استُهِلَّت والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها، والأمير سيف الدين سلّار (^١) بالشام، والأفرم نائب دمشق (^٢).
وفي أولها عُزل الأمير قَطْلُبَك (^٣) عن نيابة البلاد السّاحلية، وتولّاها الأمير سيف الدين أَسَنْدَمِر (^٤).
وعزل عن وزارة مصر شمس الدين الأعسر (^٥).
وتولّى سيف الدين آقجِبَا المنصوري (^٦) نيابة غزَّة، وجعل عوضه بالقلعة الأمير سيف الدين بهادر السَّنُجري (^٧)، وهو من البرجيَّة.
وفي صفر: رجعت رسل ملك التتر من مصرَ إلى دمشقَ فتلقّاهم نائبُ السلطنة والجيشُ والعامة.
وفي نصف صفر ولي تدريس النورية (^٨) الشيخ صدر الدين علي البُصراوي الحنفي عوضًا عن الشيخ ولي الدين السمرقندي، وإنما كان وَلِيَها ستةَ أيام، ودرَّس بها أربعة دروس بعد بني الصدر سليمان، الذي توفي، وكان من كبار الصالحين، يصلّي كل يوم مئة ركعة.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جَماعة بالخانقاه السُّميساطية (^٩) شيخ الشيوخ بها عن طلب الصوفية له في ذلك (^١٠)، ورغبتهم فيه، وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه الحمويّ (^١١). وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله، ولم تجتمع هذه المناصب
_________________
(١) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٠ هـ.
(٢) في ب، وط: ونائب دمشق الأفرم. وهو جمال الدين أقوش، وستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٩ هـ.
(٣) أحد مماليك المنصور، ولي عدّة مناصب، ثم سُجنَ بأَخَرة وقتل سنة ٧١٦ هـ ترجمته في الدرر الكامنة: (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٤) سيأتي في وفيات سنة ٧١١ هـ.
(٥) هو سنقر المنصوري، أحد الأمراء المماليك، وستأتي ترجمته في وفيات ٧٠٩ هـ.
(٦) ولي غزة نقلًا من الأستادارية بدمشق، توفي سنة ٧١٠ هـ الدُّرر الكامنة (١/ ٣٩٣).
(٧) في ط، السيجري، وفي الدرر الكامنة (١/ ٤٩٨): الشجري، وهو تصحيف، توفي سنة ٧٣٣ هـ.
(٨) "النورية": هي المدرسة النورية الكبرى، أنشأها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ولا تزال عامرة إلى أيامنا في سوق الخياطين في دمشق. الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٦٥١).
(٩) "السُّمَيْسَاطِيَّة": بمهملات مصغرة، نسبة للسُّمَيْساطي أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي الحبشي. الدارس (٢/ ١٥٦).
(١٠) في ط: بذلك.
(١١) هو: يوسف بن أبي بكر بن محمد بن عثمان. الدرر (٤/ ٤٨٢).
[ ١٦ / ١٩ ]
قبله لغيره (^١)، ولا بلغنا أنّها اجتمعت لأحد بعده إلى زماننا هذا: القضاءُ والخَطابةُ ومَشْيَخَةُ الشُّيوخ (^٢).
وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول قُتِلَ الفَتْحُ أحمد بن البَقَقِي (^٣) بالدِّيار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقُّصه (^٤) للشريعة المطهّرة، واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض. يُذكر عنه أنّه كان يُحِلُّ المحرّمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع به (^٥) من الفَسَقة من التُّرك وغيرهم من الجهلة. هذا وقد كان له فضيلة وله اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر، وبِزَّته ولبسته جيدة، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكامِلية (^٦) بين القَصْرَيْن استغاث (^٧) بالقاضي تقي الدين بن دقيق العيد وقال: ما تعرف مني؟ فقال: إنما (^٨) أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقَه. فضُرِب عُنقُه وطِيف برأسه في البلد، ونوديَ عليه: هذا جزاء من طعن في الله ورسوله.
قال البرزالي في "تاريخه" (^٩): وفي وسط شهر ربيع الأول ورد كتابٌ من بلاد حماةَ من جهة قاضيها يخبر فيه أَنّه وقع في هذه الأيام ببارِيْن (^١٠) من عمل حماة بَرَدٌ كِبار على صُور حيوانات مختلفة شتّى؛ سباعٍ وحَيّاتٍ وعقاربَ وطيورٍ ومَعَزٍ ونساءٍ، ورجالٍ في أوساطهم حَوَائص (^١١)، وأن ذلك ثبت
_________________
(١) في ط: لغيره قبله.
