قال الله تعالى ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ * وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ. قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم وأورث بنى إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم كما قال ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وقال ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ وقال هاهنا ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا. فذكر ابن عبد الحكم في تاريخ مصر أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة فكانت لهن السطوة عليهم واستمرت هذه سنة نساء مصر الى يومك هذا.
وعند أهل الكتاب أن بنى إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سنتهم وأمروا أن يذبح كل أهل بيت حملا من الغنم فان كانوا لا يحتاجون الى حمل فليشترك الجار وجاره فيه
_________________
(١) بالقاف أي ولتكون لخالقك آية كسائر آياته
[ ١ / ٢٧٤ ]
فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على اعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلونه مطبوخا ولكن مشويا برأسه وأكارعه وبطنه ولا يبقوا منه شيئا ولا يكثروا له عظما ولا يخرجوا منه شيئا الى خارج بيوتهم وليكن خبزهم فطيرا سبعة أيام ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم وكان ذلك في فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم وليأكلوا بسرعة قياما. ومهما فضل عن عشائهم فما بقي الى الغد فليحرقوه بالنار وشرع لهم هذا عيدا لا عقابهم ما دامت التوراة معمولا بها فإذا نسخت بطل شرعها وقد وقع. قالوا وقتل الله ﷿ في تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ليشتغلوا عنهم وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار وأهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ليس من بيت الا وفيه عويل. وحين جاء الوحي الى موسى خرجوا مسرعين فحملوا العجين قبل اختماره وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم * وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حليا كثيرا فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الانعام وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة. هذا نص كتابهم.
وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ وهذا العيد عيد الفسخ. ولهم عيد الفطير وعيد الحمل وهو أول السنة * وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها في كتابهم. ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف ﵇ وخرجوا على طريق بحر سوف. وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عامود نور وبالليل أمامهم عامود نار فانتهى بهم الطريق الى ساحل البحر فنزلوا هنالك وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطئ اليم فقلق كثير من بنى إسرائيل حتى قال قائلهم كان بقاؤنا بمصر أحبّ إلينا من الموت بهذه البرية. وقال موسى ﵇ لمن قال هذه المقالة لا تخشوا فان فرعون وجنوده لا يرجعون الى بلدهم بعد هذا. قالوا وامر الله موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس. وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين وصار وسطه يبسا لان الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر واتبعهم فرعون وجنوده فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم. لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم والله أعلم. قالوا ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب وقالوا (نسبح الرب البهي الّذي قهر الجنود ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود) وهو تسبيح طويل. قالوا وأخذت مريم النبية أخت هارون دفا بيدها وخرج النساء في أثرها كلهن بدفوف وطبول وجعلت مريم ترتل لهن وتقول سبحان الرب القهار الّذي قهر الخيول وركبانها إلقاء في البحر هكذا رأيته في كتابهم. ولعل هذا هو من الّذي حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه أن مريم بنت
[ ١ / ٢٧٥ ]
عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى مع قوله يا أخت هارون * وقد بينا غلطه في ذلك وان هذا لا يمكن أن يقال ولم يتابعه أحد عليه بل كل واحد خالفه فيه ولو قدر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون ﵍ وأم عيسى ﵍ وافقتها في الاسم واسم الأب واسم الأخ لأنهم كما
قال رسول الله ﷺ للمغيرة بن شعبة لما سأله أهل نجران عن قوله يا أخت هارون فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم رواه مسلم. وقولهم النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة ومن بيت الإمرة أميرة وان لم تكن مباشرة شيئا من ذلك فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة يوحى اليها وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الّذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد * وهذا مشروع لنا أيضا في حق النساء
لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى ورسول الله ﷺ مضطجع مولى ظهره اليهم ووجهه الى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن وقال أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ فقال دعهن يا أبا بكر فان لكل قوم عيدا وهذا عيدنا.
