التيمن يعنى أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال * وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبى هريرة قال لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل اليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختى فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختى فلا تكذبيني فأرسل اليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتنى بإنسان وانما أتيتنى بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلى فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر * قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بنى ماء السماء. تفرد به من هذا الوجه موقوفا * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن على الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد
[ ١ / ١٥٠ ]
ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إن إبراهيم لم يكذب قط الا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل اليه فسأله عنها فقال إنها أختى فلما رجع اليها قال ان هذا سألني عنك فقلت إنك أختى وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وانك أختى فلا تكذبيني عنده فأنطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها. فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمه فقال إنك لم تأتنى بإنسان ولكن أتيتنى بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلى فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمنى هاجر وأخرجاه من حديث هشام * ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبى هريرة الا هشام ورواه غيره موقوفا * وقال الامام احمد حدثنا على بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري عن ابى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات قوله حين دعي الى آلهتهم فقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقوله لسارة (انها أختى) قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل اليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختى قال فأسل بها قال فأرسل بها اليه وقال لا تكذبى قولي فانى قد أخبرته أنك أختى إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام اليها فأقبلت توضأ وتصلى وتقول اللهمّ ان كنت تعلم انى آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي الا على زوجي فلا تسلط على الكافر قال فغط حتى ركض برجله * قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة إنها قالت اللهمّ ان يمت يقال هي قتلته قال فأرسل قال ثم قام اليها قال فقامت توضأ وتصلى وتقول (اللهمّ ان كنت تعلم أنى آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط على الكافر) قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبى هريرة انها قالت اللهمّ ان يمت يقل هي قتلته قال فأرسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم الىّ الا شيطانا ارجعوها الى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت لإبراهيم أشعرت ان الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة * تفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح * وقد رواه البخاري عن أبى اليمان عن شعيب بن أبى حمزة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ به مختصرا *
وقال ابن أبى حاتم حدثنا ابى حدثنا سفيان عن على بن زيد ابن جدعان عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة الا ما حل بها عن دين الله ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختى فقوله في الحديث هي أختى أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الأرض مؤمن
[ ١ / ١٥١ ]
غيري وغيرك يعنى زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبي ﵇ وقوله لها لما رجعت اليه مهيم معناه ما الخبر فقالت ان الله رد كيد الكافرين. وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم ﵇ من وقت ذهب بها الى الملك قام يصلى لله ﷿ ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الّذي أراد اهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله ان ينال منها أمرا قامت الى وضوئها وصلاتها ودعت الله ﷿ بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم ﵇ وقد ذهب بعض العلماء الى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهنّ السلام * والّذي عليه الجمهور أنهن صديقات ﵅ وارضاهن * ورأيت في بعض الآثار أن الله ﷿ كشف الحجاب فيما بين إبراهيم ﵇ وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده الى أن رجعت اليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء الى زمانها أحسن منها ﵂ * ولله الحمد والمنة * وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لأخيه على مصر * ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام ابن نوح. وذكر ابن هشام في التيجان أن الّذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون (^١) بن سبإ وكان على مصر نقله السهيليّ فالله أعلم * ثم إن الخليل ﵇ رجع من بلاد مصر الى أرض التيمن وهي الأرض المقدسة التي كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا ﵇ نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك الى أرض الغور المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى الى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بان هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك الى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض * وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية * يؤيد ذلك
قول رسول الله ﷺ ان الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها. قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط ﵇ فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا انعامه فلما بلغ
_________________
(١) قوله مايلون كذا في النسختين المصريتين والّذي في النسخة الحلبية ما يلبون.
[ ١ / ١٥٢ ]
أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل الى شرقى دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم انما سمى لأنه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا الى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه *