قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا * قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا * فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها. قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قال بعض أهل الكتاب إن موسى هذا الّذي رحل الى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي. ويقال إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار * والصحيح الّذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بنى إسرائيل.
قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمر بن دينار أخبرنى سعيد بن
[ ١ / ٢٩٥ ]
جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بنى إسرائيل. قال ابن عباس كذب عدو الله. حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إن موسى قام خطيبا في بنى إسرائيل فسئل اى الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم اليه فأوحى الله اليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى يا رب وكيف لي به. قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا. وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الّذي أمره الله به قال له فتاه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا ﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا الى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وانى بأرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه فقال ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر ﴿فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلمهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول. فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت الى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال وقال رسول الله ﷺ وكانت الاولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله الا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال وهذه أشد من الأولى ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال مائل فقال الخضر بيده ﴿فَأَقامَهُ﴾ فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطمعونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾
[ ١ / ٢٩٦ ]
ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قال رسول الله ﷺ وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة ﴿غَصْبًا﴾ وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين.» ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة باسناده نحوه. وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا الى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل ودخل البحر فلما استيقظ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا﴾ وساق الحديث وقال ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث.
وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرنى يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه. وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال سلوني فقلت أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاصّ يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بنى إسرائيل أما عمرو فقال لي قال قد كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس حدثني أبى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ موسى رسول الله قال ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله * قيل بلى قال أي رب فأين قال بمجمع البحرين قال أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمرو قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح فاخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ يوشع بين نون. ليست عن سعيد ابن جبير قال فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائم فقال فتاه لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرّب الحوت حتى دخل البحر فامسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو هكذا كان أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليان ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال لي عثمان بن أبى سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرض من سلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قال أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فاخذ طائر بمنقاره من البحر فقال والله ما علمي وعلمك
[ ١ / ٢٩٧ ]
في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر ﴿حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ﴾ وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصالح. قال فقلنا لسعيد (خضر) قال نعم. لا نحمله بأجر ﴿خَرَقَها﴾ ووتد فيها وتدا قال موسى ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد منكرا ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ﴿قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالخبث * ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا فانطلقا ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ﴾ قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أن سعيدا قال فمسحه بيده فاستقام ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال سعيد أجرا نأكله ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ﴾ وكان امامهم قرأها ابن عباس أمامهم. ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون جيسور ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار «كان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا» أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً﴾ لقوله أقتلت نفسا زكية ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما به أرحم منهما بالأول الّذي قتل خضر * وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية وأما داود بن أبى عاصم فقال عن غير واحد إنها جارية * وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى بنى إسرائيل فقال ما أحد أعلم بالله وبأمره منى فأمر أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن رسول الله ﷺ كنحو ما تقدم أيضا ورواه العوفيّ عنه موقوفا * وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبى بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الّذي سأل السبيل إلى لقيه فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا قال نعم وذكر الحديث وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد. وقوله ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال السهيليّ وهما أصرم وصريم ابنا كاشح. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قيل كان ذهبا قاله عكرمة وقيل علما قاله ابن عباس والأشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه علم قال البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا بشر ابن المنذر حدثنا الحرث بن عبد الله اليحصبى عن عياش بن عباس الغساني عن بن حجيرة عن أبى ذر رفعه قال إن الكنز الّذي ذكر الله في كتابه لوح من الذهب مصمت. عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب وعجبت
[ ١ / ٢٩٨ ]
لمن ذكر النار لم ضحك وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا الله. وهكذا روى عن الحسن البصري وعمر مولى عفرة وجعفر الصادق نحو هذا وقوله ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا﴾ وقد قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر. وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فالله المستعان. وقوله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ دليل على أنه كان نبيا وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي وقيل رسول وقيل ولى واغرب من هذا من قال كان ملكا قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون وقيل إنه ابن ضحاك الّذي ملك الدنيا ألف سنة. قال ابن جرير والّذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين الّذي قيل إنه كان أفريدون وذو الفرس هو الّذي كان في زمن الخليل. وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باق الى الآن. وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من ارض بابل وقيل اسمه ملكان وقيل أرميا بن خلقيا وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب قال ابن جرير والصحيح أنه كان في زمن أفريدون واستمر حيا إلى أن أدركه موسى ﵇ وكانت نبوة موسى في زمن منو شهر الّذي هو من ولد إيرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس وكان اليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقانا وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة ويقال انه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ويحير السامع وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل. والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ الآية فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره فلو كان الخضر حيا في زمانه لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة وقصارى الخضر ﵇ أن يكون نبيا وهو الحق أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر وأيا ما كان فجبريل رئيس الملائكة وموسى أشرف من الخضر ولو كان حيا لوجب عليه الايمان بمحمد ونصرته فكيف ان كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا الى رسول الله ﷺ ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه وان كان الحاكم قد رواه فاسناده ضعيف والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا
[ ١ / ٢٩٩ ]