قال الحافظ بن عساكر هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبى الربيع نبي الله بن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق. قال ابن ماكولا فارص بالصاد المهملة وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر قال الله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي ورثه في النبوة والملك وليس المراد ورثه في المال لانه قد كان له بنون غيره فما كان ليخص بالمال دونهم ولأنه قد ثبت
في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة وفي لفظ نحن معاشر الأنبياء لا نورث فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل يكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها اقرباؤهم لان الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك كما هي عند الّذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم وقال ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ الآية يعنى أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ (^١) أنبأنا على بن حشاد (^٢) حدثنا إسماعيل بن قتيبة حدثنا على بن قدامة حدثنا أبو جعفر الاسوانى (^٣) يعنى محمد بن عبد الرحمن عن أبى
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبيّ الطهمانى الحاكم النيسابورىّ المعروف بابن البيع. وانما عرف بالحاكم لتقلده القضاء وهو صاحب المستدرك وغيره
(٢) كذا في الحلبية وحشاذ في المصريتين وكلاهما خطأ والصواب حمشاذ انتهى محمود الامام
(٣) كذا في النسخ بنون بعد الالف وواو بعد السين وهو خطأ والصواب الاستوائى بالهمز بعد الالف وبتاء مثناة بين السين والواو نسبة الى استواء بضم الهمزة ثم السكون وضم التاء المثناة وواو وألف. وهي كورة من نواحي نيسابور ومعناها
[ ٢ / ١٨ ]
يعقوب العمى (^١) حدثني أبو مالك قال مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه أتدرون ما يقول قالوا وما يقول يا نبي الله: قال يخطبها الى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت. قال سليمان ﵇ لان غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذاب. رواه ابن عساكر عن أبى القاسم زاهر بن طاهر (^٢) عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من كل ما يحتاج الملك اليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والانس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي من بارئ البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾.
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والانس والطير فالجن والانس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الّذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب. وفي هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لانه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء ولا وطء لان البساط كان عليه جميع ما يحتاجون اليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والانعام والطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى
_________________
(١) (بلسانهم المضحاة والمشرقة محمود الامام
(٢) كذا بالأصول بالعين المهملة والصواب القمي بضم القاف وتشديد الميم. وهو يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك بن هاني بن عامر بن أبى عامر الأشعري أبو الحسن القمي انتهى محمود الامام
(٣) هو زاهر بن طاهر أبو القاسم الشحامي مسند بنيسابور صحيح السماع لكنه يخل بالصلاة فترك الرواية عنه غير واحد من الحافظ تورعا وقبله آخرون انتهى محمود الامام
[ ٢ / ١٩ ]
والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأى السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك فان هذا لا يقوله الا الذين لا يعلمون ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها ولهذا قال ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمنى وأرشدنى ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وان يبسر عليه العمل الصالح وان يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له * والمراد بوالديه داود ﵇ وأمه وكانت من العابدات الصالحات كما
قال سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ قال قالت أم سليمان بن داود يا بنى لا تكثر النوم بالليل فان كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة. رواه ابن ماجة عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه. (^١) وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن سليمان ابن داود ﵇ خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة احدى قوائمها تستسقى فقال لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم ان هذه النملة استسقت فاستجيب لها.
قال ابن عساكر وقد روى مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز عن سلامة بن روح بن خالد عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها الى السماء فقال النبي ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة وقال السدي أصاب الناس قحط على عهد سليمان ﵇ فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول «اللهمّ انا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك» قال فصب الله عليهم المطر. قال تعالى ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ * اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾.
_________________
(١) من هنا لغاية قوله فصب الله عليهم المطر لم يوجد بالنسختين الموجودتين بالمكتبة المصرية.
[ ٢ / ٢٠ ]
﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ * قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ * قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الاسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر الى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ أي ما له مفقود من هاهنا أو قد غاب عن بصرى فلا أراه بحضرتي ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ توعده بنوع من العذاب * اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على كل تقدير ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجة تنجيه من هذه الورطة. قال الله تعالى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها (فقال) لسليمان ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي بخبر صادق ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبإ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين وكان الملك قد آل في ذلك الزمان الى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد فأرسلت اليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها فاقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد. وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس ابن صيفي بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها بلقيس. وقد
روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن انس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال كان أحد أبوي بلقيس جنيا. وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف.
