استهلت والحكَّام هم المذكورون في التي قبلها، غير الوزير (^٣) بمصر فإنَّه عُزل ووُلّي سيف الدين بَكْتَمُر وزيرًا.
والنَّجم البصراوي عزل أيضًا بعز الدين بن القلانسي (^٤).
وقد انتقل الأَفْرَم من صرخد (^٥) إلى نيابة طرابلس.
وملك (^٦) حماة الملك المؤيَّد عماد الدين على قاعدة أسلافه.
وقد مات نائب حلب أَسَنْدَمِر وهي شاغرة عن نائب فيها، وأَرْغُون الدَّوادار الناصري قد وصل إلى دمشق لتسفير قَرَاسُنْقُر منها إلى حلَبَ، وإحضار سيف الدين كَرَاي إلى نيابة دمشق (^٧)، وغالب العساكر بحلبَ والأَعراب محدقة بأطراف البلاد، فخرج قَرَاسُنقُر المنصوري من دمشق في ثالث المحرم في جميع حواصله وحاشيته وأتباعه، وخرج الجيش لتوديعه، وسار معه أزغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير سيف الدين بهادر السنجري (^٨) أن يتكلم في أمور دمشق إلى أن يأتيها نائب، فحضر عنده الوزير والموقعون وباشر النيابة، وقويت شوكته (^٩) وقويت شوكة الوزير إلى أن ولّى ولايات عديدة، منها لابن أخيه عماد الدين نظر الأسرى (^١٠)، واستمر في يده.
وقَدِم نائب السلطنة سيف الدين كَرَاي المنصوري إلى دمشق نائبًا عليها في يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرّم وخرج الناس لتلقِّيه، وأوقدوا الشموع.
_________________
(١) هو: كفاية النبيه في شرح التنبيه في شرح فقه الشافعي.
(٢) وذكر صاحب النجوم، وكذلك صاحب الشذرات أيضًا: الطلب في شرح الوسيط وشرح الوسيط في الفقه أربعين مجلدًا.
(٣) هو: فخر الدين الخليلي.
(٤) بن، ليست في ط. وهو حمزة بن أسعد بن المظفر.
(٥) من صرخد، ليست في ط ولا أ.
(٦) في ط: ونائب حماة الملك المؤيد وأثبتنا ما في ب.
(٧) النجوم الزاهرة (٩/ ٢٧).
(٨) في الدرر الكامنة (١/ ٤٩٨) ولّي نيابة القلعة، وسقطت من ط. وفيه: بهادر الشجري توفي في سنة (٧٣٣ هـ).
(٩) ليست في ب.
(١٠) في ط: الأسرار. وهو تصحيف.
[ ١٦ / ٩٣ ]
وأُعيدت المقصورة إلى مكانها يوم الأحد (^١) رابع عشرين المحرم، وانفرج الناس، ولبس النجم البصراوي خلعة الإمرة يوم الخميس ثالث عشر صفر على قاعدة الوزراء بالطرحة، وركب مع المقدّمين الكبار وهو أمير عشرة بإقطاع يضاهي إقطاع كبار الطبلخانات.
وفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول جلس القضاة الأربعة بالجامع لإنفاذ أمر الشهود بسبب تزوير وقع من بعضهم، فاطلع عليه نائب السلطنة فغضب وأمر بذلك، فلم يكن منه كبير شيء، ولم يتغير حال.
وفي هذا اليوم ولّي الشريف نقيب الأشراف أمين الدين جعفر بن (^٢) محيي الدين عدنان نظر الدواوين عوضًا عن شهاب الدين الواسطي، وأعيد تقي الدين بن الزَّكي (^٣) إلى مشيخة الشُّيوخ.
وفيه ولي ابن جماعة تدريس الناصرية بالقاهرة، وضياء الدين النشائي (^٤) تدريس الشافعي، والميعاد العام بجامع ابن طولون، ونظر الأحباس أيضًا.
وولي الوزارة بمصر أمين الملك أبو سعيد عوضًا عن الأمير سيف الدين بَكْتَمر الحاجب في ربيع الآخر (^٥).
وفي هذا الشهر احتيط على الوزير عز الدين بن القلانسي بدمشق، ورسم عليه مدة شهرين، وكان نائب السلطنة كثير الحَنَق عليه، ثم أُفرج عنه.
