قال البخاري في صحيحه (وفاة موسى ﵇ حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال أرسل ملك الموت الى موسى ﵇ فلما جاءه
[ ١ / ٣١٦ ]
صكه فرجع الى ربه ﷿ فقال أرسلتنى الى عبد لا يريد الموت قال ارجع اليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله ﷿ أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال أبو هريرة فقال رسول الله ﷺ فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. قال وأنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به ورواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة مرفوعا وسيأتي. وقال الامام احمد حدثنا الحسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس يعنى سليم بن جبير عن أبى هريرة قال الامام أحمد لم يرفعه. قال جاء ملك الموت الى موسى ﵇ فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك الى الله فقال إنك بعثتني الى عبد لك لا يريد الموت. قال وقد فقأ عيني قال فرد الله عينه وقال ارجع الى عبدي فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم الموت قال فالآن يا رب من قريب. تفرد به احمد وهو موقوف بهذا اللفظ. وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال معمر وأخبرنى من سمع الحسن عن رسول الله فذكره ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ﵇ كما جاء جبريل في صورة أعرابى وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه لانه دخل داره بغير أذنه وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير اذن * ثم
أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ جاء ملك الموت الى موسى ليقبض روحه قال له أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه وذكر تمام الحديث كما أشار اليه البخاري ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له أجب ربك وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشي له وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم لانه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه ودخولهم الأرض المقدسة وكان قد سبق في قدرة الله أنه ﵇ يموت في التيه بعد هارون أخيه كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الّذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة. وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين. ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت رب أدننى الى الأرض المقدسة رمية حجر. ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه
[ ١ / ٣١٧ ]
السلام أحب أن يتقرب الى الأرض التي هاجر اليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر. ورسول الله الى أهل الوبر والمدر. فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر.
وقال الامام حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ قال لما أسرى بى مررت بموسى وهو قائم يصلى في قبره عند الكثيب الأحمر ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وقال السدي عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا ثم إن الله تعالى أوحى الى موسى إني متوف هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها وإذا هم ببيت مبنى وإذا هم بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتى رب هذا البيت فيغضب على قال له لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم. قال يا موسى نم معى فان جاء رب هذا البيت غضب على وعليك جميعا. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى قومه وليس معه هارون قالوا فان موسى قتل هارون وحسده حب بنى إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم والين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخى أفتروني أقتله. فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض. ثم إن موسى ﵇ بينما هو يمشى ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر اليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موسى ﵇ من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع. فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله. فقال لا والله ما قتلته ولكنه استلّ منى فلم يصدقوه وأرادوا قتله. قال فإذا لم تصدقوني فاخرونى ثلاثة أيام فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم. وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وهو زوج مريم أخت موسى وهارون وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بنى إسرائيل بالدخول عليهم وذكر وهب بن منبه أن موسى ﵇ مر بملإ من الملائكة يحفرون قبرا فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج فقال يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا لعبد من عباد الله كريم فان كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر وتمدد فيه وتوجه الى ربك وتنفس أسهل تنفس ففعل ذلك فمات صلوات الله
[ ١ / ٣١٨ ]
وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ودفنوه * وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة وقد
قال الامام أحمد حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال يونس رفع هذا الحديث الى النبي ﷺ قال كان ملك الموت يأتى الناس عيانا قال فأتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه فأتى ربه فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لعتبت عليه. وقال يونس لشققت عليه. قال له اذهب الى عبدي. فقل له فليضع يده على جلد (أو) مسك ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة فأتاه فقال له فقال ما بعد هذا قال الموت قال فالآن قال فشمه شمة فقبض روحه. قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتى الناس خفية * وكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به فرفعه أيضا