وقال الثعلبي أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة حدثنا أبو بكر بن جرجة حدثنا ابن أبى الليث حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبى بكرة قال ذكرت بلقيس
[ ٢ / ٢١ ]
عند رسول الله ﷺ فقال لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. إسماعيل بن مسلم هذا هو المكيّ ضعيف.
وقد ثبت
في صحيح البخاري من حديث عوف عن الحسن عن أبى بكرة أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد عن الحسن عن أبى بكرة عن النبي ﷺ وقال الترمذي حسن صحيح وقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعنى سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلي والذهب والحلي الباهر. ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له الّذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي له العرش العظيم الّذي لا أعظم منه في المخلوقات. فعند ذلك بعث معه سليمان ﵇ كتابه يتضمن دعوته لهم الى طاعة الله وطاعة رسوله والانابة والإذعان الى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامرى ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي وأقدموا على سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة فلما جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء الى قصرها فألقاه اليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها الى مشورتها ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولا ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ﴾ ثم قرأته ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ تعنى ما كنت لأبت أمرا الا وأنتم حاضرون ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقلومة الأبطال فان أردت منا ذلك فانا عليه من القادرين (و) مع هذا ﴿الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا اليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم الا الى ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة الا على ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم ان سليمان ﵇ لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلا لانهم كافرون وهو
[ ٢ / ٢٢ ]
وجنوده عليهم قادرون ولهذا (لما ﴿جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة كما ذكره المفسرون ثم قال لرسولها اليه ووافدها الّذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها الى من قدمن بها فان عندي مما قد أنعم الله عليّ وأسداه الىّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الّذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ أي فلأبعثن اليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة فبادروا الى اجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم اليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن. ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ * قِيلَ. لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ يعنى قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار الى قريب الزوال يتصدى لمهمات بنى إسرائيل وما لهم من الاشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي وانى لذو قدرة على احضارى إليك وامانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان. وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم. وقيل رجل من بنى إسرائيل من علمائهم وقيل إنه سليمان وهذا غريب جدا. وضعفه السهيليّ بانه لا يصح في سياق الكلام قال وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولا الى أقصى ما ينتهى اليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من
[ ٢ / ٢٣ ]
الناس وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. وقيل قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به الى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل. ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن الى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي هذا من فضل الله على وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي انما يعود نفع ذلك عليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي غنى عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين ثم أمر سليمان ﵇ أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى اخبارا عن سليمان وقومه ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله أتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم الى ذلك ولا حدأهم على ذلك وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف وفي الأول أيضا نظر والله أعلم الا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الأنس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر * وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها اليه وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن والأول أشهر وأظهر والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤ ]
وقال تعالى في سورة ص ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ * رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ * وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ * قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ * فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان ﵉ ثم أثنى الله عليه تعالى فقال ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي رجاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. الجياد وهي المضمرة السراع ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ يعنى الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر * والّذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس روى هذا عن على بن أبى طالب وغيره والّذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر اللهمّ الا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك * وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعيّ وغيره.
وقال مكحول والأوزاعي بل هو حكم محكم الى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. وقال آخرون بل كان تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق نسيانا وعلى هذا فيحمل فعل سليمان ﵇ على هذا والله أعلم. واما من قال الضمير في قوله ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ عائد على الخيل وانه لم تفته وقت صلاة وان المراد بقوله ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ يعنى مسح العرق عن قراقيبها وأعناقها فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق * ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها وهذا الّذي قاله فيه نظر لانه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا الى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها واهلاكها لئلا يتقووا بها وعليه حمل صنيع جعفر بن أبى طالب يوم عقر فرسه بموته وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة. قيل كانت عشرة آلاف فرس. وقيل عشرين ألف فرس. وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الاجنحة. وقد
روى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد ابن أبى مريم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن عزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبى سلمة
[ ٢ / ٢٥ ]
ابن عبد الرحمن عن عائشة قالت قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب فقال ما هذا يا عائشة فقالت بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ما هذا الّذي أرى وسطهن قالت فرس قال وما الّذي عليه هذا قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ. وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها كما
قال الامام احمد حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبى قتادة وأبى الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله ﷿ وقال انك لا تدع شيئا اتقاء الله ﷿ الا أعطاك الله خيرا منه. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾. ذكر ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا هاهنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان ﵇ غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد اليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. وقد قدمنا أنه جدده
وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل ﵇ كما ذكرنا ذلك عند قول أبى ذر قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال مسجد بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة ومعلوم أن بين إبراهيم الّذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود ﵉ أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس كما
قال الامام احمد والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلميّ عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص قال قال رسول الله ﷺ إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ﷿ خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله ايما رجل خرج من بيته لا يريد الا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها. فاما الحكم الّذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ * فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية فتحاكموا الى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال بما حكم لكم نبي الله فقالوا بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت الا بتسليم الغنم الى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى
[ ٢ / ٢٦ ]
يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه الى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به وقريب من هذا ما ثبت
في الصحيحين من حديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الأخر فقالت الكبرى انما ذهب بابنك وقالت الصغرى بل انما ذهب بابنك فتحاكمتا الى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم ولكن ما قاله سليمان أرجح ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ * وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾.