وأعيد بدر الدين بن جماعة إلى الحكم بديار مصر في حادي عشرين ربيع الآخر، مع تدريس دار الحديث الكاملية، وجامع طولون والصَّالحية والناصرية، وحصل (^٦) له إقبال كثير من السلطان.
واستقر جمال الدين الزَّرعي على قضاء العسكر وتدريس جامع الحاكم، ورسم له أن يجلس مع القضاة بين الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان (^٧).
وفي مستهل جُمادى الأولى أشهد القاضي نجم الدين الدمشقي (^٨) نائب ابن صَصْرَى على نفسه بالحكم ببطلان البيع في الملك الذي اشتراه (^٩) عز الدين بن القلانسي من تَرِكَةِ المنصوري في الرمثا (^١٠)
_________________
(١) في ب: مقصورة الخطابة.
(٢) في ط: جعفر بن محمد بن محيي الدين، وكذلك هو في الدرر الكامنة (١/ ٥١٧). وقد توفي سنة (٧١٤ هـ).
(٣) هو: عبد الكريم بن يحيى بن محمد بن الزكي. توفي سنة (٧٤٧ هـ).
(٤) في آوط: النسائي. وأثبتنا ما في الأصل وب.
(٥) في سابع عشر جُمادى الأولى في النجوم الزاهرة (٩/ ٢٨).
(٦) في ط: جعل. وهو تحريف.
(٧) الدرر الكامنة (٢/ ١٦٠).
(٨) هو: أحمد بن عبد المحسن بن معالي، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٦ هـ).
(٩) في ب: الرئيس عز الدين.
(١٠) بلدة معروفة، على الحدود السورية الأردنية، من بلاد الشام.
[ ١٦ / ٩٤ ]
والثُّوجَة (^١) والفضالية (^٢) لكونه بدون ثمن المثل، ونفذه بقية الحكام، وأحضر ابن القلانسي إلى دار السعادة وادعى عليه بريع ذلك، ورسم عليه بها، ثم حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بصحة هذا البيع وبنقض ما حكم به الدمشقي، ثم نفّذ بقية الحكام ما حكم به الحنبلي. وفي هذا الشهر قُرِّر على أهل دمشق ألف وخمسمئة فارس لكل فارس خمسمئة درهم، وضربت على الأملاك والأوقاف، فتألم الناس من ذلك تألمًا عظيمًا، وسُعِيَ إلى الخطيب جلال الدين فسعى إلى القضاة واجتمع النَّاس بكرة يوم الإثنين ثالث عشر الشهر واختلفوا (^٣) بالاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفية، ووقفوا في الموكب، فلما رآهم كَرَاي تغيظ عليهم، وشتم القاضي (^٤) والخطيب (^٥)، وضرب مجد الدين التونسي (^٦) ورسم عليهم ثم أطلقهم بضمان وكفالة، فتألم الناس من ذلك كثيرًا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام فجاءه الأمرُ فجأةً فعُزِلَ وحُبِس، ففرح النَّاسُ بذلك فرحًا شديدًا (^٧)، ويقال: إن الشيخ تقي الدين بلغه ذلك الخبر عن أهل الشام فأخبر السلطان بذلك فبعث من فوره فمسكه شر مسكة (^٨).
وصفة مسكه أنه قدم الأمير سيف الدين أَرْغُون الدوادار فنزل في القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى خلع على الأمير سيف الدين كرَاي خِلعة سنية، فلبسها وقبَّل العتبة، وحضر الموكب ومدَّ السِّماط، فقُيِّدَ بحضرة الأمراء وحُمِل على البريد إلى الكَرَك صُحْبَة غرلو العادلي، وبيبرس المجنون (^٩).
وخرج عز الدين بن القلانسي من التّرسيم من دار السعادة، فصلى في الجامع الظهر ثم عاد إلى داره، وقد أُوقدت له الشموع، ودعا له الناس، ثم رجع إلى دار الحديث الأشرفية فجلس فيها نحوًا من عشرين يومًا، حتى قدم الأمير جمال الدين نائب الكرك.
_________________
(١) الثُّوجة وتعرف اليوم بالصوجة بالصاد. وهي مزرعة تابعة لقطنا، من ريف دمشق.
(٢) في ط: الفصالية بالصاد، وهي مزرعة معروفة في أول المرج. الدارس (٢/ ٣٦٧)
(٣) في ب وط: احتفلوا. تحريف
(٤) يعني: ابن صَصْرَى.
