قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وقال تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ فالمراد بالبحرين البحر الملح المر وهو الأجاج والبحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة. وقال تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ * وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فامتن تعالى على عباده بما خلق لهم من البحار والأنهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لأنتن الجو وفسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدى الى تفانى بنى آدم ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة.
ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ عن البحر قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته *
وأما الأنهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك. وجعلها جارية سارحة ينبعها
[ ١ / ٢٢ ]
تعالى في أرض ويسوقها الى أخرى رزقا للعباد. ومنها كبار ومنها صغار بحسب الحاجة والمصلحة. وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار والأنهار الكبار وأصول منابعها والى اين ينتهى سيرها بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى، وأنه فاعل بالاختيار والحكمة - وقوله تعالى ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ فيه قولان أحدهما ان المراد به البحر الّذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال. وانه فوق السموات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماء الى سماء، وهو الّذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها. وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس. والثاني أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض وهو قول الجمهور *
واختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء وقيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن على وابن عباس وسعيد بن جبير وابن مجاهد وغيرهم. وقيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض ومن عليها فيغرقوا. رواه الوالبي عن ابن عباس وهو قول السدي وغيره ويؤيده الحديث الّذي
رواه الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال «لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال «ليس من ليلة الا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله ﷿ أن يتفصح عليهم فيكفه الله ﷿»
ورواه إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال «خرجت ليلة لمحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلى ان البحر يشرف يحاذي برءوس الجبال فعل ذلك مرارا وانا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب ان رسول الله ﷺ قال «ما من ليلة الا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله ﷿ في اسناده رجل مبهم (^١) والله أعلم وهذا من نعمه تعالى على عباده ان كف شر البحر عن أن يطغى عليهم وسخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها الى الأقاليم النائية بالتجارات وغيرها وهداهم فيه بما خلقه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم وبما خلق لهم فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد الا فيه وبما خلق فيه من الدواب الغريبة وأحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾
وقال النبي ﷺ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»
وفي الحديث الآخر «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» رواه أحمد وابن ماجة وفي اسناده نظر *
_________________
(١) قوله مبهم وفي نسخة متهم
[ ١ / ٢٣ ]
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة «وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رفعه قال «كلم الله هذا البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للغربى انى حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم. قال بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال إنى حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد * ثم قال لا تعلم أحدا. ما رواه عن سهيل الا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو منكر الحديث. قال وقد رواه سهيل عن عبد الرحمن بن ابى عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا. قلت الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود. فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الامام أحمد ليس بشيء وقد سمعته منه * ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير * وكذا ضعفه بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي وقال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر *
قال علماء التفسير المتكلمون على العروض والاطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم والأقاليم المتعددة العرفية وما في البلدان والأقاليم من الخواص والنباتات وما يوجد في كل قطر من صنوف المعادن والتجارات قالوا الأرض مغمورة بالماء العظيم الا مقدار الربع منها وهو تسعون درجة والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها وتنبت الزرع والثمار منها كما قال تعالى ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ * فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا. وهو خمس وتسعون درجة. قالوا فالبحر المحيط الغربي ويقال له أوقيانوس وهو الّذي يتاخم بلاد المغرب وفيه الجزائر الخالدات وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا وهو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة موجه واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج وليس فيه صيد ولا يستخرج منه شيء ولا يسافر فيه لمتجر ولا لغيره وهو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر (^١) ويقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر ويتجاوز خط الاستواء *
_________________
(١) ضبطه بعض أهل الجغرافية بفتح القاف والميم. والثقات منهم على انه بضم القاف وسكون الميم. أفاده العلامة المحقق الأستاذ احمد زكى باشا في طبعته لكتاب مسالك الابصار *
[ ١ / ٢٤ ]
ثم يمتد شرقا ويصير جنوبي الأرض. وفيه هناك جزائر الزابج وعلى سواحله خراب كثير * ثم يمتد شرقا وشمالا حتى يتصل ببحر الصين والهند * ثم يمتد شرقا حتى يسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة. وهناك بلاد الصين. ثم ينعطف في شرق الصين الى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين ويسامت سد يأجوج ومأجوج. ثم ينعطف ويستدير على أراضى غير معلومة الأحوال * ثم يمتد مغربا في شمال الأرض ويسامت بلاد الروس ويتجاوزها ويعطف مغربا وجنوبا ويستدير على الأرض ويعود الى جهة الغرب وينبثق من الغربي الى متن الأرض الزقاق الّذي ينتهى أقصاه الى اطراف الشام من الغرب * ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم
وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال ان في بحر الهند ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة فيها مدن وعمارات سوى الجزائر العاطلة ويقال لها البحر الأخضر فشرقيه بحر الصين وغربيه بحر اليمن وشماله بحر الهند وجنوبيه غير معلوم *
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالا فاصلة بينهما وفيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الّذي خلقها كما جعل مثلها في البر أيضا قال الله تعالى «وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون» وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه المسمى بالمجسطى الّذي عرب في زمان المأمون، وهو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدا. فمنها ما هو واحد، ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القلزم. والقلزم قرية على ساحله قريب من أيلة. وبحر فارس وبحر الخزر وبحر ورنك وبحر الروم وبحر بنطش وبحر الأزرق، مدينة على ساحله وهو بحر القرم أيضا ويتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية وهو خليج القسطنطينية، ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم الى بحر الروم وتبطئ إذا جاءت من الاسكندرية الى القرم لاستقبالها جريان الماء. وهذا من العجائب في الدنيا فان كل ماء جار فهو حلو الا هذا وكل بحر راكد فهو ملح أجاج الا ما يذكر عن بحر الخزر وهو بحر جرجان وبحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه.