ثم قال ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ * وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾.
وقال في سورة ص ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ * هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجرى بأمره رخاء ﴿حَيْثُ أَصابَ﴾ أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسمع جميع ما يحتاج اليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الانس والجان وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به فان أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر مسيرة شهر فيقيم هناك الى آخر النهار * ثم يروح من آخره فترده الى بيت المقدس كما قال تعالى ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.
قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر قلت قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال.
[ ٢ / ٢٧ ]
وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد هو النحاس قال قتادة وكانت باليمن أنبعها الله له قال السدي ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج اليه للبنايات وغيرها وقوله ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾. قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الّذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى.
تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي يفهق وأما القدور الراسيات فقال عكرمة أثافيها منها يعنى أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان الى الخلق من إنسان وجان قال تعالى ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال تعالى ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ يعنى أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلي وغير ذلك مما لا يوجد الا هنالك وقوله ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الّذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم يكن أيضا لمن كان قبله وقد
قال البخاري ثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إن عفريتا من الجن تفلت على البارحة ليقطع على صلاتي فأمكننى الله منه فأخذته فأردت أن أربطه الى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا اليه كلكم فذكرت دعوة أخى سليمان ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئا). وكذا
رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة وقال مسلم حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال قام رسول الله ﷺ فصلى فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة.
وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به.
وقال احمد حدثنا أبو احمد حدثنا مرة بن معبد ثنا أبو عبيد
[ ٢ / ٢٨ ]
حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلى فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة.
فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. روى أبو داود منه فمن استطاع الى آخره عن احمد بن سريج عن احمد الزبيري به * وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة بمهور وثلاثمائة سراري وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا
قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا الا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي ﷺ لو قالها لجاهدوا في سبيل الله * وقال شعيب وابن أبى الزناد تسعين وهو أصح تفرد به البخاري من هذا الوجه
وقال أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا يزيد أنبانا هشام بن حسان عن محمد عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ﷿. إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الامام احمد حدثنا هشيم ثنا هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن فما ولدت الا واحدة منهن بشق إنسان قال قال رسول الله ﷺ لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله ﷿ تفرد به احمد أيضا.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال ونسي أن يقول إن شاء الله فاطاف بهن قال فلم تلد منهن امرأة الا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله ﷺ لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله.
وقال إسحاق بن بشر أنبأنا مقاتل عن أبى الزناد وابن أبى الزناد عن أبيه عن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن سليمان بن داود كان له اربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يستثن فطاف عليهنّ فلم تحمل واحدة منهن
[ ٢ / ٢٩ ]
الا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي ﷺ والّذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله ﷿. وهذا اسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر فإنه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح. وقد كان له ﵇ من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه واسداه من النعم الكاملة العظيمة اليه قال ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي أعط من شئت وأحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت فان الله قد سوغ لك كلما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك وهذا شان النبي الملك بخلاف العبد الرسول فان من شأنه أن لا يعطى أحدا ولا يمنع أحدا إلا باذن الله له في ذلك وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا. وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فاشار اليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته الى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فلله الحمد والمنة.
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقربة التي تقربه اليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.