(٥) يعني: جلال الدين القزويني
(٦) هو: أبو بكر بن محمد بن قاسم، ذكر من قبل، وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨ هـ).
(٧) الدارس (٢/ ٢٩٧)
(٨) ليست في ب
(٩) الدرر الكامنة (٣/ ٢٦٧) وبدائع الزهور (١/ ٤٤٠). وكان مسكه في الثالث والعشرين من جمادى الأولى. وغرلو: هو نائب دمشق لكتبغا كما سيأتي في وفيات سنة (٧١٩ هـ).
[ ١٦ / ٩٥ ]
وفي هذا الشهر مسك نائب صفد (^١) الأمير سيف الدين قُطلُوبَك وقيد وحمل إلى الكرك، ومسك نائب مصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير خازندار وعوض عنه بالأمير ركن الدين (^٢) بَيْبَرْس الدوادار المنصوري.
ومسك نائب غزة، وعوض عنه بالجاولي (^٣)، فاجتمع في حبس الكَرَك أَسَنْدَمُر نائب حلب، وبكْتَمُر نائب مصر، وكَرَاي نائب دمشق، وقُطلُوبك نائب صفد، وقطلُتمِر (^٤) نائب غزة وبَتْخَاص (^٥).
وقدم جمال الدين أقوش المنصوري الذي كان نائب الكَرَك على نيابة دمشق إليها في يوم الأربعاء رابع عشرربيع الآخر، وتلقاه الناسُ وأُشعلت له الشموع، وفي صحبته الخطيري (^٦) لتقريره في النيابة، وقد باشر نيابة الكرك من سنة تسعين وستمئة إلى سنة تسع وسبعمئة وله بها آثار حسنة، وخرج عز الدين بن القلانسي لتلقي النائب.
وقُرئ يومَ الجمعة كتابُ السُّلطان على السدة بحضرة النائب والقضاة والأعيان، وفيه الأمر بالإحسان إلى الرعية وإطلاق البواقي التي كانت قد فرضت عليهم أيام كرَاي، فكثرت الأدعية للسلطان وفرح الناس.
وفي يوم الإثنين التاسع عشر خلع على الأمير سيف الدين بَهَادُرآص بنيابة صفد (^٧) فقبل العتبة، وسار إليها يوم الثلاثاء.
وفيه لبس الصدر بدر الدين بن أبي الفوارس خِلعة نظر الدواوين بدمشق، مشاركًا للشريف ابن عدنان وبعد ذلك بيومين قدمَ تقليد عز الدين بن القلانسي بوكالة السلطان على ما كان عليه، وأنه أُعفي عن الوزارة لكراهته لذلك.
وفي رجب باشر ابن السلعوس نظر الأوقاف عوضًا عن شمس الدين غربال (^٨).
_________________
(١) في الأصل وط: صفت وهو توهُّم. لأن صَفَت: هي قرية في جوف مصر قرب بلبيس يقال: بها بيعت البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها. ياقوت (٣/ ٤١٢). والأشبه ما أثبتناه.
(٢) العبارة في ط مضطربة وهي فيها: الأمير سيف الدين بكتمر وعوض عنه بالكرك بيبرس الدوادار المنصوري. حيث سقط سطر كامل. وما أثبتناه الأصل وهو موافق لما في: النجوم الزاهرة (٩/ ٣٠) وبدائع الزهور (١/ ٤٤٠).
(٣) هو: علم الدين سنجر الجاولي. وسيأتي في وفيات سنة (٧٤٥ هـ).
(٤) في ط: قطلتمز بالزاي، وهو تحريف. وفي أ وب: قلطتمر وهو تصحيف.
(٥) في ط: بنحاص. وما في الدرر الكامنة (١/ ٤٧٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢٥) موافق لما أثبتناه. وقد توفي مع أسندمر في السجن سنة (٧١١ هـ).
(٦) هو: الأمير أيدمر الخطيري.
(٧) عوضًا عن قُطُلُوبك. وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٠ هـ).
(٨) في أوب: ابن عدنان، تحريف.
[ ١٦ / ٩٦ ]
وفي شعبان ركب نائب السلطنة (^١) بنفسه إلى أبواب السُّجون، فأطلق المحبوسين بنفسه، فتضاعَفَتْ له الأدعية في الأسواق وغيرها.
