استُهِلَّت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها (^١).
وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول دارت (^٢) الدروس والوظائف التي أنشأها الأمير بيْبَرْسُ الجَاشَنُكِير المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدَّده من خرابه بالزلزلة التي طرقت ديار (^٣) مصر في آخر سنة ثنتين وسبعمئة، وجَعَلَ القُضاةَ الأربعة هم المدرسين للمذاهب، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ
_________________
(١) = تقلِّبني أيدي الغرامِ بلوعةٍ … أرى النَّار من تلقائها ليَ أبردا ومزّقَ صبري بعد جيران حاجزٍ … سعيرُ غرام باتَ في القلب موقدا فأمطرته دمعي لعلَّ زفيره … يقلُّ، فزادته الدموع توقُّدا فبتُّ بليلٍ نابغيّ ولا أرى … على النأي من بعد الأحبّة صُعّدا فيا لك من ليلٍ تباعد فجره … عليَّ إلى أن خِلته قد تخلّدا غرامًا ووجدًا لا يحدّ أقله … بأهيف معسولِ المراشف أغيدا له طلعة كالبدر زان جمالها … بطرّةِ شَعر حالك اللون أسودا يهزُّ من القدِّ الرشيق مثقَّفًا … ويشهرُ من جفنيه سيفًا مهنَّدا وفي وَردِ خديه وآس عذاره … وضوء ثناياه فنيت تجلُّدا غدا كلُّ حُسنٍ دونَهُ متقاصرًا … وأضحى له ربُّ الجمال موحّدا إذا ما رنا واهتزَّ عند لقائه … سباك، فلم تملك لسانًا ولا يدا وتسجد إجلالًا له وكرامةً … وتقسمُ قد أمسيتَ في الحسن أوحدا وربّ أخي كفرٍ تأمّلَ حسنه … فأسلم من إجلاله وتشهّدا وأنكر عيسى والصَّليبَ ومريمًا (*) … وأصبح يهوى بعد بغضٍ محمدا أيا كعبة الحُسن التي طاف حولها … فؤادي، أما للصدِّ عندك من فدا قِنعتُ بطيفٍ من خيالك طارق … وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا فقد شفّني شوقُ تجاوز حدّهُ … وحسبكَ من شوقٍ تجاوز واعتدا سألتك إلّا ما مررتَ بحيِّنا … بفضلك يا ربَّ الملاحةِ والنَّدا لعلَّ جفوني أن تغيض دموعها … ويسكن قلبٌ من هجرتَ فما هذا غلطتَ بهجراني ولو كنتَ صابيًا … لما صدّكَ الواشون عنّي ولا العِدَا وعدَّتها ثلاثة وعشرون بيتًا، والله يغفرُ له ما صنع من الشعر. (*) أراد بإنكار عيسى ومريم، إنكار الألوهيّة التي يدَّعيها بعض أهل الكتاب، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]. لا إنكار نُبوّة: لأنّ ذلك مستبعدٌ من عالمٍ مثله ﵀.
(٢) في ط: استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها.
(٣) في ب، ط: حضرت. تحريف.
(٤) في ب: كانت في أواخر سنة ثنتين وسبعمئة، وفي ط: طرأت على دياره.
[ ١٦ / ٤٤ ]
النحو أثير الدين أبا حيان (^١)، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشَّطَّنَوْفي (^٢)، وشيخ إفادة العلوم الشيخ علاء الدين القونوي (^٣).
وفي جُمادى الآخرة باشر الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الحجوبية مع الأمير سيف الدين بَكْتَمِر (^٤)، وصارا حاجبين كبيرين في دمشق.
وفي رجب منها حضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقًا كبيرًا متَّسعًا جدًّا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق. فتناهبه الناس من كل جانب وقطّعوه حتى لم يَدَعوا فيه شيئًا] (^٥)، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالًا جدًّا، وحَفّ شاربه المسبل على فمه المخالف للسُّنة، واستتابه من كلام الفحش وأكْلِ ما يغيِّر العقل من الحشيشة وغيرها.
وبعده استحضر الشيخ محمد الخبَّاز البلاسي فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات (^٦) ولا في غيرها بما لا علم له به.
وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد النارنج (^٧) وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تُزَار ويُنْذَر لها (^٨)، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، [فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه بابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالي، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه، كما سيأتي، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم] (^٩).
وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى بالمدرسة العادلية الكبيرة، وعملت التخوت
_________________
(١) هو: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف. سيأتي في وفيات سنة (٧٤٥ هـ).
(٢) هو: علي بن يوسف بن حريز اللخمي، عالم بالقراءات، من علماء الشافعية، توفي سنة (٧١٣ هـ) والشَّطَّنَوفي، بتشديد الطاء، نسبة إلى شَطَّنَوف، بلد بمصر، غاية النهاية (١/ ٥٨٥) والدرر (٣/ ١٤١) وياقوت ٣/ ٣٤٤.