وهكذا يشرع عندنا في الأعراس ولقدوم الغياب كما هو مقرر في موضعه والله أعلم. وذكروا أنهم لما جاوزوا البحر وذهبوا قاصدين الى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك فوجدوا ماء زعاقا أجاجا لم يستطيعوا شربه فامر الله موسى فاخذ خشبة فوضعها فيه فحلا وساغ شربه وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ووصاه وصايا كثيرة. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قالوا هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والاكرام وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصناما قيل كانت على صور البقر فكأنهم سألوهم لم يعبدونها فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة فقال لهم مبينا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الّذي بين أظهرهم وما أحسن به اليهم وما امتن به عليهم من انجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد وإهلاكه إياه وهم ينظرون وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة وما كانوا يعرشون وبين لهم أنه لا تصلح العبادة الا لله وحده لا شريك له لانه الخالق الرازق القهار وليس كل بنى إسرائيل سأل هذا السؤال بل هذا الضمير عائد على الجنس في قوله ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾
[ ١ / ٢٧٦ ]
عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي قال بعضهم كما في قوله ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم وقد
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبى سنان الديليّ عن أبى واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها فقال النبي الله ﷺ الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة انكم تركبون سنن الذين من قبلكم. ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به. ثم قال حسن صحيح. وقد
روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل عن الزهري عن سنان بن أبى سنان عن أبى واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ الى خيبر قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال قلتم والّذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والمقصود أن موسى ﵇ لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم فأمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم ومقاتلتهم واجلائهم إياهم عن بيت المقدس فان الله كتبه لهم ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل فأبوا ونكلوا عن الجهاد فسلط الله عليهم الخوف وألقاهم في التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ * يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * قالُوا يا مُوسى. إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ * قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ * قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾. يذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم إحسانه عليهم بالنعم الدينية والدنيوية ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ﴾ أي تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا على قتال أعدائكم
[ ١ / ٢٧٧ ]
﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي فتخسروا بعد الربح وتنقصوا بعد الكمال ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ أي عتاة كفرة متمردين ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا وهذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة ومذمومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المردة الأشقياء.
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخاما جدا حتى إنهم ذكروا أن رسل بنى إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين فجعل يأخذهم واحدا واحدا ويلفهم في أكمامه وحجرة سراويله وهم اثنا عشر رجلا فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين فقال ما هؤلاء ولم يعرف أنهم من بنى آدم حتى عرفوه وكل هذه هذيانات وخرفات لا حقيقة لها وأن الملك بعث معهم عنبا كل عنبة تكفى الرجل وشيئا من ثمارهم ليعلموا ضخامة اشكالهم وهذا ليس بصحيح. وذكروا هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين الى بنى إسرائيل ليهلكهم وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع هكذا ذكره البغوي وغيره وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند
قوله ﷺ (إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا) ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن قالوا فعمد عوج الى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقا في عنق عوج بن عنق. ثم عمد موسى اليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع فوصل الى كعب قدمه فقتله. يروى هذا عن عوف البكالي ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي اسناده اليه نظر * ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات وكل هذه من وضع جهال بنى إسرائيل فان الاخبار الكذبة قد كثرت عندهم ولا تميز لهم بين صحتها وباطلها. ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم وقد ذمهم الله على نكولهم وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالأقدام ونهياهم عن الاحجام * ويقال إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن انس وغير واحد ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي يخافون الله وقرأ بعضهم يخافون أي يهابون ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي بالإسلام والايمان والطاعة والشجاعة ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ. وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم اليه نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم وأظفركم بهم.
﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فصمم ملؤهم على النكول عن الجهاد ووقع أمر عظيم ووهن كبير. فيقال إن يوشع وكالب لما سمعا هذا
[ ١ / ٢٧٨ ]
الكلام شقا ثيابهما وإن موسى وهارون سجدا إعظاما لهذا الكلام وغضبا لله ﷿ وشفقة عليهم من وبيل هذه المقالة ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس اقض بيني وبينهم. ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض يسيرون الى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب ﵉. لكن أصحاب محمد ﷺ يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى بل لما استشارهم في الذهاب الى النفير تكلم الصديق فأحسن وغيره من المهاجرين ثم جعل يقول أشيروا على حتى قال سعد بن معاذ كأنك تعرض بنا يا رسول الله فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد وبسطه ذلك. وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن مخارق ابن عبد الله الأحمسي عن طارق هو ابن شهاب أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون * وهذا إسناد جيد من هذا الوجه وله طرق أخرى. قال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال قال عبد الله بن مسعود لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب الى مما عدل به أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين قال والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر بذلك رواه البخاري في التفسير والمغازي من طرق عن مخارق به.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا على بن الحسن بن على حدثنا أبو حاتم الرازيّ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ لما سار الى بدر استشار المسلمين فاشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله ﷺ قالوا إذا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ والّذي بعثك بالحق إن ضربت أكبادها الى برك الغماد لاتبعناك رواه الامام أحمد عن عبيدة بن حميد عن حميد الطويل عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد عن أنس به نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبى يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معتمر عن حميد عن أنس به نحوه *
[ ١ / ٢٧٩ ]