وفي هذا اليوم قدم الصاحب عز الدين بن القلانسي من مصر فاجتمع بالنائب وخلع عليه، ومعه كتاب يتضمن احترامه، وإكرامه، واستمراره على وكالة السُّلطان، ونظر الخاص، والإنكار لما ثَبَتَ عليه بدمشق، وأنَّ السلطان لم يعلم بذلك ولا وَكَّل فيه، وكان المساعد له على ذلك كريم الدين ناظر الخاص السلطاني، والأمير سيف الدين أَرْغُون الدوادار (^٢).
وفي شعبان منع ابن صَصْرَى الشهود والعقاد من جهته، وامتنع غيرهم أيضًا وردهم المالكي (^٣). وفي رمضان جاء البريد بتولية زين الدين كَتْبُغَا المنصوري حجوبية الحجاب، والأمير بدر الدين بكتُوت (^٤) القَرَماني شدَّ الدّواوين عوضًا عن طُوْغَان (^٥)، وخلع عليهما معًا.
وفيها ركب بهادر السنجري نائب قلعة دمشق على البريد إلى مصر وتولاها سيفُ الدِّين بَلَبَان البدري، ثم عاد السِّنْجَري في آخر الشهر (^٦) على نيابة البيرة، فسار إليها.
وجاء الخبر في آخر رمضان (^٧) بأنه قد احتيط على جماعة من قصاد المسلمين ببغداد، فقتل منهم ابن العقاب وابن البدري (^٨)، وتخلّص عُبيدة وجاء سالمًا.
وخرج المحْمَلَ في شوال وأمير الحاج الأمير علاء الدين طَيْبُغَا أَخو بَهَادُرآص.
وفي عاشر (^٩) ذي القعدة جاء الخبر بأن الأمير قَرَاسُنقُر رجع من طريق الحجاز بعد أن وصل إلى بركة زيزاء (^١٠)، وأنه لحق بمهَنَّا بن عيسى، فاستجار به خائفًا على نفسه ومعه جماعةٌ من خواصه، ثم سار من
_________________
(١) في ب: جمال الدين الأفرم.
(٢) الدرر الكامنة (٢/ ٧٥).
(٣) ليست في ب.
(٤) في ط: ملتوبات وهو تصحيف.
(٥) هو: طوغان المنصوري، وهو ممَّن مسك هذا العام. الدرر الكامنة (٢/ ٢٢٨).
(٦) في ط: النَّهار. وهو وهم.
(٧) سقط من ط.
(٨) في ط: ابن البدر.
(٩) في الأصل وأ وط: آخر، وفي ب: عاشر، وهو الصواب، لأن التسلسل الزمني يقتضيه، وخروجه من حلب كان في منتصف شوّال متجهًا إلى مهنا.
(١٠) في ط: زيرا بالراء والقصر، وهي من قرى البلقاء، يطؤها الحجاج، ويقام لهم بها أسواق، وفيها بركة عظيمة ياقوت (٣/ ١٦٣)، وكذلك في النجوم الزاهرة (٩/ ٣١).
[ ١٦ / ٩٧ ]
هناك إلى التتر بعد ذلك كله، وصحبَهُ الأَفْرَمُ (^١) والزَّرَدْكَاسُ (^٢).
وفي العشرين من ذي القعدة وصل الأمير سيف الدين أَرْغُون في خمسة آلاف إلى دمشق وتوجهوا إلى ناحية حمص، وتلك النواحي.
وفي سابع ذي الحجّة وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّريشي من مصر مستمرًا على وكالته (^٣)، ومعه توقيع بقضاء العسكر الشامي، وخُلِعَ عليه في يوم عَرَفَةَ (^٤).
وفي هذا اليوم وصلت ثلاثة آلاف عليهم سيف الدين ملِّي (^٥) من الديار المصرية فتوجهوا وراء أصحابهم إلى البلاد الشمالية.
وفي آخر الشهر وصل الشيخ (^٦) شهاب الدين الكاشغري (^٧) من القاهرة ومعه توقيع بمشيخة الشيوخ، فنزل في الخانقاه، وباشرها بحضرة القُضاة والأعيان، وانفصل ابن الزَّكي عنها.
وفيه باشر الصَّدْرُ علاء الدين بن تاج الدين بن الأثير (^٨) كتابة السرّ بمصر، وعزل عنها شرف الدين بن فضل الله إلى كتابة السرّ بدمشقَ، عوضًا عن أخيه محيي الدين، واستمر محيي الدين على كتابة الدست بمعلومه أيضًا. والله أعلم.