(٢) زاد الناسخ في المتن هنا قوله: قلت: قد اجتمعت بعد موت المؤلف لجماعة منهم برهان الدين بن جماعة، وبعده شرف الدين وعلاء الدين بن أبي البقاء، وشهاب الدين الباعوني، وقبله ابن القرشي شهاب الدين وشمس الدين الإخنائي، وشهاب الدين بن حجي، وغير هؤلاء تولَّوا هذه الوظائف على قاعدة بدر الدين بن جماعة. وكذلك في الدارس (٢/ ١٥٦).
(٣) في ط: "الثقفي"، محرف، وما أثبتناه هو الصواب، قيده الذهبي في المشتبه فقال: "البققي كثير، بالموحدة وقافين: مجد الدين. . . ابن البققي الحموي. . . ونسيبه فتح الدين أحمد بن البققي الذي قتل على الزندقة سنة ٧٠١" وينظر تبصير المنتبه لابن حجر ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وتوضيح ابن ناصر الدين ١ (بشار).
(٤) في ط: تنقيصه.
(٥) في ط: فيه.
(٦) "الكاملية": دار حديث في مصر بناها الملك الكامل الأيوبي، أبو المعالي مات سنة ٦٣٥ هـ، ترجمته في وفيات الأعيان (٥/ ٨١).
(٧) في: أ: استعان. وابن دقيق العيد ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٠٢ هـ.
(٨) ليست في: ط.
(٩) علم الدين البرزالي، هو القاسم بن محمد، نقل ابن كثير عنه تاريخه الذي ذيل به على تاريخ أبي شامة. وستأتي ترجمته في وفيات ٧٣٩ هـ، وتاريخه مخطوط، منه نسخة في إستانبول، وحقق القسم الثاني منه الدكتور معن سعدون العيفان، نال به رتبة الدكتوراه.
(١٠) قال ياقوت في معجمه ١/ ٤٦٥: والعامّةُ تقول: بعرين. مدينة حسنة بين حلب وحماة من جهة الغرب.
(١١) "الحوائص": ج حِيَاصة بالكسر، سَيْرٌ يشدُّ به حزام السَّرج، وقد استعمل في كل ما يَشُدُّ به الإنسان حَقْوَه. شاميّة. التاج (حوص).
[ ١٦ / ٢٠ ]
بمحضر عند قاضي الناحية، ثم نُقل ثبوتهُ إلى قاضي حماة.
وفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شُنِقَ الشيخُ علي الحوراني (^١) بوّاب الظاهرية على بابها، وذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدّين السَّمرقندي.
وفي النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جَماعة تدريس الناصرية الجوّانية عوضًا عن كمال الدين بن الشَّريشي (^٢)، وذلك أنّه ثبت محضر أنّها لقاضي الشافعية بدمشق، فانتزعها من يد ابن الشريشي.
وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن القلانسي (^٣) على أهله من بلاد التتر بعد الأسر (^٤) سنتين وأيامًا، وقد حبس مدَّةً ثم لطف الله به وتلطَّف حتى تخلّص منهم ورجع إلى أهله، ففرحوا به.
وفي سادس جمادى الآخرة قَدِم البريدُ من القاهرة، وأخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وأن ولده ولِيَ الخلافةَ من بعده، وهو أبو الربيع سليمان، ولقب بالمستكفي باللّه، وأنه حضر جنازته الناسُ كلُّهُم مُشاةً، ودُفن بالقرب من الست نفيسة، وله أربعون سنة في الخلافة.
وقدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين [بن] (^٥) الحريري الحنفي، ونظر الدواوين لشرف الدين بن مزهر (^٦).
واستمرت الخاتونية الجوانية (^٧) بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين بإذن نائب السلْطنة.
وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خُطب للخليفة المستكفي باللّه وتُرُحِّم على والده بجامع دمشق، وأعيدت الناصرية إلى ابن الشريشي. [وعزل عنها ابن جَماعة] (^٨) ودرَّس بها يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة.
وفي شوال قدم إلى الشام جَرادٌ عظيم أكل الزرع والثمار، وجرّد الأشجار حتى صارت مثل العِصِي: ولم يُعهَد مثل هذا.