(٣) هو: علي بن محمود بن حميد بن موسى، توفي سنة (٧٤٩ هـ). الدرر الكامنة (٣/ ١٢٦).
(٤) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٤ هـ).
(٥) ليست العبارة في ب.
(٦) في ب: المنامات. وهي الأفصح.
(٧) في ط: التاريخ. وهو تصحيف، ويعرف بمسجد الحجر أيضًا. الدارس (٢/ ٣٦١) وشذرات الذهب: (٦/ ٩).
(٨) في ب: وينذر لها بعض الجهلة من الناس.
(٩) ليست في ب.
[ ١٦ / ٤٥ ]
بعد ما جددت عمارة المدرسة، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها (^١)، وجاء المرسوم للشيخ برهان (^٢) الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل. وللشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني بنظر الخزانة فقبل وخلع عليه بطَرحه (^٣)، وحضر بها يوم الجمعة، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي الطيب (^٤)، توفي إلى رحمة الله.
وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف، وأخذوا خطوط العلماء في ذلك، وتكلموا مع نائب السلطنة، فلم يتفق ذلك، بل أشعلوا، وصُليت صلاة ليلة النصف أيضًا.
وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشي من مصر بوكالة بيت المال، ولبس الخلعة يوم الجمعة (^٥) سابع رمضان، وحضر عند ابن صَصْرَى بالشباك الكمالي (^٦).
وفي سابع شوال عُزل وزيرُ مصر ناصر الدين بن الشيخي، وقطع إقطاعه ورسم عليه، وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة. وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد بن عطايا وخلع عليه.
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل الشمس محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (^٧)، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور، وكان ممّن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي، فهرب الباجربقي إلى بلاد الشرق، فمكث بها مدة سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور، كما سيأتي.
وفي ذي القعدة كان نائب السّلطنة في الصيد، فقصدهم في الليل طائفةٌ من الأعراب، فقاتلهم الأمراء، فقتلوا من العرب نحو النّصف، وتوغَّل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادرَسَمِز (^٨) احتقارًا
_________________
(١) تقع العادلية الكبرى شمالي الجامع تجاه باب الظاهرية، يفصل بينهما الطريق، أنشأها نور الدين زنكي. انظر الدارس (١/ ٣٦٣).
(٢) كذا في ط، وهو الصواب، كما سيأتي ذكره في وفيات سنة (٧٢٩ هـ)، وفي الأصل وأ: جمال الدين، وفي ب: تاج الدين.
(٣) الفوات (٤/ ٨).
(٤) سيأتي في وفيات هذه السنة.
(٥) ليست في ط. وأحمد محمد الشريشي، سيأتي في وفيات سنة (٧١٨ هـ).
(٦) "الشباك الكمالي": بجامع دمشق، ويصلّي فيه نواب السلطان، والذي أحدثه قاضي القضاة كمال الدين الشَّهرزوري، ولّاه نور الدين الشهيد قضاء دمشق، توفي سنة (٥٧٢ هـ)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٤٤) والدارس (٢/ ٢٨٧).
(٧) "الباجربقي": نسبة إلى قرية (باجربق) من قرى بين النهرين، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٤ هـ). الدارس (٢/ ١٣).
(٨) في ط: تمر. وفي الأصل وأ: تمراز. وأثبتنا ما في الدرر (١/ ٤٩٧) والنجوم الزاهرة (٨/ ٢١٨) وفيه: سَمِز بفتح السين وكسر الميم. معناها: (السمين).
[ ١٦ / ٤٦ ]
بالعرب، فضربه واحدٌ منهم برمح فقتله، فكرَّت الأمراء عليهم فقتلوا منهم خلقًا أيضًا، وأخذوا واحدًا منهم زعموا أنّه هو الذي قتله، فصُلب تحت القلعة، ودفن الأمير المذكور بقبر الست.
وفي ذي القعدة تكلَّم الشيخ شمس الدين بن النقيب (^١) وجماعة من الفقهاء في الفتاوى الصادرة من الشيخ علاء الدين بن العطار (^٢) شيخ دار الحديث النورية والقوصيّة، وأنها مخالفة لمذهب الشافعي، وفيها تخبيط كثير، فتوهَّم من ذلك وراح إلى الحنفي فحقن دمه وأبقاه على وظائفه، ثم بلغ ذلك نائب السلطنة فأنكر على المنكرين عليه، ورسم عليهم، ثم اصطلحوا، ورسم نائب السلطنة أن لا تثار الفتن بين الفقهاء (^٣).
وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين (^٤) ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان (^٥)، فاستتابوا خلقًا منهم وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجَع مُؤَيدًا منصورًا.