قال محمد بن إسحاق وكان قبل زكريا ويحيى وهو ممن بشر بعيسى ومحمد ﵉ وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على بنى إسرائيل ببلاد بيت المقدس وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح وكانت الأجداث قد عظمت في بنى إسرائيل فمرض الملك وخرجت في رجله قرحة. وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب قال ابن إسحاق في ستمائة ألف راية وفزع الناس فزعا عظيما شديدا وقال الملك للنّبيّ شعيا ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده فقال لم يوح الى فيهم شيء بعد. ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك حزقيا بان يوصى ويستخلف على ملكه من يشاء فإنه قد اقترب أجله فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى فقال وهو يبكى ويتضرع الى الله ﷿ بقلب مخلص وتوكل وصبر (اللهمّ رب الأرباب وإله الآلهة يا رحمان
[ ٢ / ٣٢ ]
يا رحيم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعلمي وفعلى وحسن قضائي على بنى إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي سرى واعلانى لك) قال فاستجاب الله له ورحمه واوحى الله الى شعيا أن يبشره بانه قد رحم بكاءه وقد اخر في أجله خمس عشر سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال في سجوده (اللهمّ أنت الّذي تعطى الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين) فلما رفع رأسه أوحى الله الى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح قد برئ. ففعل ذلك فشفى وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم نصر فأرسل ملك بنى إسرائيل فجاء بهم فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوما ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ثم أودعهم السجن واوحى الله تعالى الى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم الى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم فقال له السحرة والكهنة انا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين. قال ابن إسحاق ثم لما مات حزقيا ملك بنى إسرائيل مرح أمرهم واختلطت احداثهم وكثر شرهم فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم وأخبرهم عن الله بما هو اهله وانذرهم بأسه وعقابه ان خالفوه وكذبوه. فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فاخذ بهدبة ثوبه فابرزها فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها فانا لله وإنا اليه راجعون