قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا * قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
﴿* وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ * هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ * فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ * قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ * قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً. قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾. وقال تعالى ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل. زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان يقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن دواد بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينامن بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بنى إسرائيل. دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى. وقيل انه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه
[ ٢ / ٤٧ ]
ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكري أيضا.
والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقص على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر وكانت امرأته عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. قال قتادة عند تفسيرها ان الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفى.
وقال بعض السلف قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال (يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك) ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف وخار من الكبر ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شيبة كما قال ابن دريد في مقصورته.
أما ترى رأسي حاكى لونه … طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض في مسودة … مثل اشتعال النار في جمر الغضا
وآض عود اللهو يبسا ذاويا … من بعد ما قد كان مجاج الثرى
يذكر ان الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا ﵇ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وقوله ﴿لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي ما عودتني فيما اسألك الا الاجابة وكان الباعث له على هذه المسألة انه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وان كان قد طعن في سنه ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ وقوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بنى إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسال وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ أي في النبوة والحكم في بنى إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعنى كما كان آباؤه واسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير هاهنا وحكاه عن ابى صالح من السلف لوجوه. أحدها ما قدمنا عند قوله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا
في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة ان رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة فهذا نص على أن رسول الله ﷺ لا يورث ولهذا منع الصديق ان يصرف ما كان يختص به في حياته الى أحد من وراثه الذين لولا هذا
[ ٢ / ٤٨ ]
النص لصرف اليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃ واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون ﵃. الثاني ان الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء نحن معاشر الأنبياء لا نورث وصححه. الثالث ان الدنيا كانت احقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا اليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فان من لا يصل الى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع أن زكريا ﵇ كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل اجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم ان شاء الله.
قال الامام أحمد حدثنا يزيد يعنى ابن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال كان زكريا نجارا. وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. وهذا مفسر بقوله ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ يعنى وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وقالت سارة ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وهكذا أجيب زكريا ﵇ قال له الملك الّذي يوحى اليه بأمر ربه ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي قدرته أوجدتك بعد ان لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وان كنت شيخا. وقال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته انها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شيء أي بذاءة ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي علامة على وقت تعلق منى المرأة بهذا الولد المبشر به ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام الا رمزا وأنت في ذلك سوى الخلق صحيح المزاج معتدل البنية وأمر
[ ٢ / ٤٩ ]
بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والأبكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ * والوحي هاهنا هو الأمر الخفى اما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو اشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇ وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه * قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وأما قوله ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدرى ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا﴾ أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد * وعن عكرمة ﴿وَحَنانًا﴾ أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدرى ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:
ولدتك أمك باكيا مستصرخا … والناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة اشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال
(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)
وقال سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة أن الحسن قال إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير منى فقال له الآخر استغفر لي أنت خير منى فقال له عيسى أنت خير منى سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فقيل المراد بالحصور الّذي لا يأتى النساء
[ ٢ / ٥٠ ]
وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقد
قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى. على بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث وقد رواه ابن خزيمة والدارقطنيّ من طريق أبى عاصم العبادانى عن على بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا.
وقال ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل (موسى كليم الله وقال قائل عيسى روح الله وكلمته وقال قائل إبراهيم خليل الله فقال اين الشهيد اين الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب قال ابن وهب يريد يحيى بن زكريا. وقد
رواه محمد ابن إسحاق وهو مدلس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول كل ابن آدم ياتى يوم القيامة وله ذنب الا ما كان من يحيى بن زكريا. فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن هاهنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبى أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق حدثنا محمد بن الأصبهاني حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال ما أحدا لا يلقى الله بذنب الا يحيى بن زكريا. ثم تلا ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه الا مثل هذا. ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا أصح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف عن عثمان بن سباح عن ثور بن يزيد عن خالد ابن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه.
وروى من طريق أبى داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبى نعيم عن أبيه عن أبى سعيد قال قال رسول ﷺ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة يحيى وعيسى ﵉. وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني حدثنا إسحاق بن احمد حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا احمد بن أبى الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى ابن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك ابدا قال وما هي يا ابن خالة قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال سبحان الله بدنك معى فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئنّ الى جبريل لظننت أنى ما عرفت الله طرفة عين. فيه غرابة وهو من الإسرائيليات * وقال إسرائيل عن ابى حصين عن خيثمة قال كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف وكان يحيى يلبس الوبر ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا
[ ٢ / ٥١ ]
عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان اليه اين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحبى أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع الا أن اغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى.
وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا ﵇ موتا أو قتل قتلا على روايتين فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاءوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار الى أضلاعه أن فأوحى الله اليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روى هذا في حديث مرفوع سنورده بعد ان شاء الله * وروى إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب أنه قال الّذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم.
وقال الامام احمد حدثنا عفان أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبى كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال ان الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وان يأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن وكاد أن يبطئ فقال له عيسى ﵇ إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن. فاما أن تبلغهن وإما أن ابلغهن فقال يا أخى إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بى قال فجمع يحيى بنى إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله واثنى عليه ثم قال إن الله ﷿ أمرنى بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم ان تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فان مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدى غلته الى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فان الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا * وأمركم بالصيام فان مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك * وأمركم بالصدقة فان مثل ذلك كمثل رجل اسره العدو فشدوا يده الى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدى نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه * وآمركم بذكر الله ﷿ كثيرا فان مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في اثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ﷿ قال وقال رسول ﷺ وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فان من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه الا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال يا رسول الله وان صام وصلّى قال وان صام وصلّى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله ﷿ المسلمين المؤمنين عباد الله ﷿.
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد عن ابان بن يزيد عن يحيى بن أبى كثير به. وكذلك رواه
[ ٢ / ٥٢ ]
الترمذي من حديث أبى داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل كلاهما عن ابان بن يزيد العطار به * ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عن محمد بن شعيب بن سابور عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري به. ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري عن معاوية بن سلام عن أخيه به. ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام. قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبى نوبة الربيع بن يافع عن معاوية بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبى سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية ثم روى الحافظ بن عساكر من طريق عبد الله بن أبى جعفر الرازيّ عن أبيه عن الربيع بن انس قال ذكر لنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما سمعوا من علماء بنى إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم. وقد ذكروا ان يحيى ﵇ كان كثير الانفراد من الناس انما كان يأنس الى البراري ويأكل من ورق الأشجار ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان ويقول من أنعم منك يا يحيى * وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله ﷿. وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وانه كان ليبكى من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه وقال محمد بن يحيى الذهلي حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال جلست يوما الى أبى إدريس الخولانيّ وهو يقص فقال الا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا اليه قال إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما انما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم * وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكى على نفسه فقال يا بنى أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكى فيه فقال يا أبت الست أنت أخبرتنى أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطع الا بدموع البكاءين فقال له ابك يا بنى فبكيا جميعا. وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه وروى ابن عساكر عنه أنه قال إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله ﷿ * ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه *