قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ. وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ * قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا﴾
[ ١ / ١٨٣ ]
فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ * وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾. وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
﴿* قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
﴿* وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ * قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ * قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا. ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم. ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ * قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط. وكانوا بعدهم بمدة قريبة. ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة
[ ١ / ١٨٤ ]
وهم من بنى مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (^١) بن يشجن (^٢) ذكره ابن إسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (^٣) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوى بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا (^٤) بن مدين بن إبراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (^٥) بن ثابت بن مدين بن إبراهيم وقيل غير ذلك في نسبه.
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم (^٦) يوم أحرق بالنار وهاجرا معه الى الشام فزوجهما بنتي لوط ﵇. ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وانتسب الى عنزة فقال نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم شعيب وأختان (^٧) موسى فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فان هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم.
وفي حديث أبى ذر الّذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال (أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر) وكان بعض السلف يسمى شعيبا خطيب الأنبياء يعنى لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه الى الايمان برسالته * وقد
روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبا قال (ذاك خطيب الأنبياء) وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوإ الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب ﵇ فدعاهم الى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد.
وهو الولي الحميد. كما قال تعالى ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا. قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وانه أرسلنى وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا
_________________
(١) وفي الطبري ميكائيل
(٢) في نسخة يشخر
(٣) في نسخة يثرون كما في الطبري
(٤) في الطبري عنقا
(٥) في نسخة صيغور وفي الطبري صيفون
(٦) عبارة الطبري وانما هو من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه الى الشام
(٧) قوله واختان موسى كذا بالأصول والّذي في الاستيعاب وأحبار موسى محمود الامام
[ ١ / ١٨٥ ]
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعنى يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم اليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الأخرى ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة فنهاهم أولا عن تعاطى ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف. ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ قال ابن عباس والحسن البصري ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال وقد روى هذا عن ابن عباس وهذا الّذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعنى ان القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فان الحلال مبارك وان قل والحرام ممحوق وان كثر كما قال تعالى ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾
وقال رسول الله ﷺ (ان الربا وان كثر فان مصيره الى قل) رواه أحمد أي الى قلة
وقال رسول الله ﷺ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وان قل والحرام لا يجدي وان كثر ولهذا قال نبي الله شعيب ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لأراكم انا وغيري ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلوتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد الا إلهك
[ ١ / ١٨٦ ]
ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون أو أن لا نتعامل الا على الوجه الّذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وان كنا نحن نرضاها ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون ابن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هذا تلطف معهم في العبارة ودعوة لهم الى الحق بابين اشارة يقول لهم أرأيتم أيها المكذبون ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلنى إليكم ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يعنى النبوة والرسالة يعنى وعمى عليكم معرفتها فأى حيلة لي بكم. وهذا كما تقدم عن نوح ﵇ أنه قال لقومه سواء وقوله ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي لست آمركم بالأمر الا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشيء فانا أول من يتركه وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وذكر عندها
في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه أي تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه * وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء فاما السادة من النجباء والألباء من العلماء الذين يخشون ربهم بالغيب فحالهم كما قال نبي الله شعيب ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد في جميع أمرى إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ أي في جميع أحوالى ﴿إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي عليه أتوكل في سائر الأمور واليه مرجعي ومصيري في كل أمرى وهذا مقام ترغيب.
ثم انتقل الى نوع من الترهيب فقال ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين. وقوله ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان. وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات. والجمع بين هذه الأقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا﴾
[ ١ / ١٨٧ ]
إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب اليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ روى عن ابن عباس وسعيد ابن جبير والثوري انهم قالوا كان ضرير البصر * وقد روى في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمى فرد الله عليه بصره. وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك الى الجنة فقال بل من محبتك فإذا نظرت إليك فلا أبالى ماذا يصنع بى فأوحى الله اليه هنيئا لك يا شعيب لقانى فلذلك أخدمتك موسى ابن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبى الفتح محمد بن على الكوفي عن على بن الحسن بن بندار عن أبى عبد الله محمد بن إسحاق التربلى (^١) عن هشام بن عمار عن إسماعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد عن شداد بن أمين عن النبي ﷺ بنحوه وهو غريب جدا وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أي ما نفهمه ولا نتعقله لأنا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة اليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله ﷺ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ وقولهم ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ أي مضطهدا مهجورا ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي قبيلتك وعشيرتك فينا ﴿لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ * قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونى بسببهم ولا تخافون جنبة الله ولا تراعونى لانى رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله ﴿وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي جانب الله وراء ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون اليه ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ وهذا أمر تهديد شديد ووعيدا كيد بان يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار. ومن يحل عليه الهلاك والبوار ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي في هذه الحياة الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي في الأخرى ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ اى منى ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر ﴿وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ وهذا كقوله ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ * قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ﴾
_________________
(١) قوله التربلى وفي نسخة الرمليّ فليحرر محمود الامام
[ ١ / ١٨٨ ]
﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم الى ملتهم فانتصب شعيب للمحلجة عن قومه فقال ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وانما يعودون اليه إن عادوا اضطرارا مكرهين وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لأحد منه. ولهذا قال ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي فهو كافينا وهو العاصم لنا واليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قوله واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه اليهم فقال ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ أي الحاكمين) فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه وبرسوله خالفوه. ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون. وبه متلبسون ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ قال الله تعالى. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات. ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الأعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ فقابل الارجفاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السباق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم ﴿الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح الّذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم. وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة. وكان ذلك إجابة لما طلبوا. وتقريبا الى ما اليه رغبوا. فإنهم قالوا ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قال الله تعالى وهو السميع العليم ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف وإنما
[ ١ / ١٨٩ ]
عمدتهم شيئان أحدهما أنه قال ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل أخوهم كما قال والى مدين أخاهم شعيبا. والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الأول أنه لم يذكر الإخوة بعد قوله ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ لانه وصفهم بعبادة الأيكة فلا يناسب ذكر الإخوة هاهنا ولما نسبهم الى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما احتجاجهم بيوم الظلة فان كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على انهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن * فأما الحديث الّذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب ﵇ من طريق محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله ابن عمرو مرفوعا (إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي ﵇ فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بنى إسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة اهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب. وقوله ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهوا عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب فهربوا من محلتهم الى البرية فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة من السماء فازهقت الأرواح وخربت الأشباح ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾. ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين) كما قال تعالى وهو أصدق القائلين ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾.
﴿* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقال تعالى ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ وهذا في مقابلة قولهم ﴿لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم الى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت ما كان واجبا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل اليه فلم
[ ١ / ١٩٠ ]
ينفعكم ذلك لأن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون اليه ولا تلتفون اليه فحل بهم من بأس الله الّذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لأحد أريد به عنه ولا مناص منه * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا ﵇ كان بعد يوسف ﵇. وعن وهب بن منبه أن شعيبا ﵇ مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بنى سهم