قال ابن إسحاق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل. وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ﵇. وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم
[ ١ / ٢٢٠ ]
﵇ يوم ألقى في النار فلم تحرقه والمشهور الأول لأنه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح ﵉. وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء اليهم في سورة النساء في قوله تعالى ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ﴾ الآية فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق وامرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم. وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا. ثم نعطف بذكر أنبياء بنى إسرائيل بعد ذكر قصته ان شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ وقال تعالى في سورة ص ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ * اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾.
﴿* وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال أول نبي بعث إدريس. ثم نوح. ثم إبراهيم. ثم إسماعيل. ثم إسحاق. ثم يعقوب. ثم يوسف. ثم لوط. ثم هود.
ثم صالح. ثم شعيب. ثم موسى وهارون. ثم الياس. ثم اليسع. ثم عرفي (^١) بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب. ثم يونس بن متى من بنى يعقوب. ثم أيوب بن زراح (^٢) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفي بعض هذا الترتيب نظر فان هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران.
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه. يذكر الله ﷿ بهما وهو في ذلك كله صابر محتسب ذاكر لله ﷿ في ليله ونهاره وصباحه ومسائة. وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه اليها وشفقته عليها فكانت تتردد اليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته. وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وتقوم بأوده ﵂ وأرضاها وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق
_________________
(١) في نسخة عربي
(٢) في نسخة راذح
[ ١ / ٢٢١ ]
المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فانا لله وإنا اليه راجعون. وقد ثبت
في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال (أشد الناس بلاء الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه). ولم يزد هذا كله أيوب ﵇ الا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره ﵇ ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب ابن منبه وغيره من علماء بنى إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب ﵇ أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة. وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب ﵇ ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف احدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب اخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا ان يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد فقال أحدهما لصاحبه لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط قال (اللهمّ ان كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهمّ ان كنت تعلم أنى لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهمّ بعزتك وخر ساجدا فقال اللهمّ بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عنى فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبى حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى انبئنا ابن وهب أخبرنى
[ ١ / ٢٢٢ ]
نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال (إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان اليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين.
قال له صاحبه وما ذاك قال منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به. فلما راحا اليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب لا أدرى ما تقول غير أن الله ﷿ يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فارجع الى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله الى أيوب في مكانه ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت بنى الله هذا المبتلى فو الله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فانى أنا هو. قال وكان له أندران اندر للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به. وهذا غريب رفعه جدا. والأشبه أن يكون موقوفا. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد انبئنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلى الّذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر منى يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله عليّ جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه. أوحى الله اليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فان فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبى حاتم.
وقال ابن أبى حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (لما عافى الله أيوب ﵇ أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع. قال يا رب ومن يشبع من رحمتك. وهكذا رواه الامام أحمد عن ابى داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به. ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال الامام أحمد ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك قال أي رب ومن يستغنى عن فضلك. هذا موقوف. وقد روى عن أبى هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثى في ثوبه فناداه ربه ﷿ (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك. رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به وقوله ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به فأنبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض الّذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حتى صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا من ذهب واخلف الله له أهله كما قال تعالى ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فقيل أحياهم الله بأعيانهم. وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. وقوله ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي رفعنا عنه شدته ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ رحمة منا به ورأفة وإحسانا ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع. وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله اليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله ﴿خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب ﵇ فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها. وقيل لأنه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فاتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط. فلما عافاه الله ﷿ أفتاه أن يأخذ ضغثا وهو كالعثكال الّذي يجمع الشماريخ فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة ﵂. ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الأحكام عند الوصول اليه ان شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب ﵇ لما توفى كان عمره ثلاثا وتسعين سنة. وقيل إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان ﵇ على الأغنياء وبيوسف ﵇ على الأرقاء وبأيوب ﵇ على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الّذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم. ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر هاهنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب ﵉ * وهذه