وفي هذا الشهر عُقد مجلس لليهود الخيابرة وأُلزِموا بأداء الجزية أُسْوةَ أمثالِهم من اليهود، فأحضروا
_________________
(١) في ط: الحويزالي، وكذلك هو في الدارس: (١/ ٤٥٩).
(٢) سيأتي في وفيات سنة ٧١٨ هـ.
(٣) هو علي بن محمد بن محمد بن نصر الله. ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٣٦ هـ.
(٤) في ط: من التتر بعد أسر.
(٥) هو: قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان، وسيأتي في وفيات سنة ٧٢٨ هـ.
(٦) هو: يعقوب بن مظفر بن مزهر، وسيأتي في وفيات سنة ٧١٤ هـ.
(٧) مدرسة أنشأتها خاتون بنت معين الدين أنر، زوج نور الدين محمود بن زنكي. الدارس (١/ ٣٨٨) وما بعدها.
(٨) زيادة من ط.
[ ١٦ / ٢١ ]
كتابًا معهم يزعمون أنّه من رسول الله ﷺ بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبيَّنوا أنّه مكذوبٌ مفتعل لِمَا فيه من الألفاظ الركيكة، والتواريخ المخبطة، واللّحن الفاحش، وحاقَقَهُم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيَّنَ لهم خطأهم وكذبهم، وأنه مزوَّر مَكْذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تُستعاد منهم السِنُونَ (^١) الماضية.
قلت: وقد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفي سعدٌ قبل ذلك، وشهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك (^٢) بنحوٍ من سنتين: وفيه: (وكتب علي بن أبو طالب) وفيه (^٣) لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين علي، لأن علم النحو إنما أُسند إليه من طريق أبي الأسود الدؤلي عنه، وقد جمعت فيه جزءًا مفردًا، وذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماورْدي (^٤)، وكبار أصحابنا في ذلك العصر، وقد ذكره في "الحاوي" وصاحب "الشامل" (^٥) في كتابه، وغير واحد، وبيَّنوا خطأه ولله الحمدُ والمِنَّةُ.
وفي هذا الشهر ثار جماعة من الحَسَدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وشَكَوا منه أنه يقيم الحدود ويُعزِّر، ويَحلق رؤوس الصبيان، وتكلّم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيَّن خطأهم، ثم سكنت الأمور.
وفي ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أيامًا بسبب فتح أماكن من بلاد سِيْس (^٦) عَنْوة، فتحها المسلمون، ولله الحمد.
وفيه قدم عِزُّ الدين بن مبشر (^٧) على نظر الدواوين عوضًا عن ابن مزهر.
وفي يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديَّان (^٨) اليهود إلى دار العدل ومعه أولاده فأسلموا كلهم، فأكرمهم نائب السلطنة، وأمر أن يركب بخِلْعة وخلفه الدَّبَادِب (^٩) تضرب والبوقات إلى داره، وعمل ليلتئذ خَتْمة عظيمة حضرها القضاةُ والعلماء، وأسلم على يديه جماعة كبيرة من
_________________
(١) في ط: الشئون. وهو تصحيف.
(٢) سقطت من ط.
(٣) (أبو طالب) وهذا لحن.
(٤) هو القاضي علي بن محمد بن حبيب البصري توفي سنة (٤٥٠ هـ) في بغداد، ونسبته إلى ربيع الماورد، وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٢).
(٥) الحاوي للقاضي الماوردي المذكور، والشَّامل لأبي نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصبَّاغ، مات سنة (٤٧٧ هـ). انظر الوفيات (٣/ ٢١٧) وكشف الظنون (٢/ ١٠٢٥).
(٦) "سيس": أعظم مدن الثغور بين إنطاكية وطرسوس، ياقوت.
(٧) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٦ هـ. وهو في الدرر الميسر.
(٨) الديان: القائم بأمر دينهم.
(٩) "الدبادب": الطبول.
[ ١٦ / ٢٢ ]
اليهود، وخرجوا يوم العيد كلّهم يكبرون مع المسلمين، وأكرمهم الناس إكرامًا زائدًا.
وقدمت رُسُلُ ملِك التتار في سابع عشر ذي الحجة، فنزلوا بالقلعة، وسافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام. وبعد مسيرهم بيومين مات أرجواش (^١)، وبعد موته بيومين قَدِم الجيشُ من بلاد سِيْس وقد فتحوا جانبًا منها، فخرج نائب السلطنة والجيشُ لتلقِّيهم، وخرج الناس للفُرْجة على العادة، وفرحوا بقدومهم ونصرهم.