قال الله تعالى «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» وقال تعالى «فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» وقال الله «لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» وقال «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» وقال تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى» وقال «ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» في غير ما آية من القرآن، وقال تعالى «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا»
[ ١ / ٩ ]
وقال تعالى «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» وقال تعالى «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب «لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش الكريم. لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم».
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ «أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قال قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء الى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكشف كل سماء (^١) مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض. ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شيء». هذا لفظ الامام أحمد. ورواه أبو داود وابن ماجة والترمذي من حديث سماك باسناده نحوه. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك ووقفه
ولفظ أبى داود «وهل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا لا ندري» قال «بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة» والباقي نحوه. وقال أبو داود حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير. قال أحمد كتبناه من نسخته وهذا لفظه.
قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاعت العيال (^٢) ونهكت الأموال وهلكت الأنعام.
فاستسق الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك» قال رسول الله ﷺ «ويحك أتدري ما تقول» وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سماواته لهكذا» وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب. قال ابن بشار في
_________________
(١) (قوله وكشف كل سماء) بالشين المعجمة. والّذي في مسند الامام أحمد المطبوع بمصر كيف بالياء التحية. وفي العيني على البخاري منسوبا الى كتاب العرش لابن أبى شيبة. وكثف كل سماء بالثاء المثلثة. وهذا هو الصواب.
(٢) قوله وجاعت العيال هكذا في النسخ التي بأيدينا وفي نسخة أبى داود التي بأيدينا وضاعت العيال (محمود الامام).
[ ١ / ١٠ ]
حديثه «ان الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته» وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عقبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود والحديث باسناد أحمد بن سعيد وهو الصحيح. وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلى بن المديني ورواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال احمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني. تفرد بإخراجها أبو داود، وقد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقيّ جزءا في الرد على هذا الحديث. سماه (ببيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط) واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه. وذكر كلام الناس فيه، ولكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق،
فرواه عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، وابن أبى عاصم والطبراني في كتابي السنة لهما، والبزار في مسندة والحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبى إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «أتت امرأة الى رسول الله ﷺ فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب ﵎ وقال «ان كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله. عبد الله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور. وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا، ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة والله أعلم *
وثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن». يروى وفوقه بالفتح على الظرفية، وبالضم. قال شيخنا الحافظ المزي وهو أحسن، أي وأعلاها عرش الرحمن. وقد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه) وما ذاك الا لقربهم منه.
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. وذكر الحافظ بن الحافظ محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف «أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة» وذكرنا عند قوله تعالى «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» أنه بعد ما بين العرش الى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة. وقد ذهب طائفة من أهل الكلام الى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير. وهذا ليس بجيد لانه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضا فإنه فوق الجنة والجنة فوق السموات وفيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فالبعد الّذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك الى فلك. وأيضا فان العرش في اللغة عبارة عن السرير
[ ١ / ١١ ]
الّذي للملك كما قال تعالى ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك. والقرآن انما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات.
قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية، وفوق ظهورهن العرش، وقال تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ وقال شهر بن حوشب «حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك» وأربعة يقولون «سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك» فأما الحديث الّذي
رواه الامام احمد حدثنا عبد الله بن محمد هو أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صدق أمية يعنى ابن أبى الصلت في بيتين من شعره فقال
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال رسول الله ﷺ صدق. فقال
والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء مطلع لونها متورد
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها … الا معذبة والا تجلد
فقال رسول الله ﷺ «صدق» فإنه حديث صحيح الاسناد رجاله ثقات. وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال. اللهمّ الا أن يقال إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفى ما عداهم. والله أعلم. ومن شعر أمية بن أبى الصلت في العرش قوله
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الّذي بهر الناس … وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا لا يناله بصر العين … ترى حوله الملائك صورا
صور جمع أصور وهو المائل العنق لنظره الى العلو (^١) والشرجع هو العالي المنيف. والسرير هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الّذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته
شهدت بان وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مسومينا
ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة
وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله
_________________
(١) قوله لنظره الى العلو كذا بالأصول. والّذي في كتب اللغة لثقل حمله (محمود الامام).
[ ١ / ١٢ ]
أن النبي ﷺ قال «اذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله ﷿ من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. ورواه ابن أبى عاصم (^١) ولفظه محقق الطير (^٢) مسيرة سبعمائة عام