قال أهل الهيئة وهو بحر مستدير الشكل الى الطول ما هو * وقيل إنه مثلث كالقلع وليس هو متصلا بشيء من البحر المحيط بل منفرد وحده، وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة وقيل أكثر من ذلك والله أعلم.
ومن ذلك البحر الّذي يخرج منه المد والجزر عند البصرة وفي بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر ولا يزال في زيادة الى تمام الليلة الرابعة عشر منه وهو المد * ثم يشرع في النقص وهو الجزر الى آخر الشهر * وقد ذكروا تحديد هذه البحار ومبتدأها ومنتهاها وذكروا ما في الأرض
[ ١ / ٢٥ ]
من البحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول وهي البطائح * وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءها وانتهاءها ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه وانما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. وقد قال الله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾
ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فاما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهر ان فالنيل والفرات * وفي لفظ في البخاري وعنصرهما أي مادتهما أو شكلهما وعلى صفتهما ونعتهما وليس في الدنيا مما في الجنة الا سماوية (^١)
وفي صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة»
وقال الامام أحمد حدثنا ابن نمير ويزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال رسول ﷺ «فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان» وهذا اسناد صحيح على شرط مسلم. وكأن المراد والله أعلم من هذا ان هذه الأنهار تشبه انهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها كما قال في الحديث الآخر الّذي
رواه الترمذي وصححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «العجوة من الجنة وفيها شفاء من السمّ» اى تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره وكذا
قوله ﷺ «الحمى من فيح جهنم فأبرودها بالماء» وكذا
قوله «إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فان شدة الحر من فيح جهنم» * وهكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض *
أما النيل. وهو النهر الّذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبعد مسراه فيما بين مبتدئه الى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر (^٢) أي البيض ومنهم من يقول جبال القمر بالإضافة الى الكوكب وهي في غربي الأرض وراء خط الاستواء الى الجانب الجنوبي. ويقال انها حمر ينبع من بينها عيون * ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة. ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر. ثم يخرج منها أنهار ستة. ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى. ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان
_________________
(١) كذا بالأصول
(٢) هذا يؤيد قول الثقات الّذي نقلناه عن الأستاذ زكى باشا فيما تقدم.
[ ١ / ٢٦ ]
لحبشه ثم على النوبة ومدينتها العظمى دمقلة (^١) ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر. وقد تحمل اليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهي محتاجة اليهما معا لان مطرها قليل لا يكفى زروعها وأشجارها. وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجيء النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون اليه وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد ويصب في البحر المالح * واما الشرقي فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها ويصب في البحر والشرقية منهما تمر على أشمون (^٢) طناح فيصب هناك في بحيرة شرقى دمياط. يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط.
وهذا بعد عظيم فيما بين مبتدئه الى منتهاه. ولهذا كان ألطف المياه * قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الأرض * فمنها انه أبعدها مسافة من مجراه الى أقصاه. ومنها أنه يجرى على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة وما ذاك الا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته. ومنها ان زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار. ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها وأما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة وأن الّذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات الأفاكين * وقد قال عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال «لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها اليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم (القبطية) فقالوا (أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إذا كان لثنتى عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا الى جارية بكر بين أبويها فارضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو ان هذا لا يكون في الإسلام وان الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة والنيل لا يجرى لا قليلا ولا كثيرا * وفي رواية فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى وهو لا يجرى حتى هموا بالجلاء. فكتب عمرو الى عمر بن الخطاب بذلك فكتب اليه عمر إنك قد أصبت بالذي فعلت وانى قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها «من عبد الله عمر أمير المؤمنين الى نيل مصر (أما بعد) فان كنت تجرى من قبلك فلا تجر وان كان الله الواحد القهار هو الّذي يجريك فنسأل الله أن يجريك (^٣) فالقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا
_________________
(١) المعروفة الآن باسم دنقلة بطريق التحريف *
(٢) كذا بالأصول وفي معجم البلدان (اشموم طناح).
(٣) قوله فالقى عمرو البطاقة في النيل إلخ الّذي في حسن المحاضرة للسيوطي فالقى عمر البطاقة في
[ ١ / ٢٧ ]
في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر الى اليوم *
وأما الفرات فأصلها من شمالي أرزن الروم فتمر الى قرب ملطيه ثم تمر على شميشاط. ثم على البيرة قبليها ثم تشرق الى بالس (^١) وقلعة جعبر ثم الرقة ثم الى الرحبة شماليها ثم الى عانة ثم الى هيت ثم الى الكوفة ثم تخرج الى فضاء العراق ويصب في بطائح كبار اى بحيرات وترد اليها ويخرج منها أنهار كبار معروفة وأما سيحان ويقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم ويجرى من الشمال والغرب الى الجنوب والشرق وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر وهو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس وقد كانت في أول الدولة الإسلامية في أيدي المسلمين * فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية وملكوا الشام وأعمالها عجزوا عن صونها عن الأعداء فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد أعنى بلاد سيس في حدود الثلاثمائة والى يومنا هذا. والله المسئول عودها إلينا بحوله وقوته. ثم يجتمع سيحان وجيحان عند اذنه فيصيران نهرا واحدا. ثم يصبان في بحر الروم بين إياس وطرسوس * وأما جيحان ويقال له جيحون أيضا وتسميه العامة جاهان. وأصله في بلاد الروم ويسير في بلاد سيس من الشمال الى الجنوب وهو يقارب الفرات في القدر * ثم يجتمع هو وسيحان عند اذنة فيصيران نهرا واحدا * ثم يصبان في البحر عند اياس وطرسوس والله أعلم *