هو داود بن ايشا (^١) بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن ارم بن حصرون بن فارص ابن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس * قال
_________________
(١) هكذا بالنسخ والّذي في ابن جرير داود بن ايشى بن عوبد بن باعز بن سلمون بن نحشون ابن عمى نادب بن رام إلخ وفي العرائس خلافهما فراجعه (محمود الامام)
[ ٢ / ٩ ]
محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه كان داود ﵇ قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه. تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر فأحبته بنو إسرائيل ومالوا اليه والى ملكه عليهم فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك الى داود ﵇ وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي لولا اقامة الملوك حكاما على الناس لأكل قوى الناس ضعيفهم. ولهذا جاء في بعض الآثار (السلطان ظل الله في أرضه). وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان (ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له اخرج الى واخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت. قال وهب بن منبه فمال الناس الى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود * وقيل ان ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضهم إنه ولاه قبل الواقعة. قال ابن جرير والّذي عليه الجمهور انه انما ولى ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم * وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز ان قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وان النهر الّذي هناك هو المذكور في الآية فالله أعلم * وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ * وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾. أعانه الله على عمل المروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده الى صنعتها وكيفيتها فقال ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي لا تدق المسمار فيغلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة.
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج الى نار ولا مطرقة. قال قتادة فكان أول من عمل الدروع من زرد وانما كانت قبل ذلك من صفائح قال ابن شوذب كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان نبي الله داود كان يأكل من كسب يده وقال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ * إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ * وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد الأيد القوة في الطاعة يعنى ذا قوة في العبادة والعمل الصالح قال قتادة اعطى قوة في العبادة وفقها في الإسلام قال وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وقد ثبت
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال (أحب الصلاة الى الله صلاة داود
[ ٢ / ١٠ ]
وأحب الصيام الى الله صيام داود) كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى. وقوله ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ كما قال ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي سبحي معه قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية) ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي عند آخر النهار وأوله وذلك انه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا بحيث انه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجّع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا صلوات الله وسلامه عليه. وقال الأوزاعي حدثني عبد الله بن عامر قال اعطى داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا وحتى ان الأنهار لتقف. وقال وهب بن منبه كان لا يسمعه أحد الا حجل كهيئة الرقص وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله فيعكف الجن والانس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعا وقال أبو عوانة الأسفراييني حدثنا أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا محمد بن منصور الطوسي سمعت صبيحا أنبأنا برادح (^١) قال ابو عوانة وحدثني أبو العباس المدني حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر عن مالك قال كان داود ﵇ إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى وهذا غريب. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال وما بأس بذلك سمعت عبيد بن عمر يقول كان داود ﵇ يأخذ العزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكى وتبكى.
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع رسول الله ﷺ صوت أبى موسى الأشعري وهو يقرأ فقال لقد أوتى أبو موسى من مزامير آل داود وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه
وقال احمد حدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمر عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود على شرط مسلم وقد روينا عن أبى عثمان الترمذي أنه قال لقد سمعت البربط والمزمار فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبى موسى الأشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور كما
قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خفف على داود القراءة فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته وكان لا يأكل الا من عمل يديه وكذلك
رواه البخاري
_________________
(١) قوله انبئنا برادح. كذا بالنسخة الحلبية وبإحدى النسختين المصريتين (ابا تراب رح) وفي الثانية (أبا تراب ح) فليحرر انتهى محمود الامام
[ ٢ / ١١ ]
منفردا به عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق به ولفظه خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوا به فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل الا من عمل يديه. ثم قال البخاري ورواه موسى ابن عقبة عن صفوان هو ابن سليم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة ومن طريق أبى عاصم عن أبى بكر السبرى عن صفوان بن سليم به.
والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الّذي أنزله عليه وأوحاه اليه وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإنه كان ملكا له اتباع فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع صلوات الله وسلامه عليه وقد قال الله تعالى ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الّذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه * وقوله ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ أي أعطيناه ملكا عظيما وحكما نافذا. روى ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا الى داود ﵇ في بقر ادعى أحدهما على الأخر أنه اغتصبها منه فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما الى الليل فلما كان الليل أوحى الله اليه أن يقتل المدعى فلما أصبح قال له داود ان الله قد أوحى الى أن أقتلك فانا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما أدعيته على هذا قال والله يا نبي الله انى لمحق فيما ادعيت عليه ولكنى كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بنى إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما. قال ابن عباس وهو قوله تعالى ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي النبوة وفصل الخطاب قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك البينة على المدعى واليمين على من أنكر. وقال مجاهد والسدي هو اصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد هو الفصل في الكلام وفي الحكم واختاره ابن جرير وهذا لا ينافي ما روى عن أبى موسى أنه قول (اما بعد). وقال وهب بن منبه لما كثر الشر وشهادات الزور في بنى إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء الى صخرة بيت المقدس وكانت من ذهب فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا نالها والآخر لا يصل اليها فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه واتخذ عكازا وأودعها فيه فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعى فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد الى العكاز فأعطاه المدعى وفيه تلك اللؤلؤة وقال اللهمّ انك تعلم أنى دفعتها اليه ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بنى إسرائيل. ثم رفعت سريعا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس ابن سنان عن وهب به بمعناه ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾
[ ٢ / ١٢ ]
قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ * قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ * فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ).
وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم.
وقد اختلف الائمة في سجدة ص هل هي من عزائم السجود أو انما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين * قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال سألت ابن عباس من أين سجدت قال أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ وقد قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل هو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي حسن صحيح
وقال النسائي أخبرنى إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ص وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا تفرد به أحمد ورجاله ثقات
وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سرح عن أبى سعيد الخدريّ قال قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشرف الناس للسجود فقال انما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشرفتم فنزل وسجد. تفرد به أبو داود واسناده على شرط الصحيح. وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ الى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد * تفرد به أحمد وروى الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبى يزيد قال قال لي ابن جريج حدثني جدك عبيد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس قال جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انى
[ ٢ / ١٣ ]
رأيت فيما يرى النائم كأنى أصلى خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودى فسمعتها تقول وهي ساجدة (اللهمّ اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود) وقال ابن عباس فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشيّ وهو ضعيف متروك الرواية * قال الله تعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. اى ان له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا).
وقال الامام أحمد في مسندة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول الله ﷺ ان أحب الناس الى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان أبغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الاغرّ به وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد الله بن أبى زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقوم داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله يا داود مجدنى اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الّذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته فيقول انى أرده عليك اليوم قال فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ هذا خطاب من الله تعالى مع داود والمراد ولاة الأمور وحكام الناس وأمرهم بالعدل والتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والاهواء وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات حتى إنه كان لا يمضى ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا صالح المزي عن أبى عمران الجونى عن أبى الجلد قال قرأت في مسألة داود ﵇ أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل الى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي «أن يا داود ألست تعلم أن الّذي بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فانى أرضى بذلك منك» وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن يونس القرشي حدثنا روح بن عبادة حدثني عبد الله ابن لاحق عن ابن
[ ٢ / ١٤ ]
شهاب قال قال داود «الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه إنك أتعبت الحفظة يا داود» ورواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن على بن الجعد عن الثوري مثله وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري عن رجل عن وهب بن منبه قال ان في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفضي فيها الى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلى بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فان هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه * وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن أبى بكر بن أبى خيثمة عن ابن مهدي عن سفيان عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره. ورواه أيضا عن على بن الجعد عن عمر بن الهيثم الرقاشيّ عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره وأبو الأغر هذا هو الّذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قاله ابن عساكر وقال عبد الرزاق أنبأنا بشر بن رافع حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله قال سمعت وهب بن منبه فذكر مثله. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة منها قوله كن لليتيم كالأب الرحيم * واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسند غريب مرفوعا قال داود يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها وعن داود ﵇ أنه قال مثل الخطيب الأحمق في نادى القوم كمثل المغنى عند رأس الميت وقال أيضا ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى وقال انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادى القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فان ذلك عداوة ما بينك وبينه. وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر الواقدي حدثني هشام بن سعد عن عمر مولى عفرة قال قالت يهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء انظروا الى هذا الّذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة الا الى النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه فقال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعنى بالناس رسول الله ﷺ ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يعنى ما أتى الله سليمان ابن داود كانت له ألف امرأة سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية وكانت لداود ﵇ مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد ﷺ. وقد ذكر الكلبي نحو هذا وانه كان لداود ﵇ مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية (^١)
وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقيّ الّذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج
_________________
(١) من هنا لآخر القصة لم يوجد في النسختين الموجودتين بالمكتبة المصرية
[ ٢ / ١٥ ]
ابن فضالة الحمصي عن أبى هريرة الحمصي عن صدقة الدمشقيّ أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث (^١) مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى وكان يصوم يوما ويفطر يوما وقال رسول الله ﷺ أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكوّن فيها وكانت له ركعة من الليل يبكى فيها نفسه ويبكى ببكائه كل شيء ويصرف بصوته الهموم والمحموم * وان شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام. وان شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميه وقام يصلى حتى يصبح وكان راميا لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بنى إسرائيل فيقضى لهم حوائجهم.
وان شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين.
وان شئت أنبأتك بصوم النبي العربيّ الأمي محمد ﷺ فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر. وقد روى (^٢) الامام احمد عن أبى النصر عن فرج بن فضالة عن أبى هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود *