استهلَّت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وفي أوّل يوم منها فُتح حمَّامُ الزَّيت الذي في رأس درب الحجر، جدَّد عمارته رجلٌ سامري (^٣) بعد ما كان قد درس ودثر من زمان الخُوارزمية من نحو ثمانين سنة، وهو حمام جيد متسع.
وفي سادس المحرَّم وصلت هديَّةٌ من ملك التتار أبي سعيد إلى السلطان، صناديق وتُحف ورقيق (^٤).
وفي يوم عاشوراء خرج الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية من القلعة بمرسوم السُّلطان، وتوجه إلى داره، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا ﵀.
وفي رابع ربيع الآخر وصل إلى دمشق القاضي كريم الدين وكيل السلطان فنزل بدار السعادة، وقدم قاضي القضاة تقيُّ الدين بنُ عوض الحاكم الحنبلي بمصرَ وهو ناظر الخزانة أيضًا، فنزل بالعادلية الكبيرة (^٥) التي للشافعية، فأقام بها أيامًا، ثم توجه إلى مصر: جاء في بعض أشغال السلطان وزار القدس.
وفي هذا الشهر كان السلطان قد حفر بركة قريبًا من المَيْدان، وكان في جوارها كنيسة فأمر الوالي بهدمها، فلما هدمت تسلَّط الحرافيشُ وغيرهم على الكنائس بمصرَ يهدمون ما قدروا عليه، فانزعج
_________________
(١) ترجمته في فوات الوفيات (٣/ ٣٢٦) وفيه وفاته سنة (٧٢٢ هـ). والذيول (ص ١١٤) وبغية الوعاه (١/ ٨٤) وفيه وفاته سنة (٧٢٥ هـ) في شهر شعبان وهو توهم.
(٢) في ط: حسين.
(٣) في ط: ساوي.
(٤) في أ: "دقيق" ولا معنى لها، وما هنا من الأصل وط.
(٥) داخل دمشق، شمالي الجامع بغرب، وتجاه باب الظاهرية يفصل بينهما الطريق، الدارس (١/ ٣٥٩) قلت: وكانت تتخذ مبنى للمجمع العلمي العربي إلى عهد قريب.
[ ١٦ / ١٥٧ ]
السلطان من ذلك (^١) وسأل القضاةَ: ماذا يجب على من تعاطى ذلك منهم؟ فقالوا: يعزَّرُ، فأخرج جماعة من السجون ممَّن وجبَ عليه قتل (^٢) فقطع وصلب وحرم وخزم وعاقب، موهمًا أنه إنّما عاقب من تَعَاطى تخريب ذلك، فسكن الناس وأمنت النصارى وظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أيامًا.
وفيه ثارت الحرامية ببغداد ونهبوا سوقَ الثُّلاثاء وقت الظهر، فثار النَّاس وراءهم وقتلوا منهم قريبًا من
مئة وأسروا آخرين.
قال الشيخ علَم الدين البِرْزالي ومن خطِّه نقلتُ: وفي يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى خرج القضاة والأعيان والمفتون إلى القابون، ووقفوا على قِبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، وحرَّروا قِبلَته، واتَّفقوا على أن تكون مثل قِبلة جامع دمشق.
وفيه وقعت مراجعة بين (^٣) الأمير جُوبان (^٤) أحد المقدَّمين الكبار بدمشق، وبين نائب السلطنة تَنْكِز، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتين، ثم حُوّل إلى القاهرة فعوتب في ذلك، ثم أعطي خبزًا يليق به.
وذكر علم الدين أن في هذا الشهر وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة والأماكن المليحة المرتفعة، وبعض المساجد، وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك، وقنتوا في الصلوات، ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من فعل النصارى بسبب ما كان أُحرق (^٥) من كنائسهم وهدم، فقتل السُّلطان بعضَهم وألزم النصارى أن يلبسوا الزُّرقة على رؤوسهم وثيابهم كلها، وأن يحملوا الأجراس في الحمامات، وأن لا يُستخدموا في شيء من الجهات، فسكن الأمر وبَطَل الحريق (^٦).
وفي جُمادى الآخرة خرَّب ملك التتار أبو سعيد البَازَار (^٧) وزوَّج الخواطئ وأراق الخمور، وعاقب ذلك أشد العقوبة، وفرح المسلمون بذلك ودعَوا له ﵀ وسامحه.
وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أُقيمت الجمعة بمسجد القصب (^٨) وخطب به الشّيخ علي المناخلي.
_________________
(١) في ط: لذلك.
(٢) في ط: قتله.
(٣) في ط: من.
(٤) هو: جوبان المنصوري. ومات سنة (٧٢٨ هـ).
(٥) في ب: أخرب. تحريف.
(٦) الذيول (ص ١١٦) والنجوم الزاهرة (٩/ ٦٣).
(٧) يعني: بازار الفاحشة. . الذيول (ص ١١٦).
(٨) ويعرف بمسجد السادات. الدارس (٢/ ٤٣٠).
[ ١٦ / ١٥٨ ]
وفي يوم الخميس تاسعَ عشرَ جُمادى الآخرة فُتح الحمّام الذي أنشأه تَنْكِز تجاه جامعه، وأُكري في كل يوم بأربعين درهمًا لحسنه وكثرة ضوئه ورخامه.
وفي يوم السبت تاسعَ عشرَ رجب خربت كنيسة القرائيين التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة [عند الحكام] (^١) وجاءت المراسيم السلطانية بذلك.
وفي أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبي سعيد ملك التتار، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي، وفيها خمسون جملًا وخيول وحمار عتابي.
وفي منتصف رمضانَ أُقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون وخطب فيه الفقيه جمال الدين عبد الوهاب التركماني الحنفي إمام القابون (^٢) وشهدها يومئذ القُضَاة والصَّاحب وجماعةٌ من الأعيان.
قال الشيخ علَم الدين: وقدم دمشق الإمام قوام الدين كاتب ابن الأمير عمر بن العميد الأكفاني (^٣) القازاني، مدرّس مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد، في أول رمضان، وقد حج في هذه السنة وتوجه إلى مصر وأقام بها أشهرًا، ثم مر بدمشق متوجهًا إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية، وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه.
وخرج الرَّكب الشامي يوم الإثنين عاشر شوال وأميره شمس الدين حمزة التركماني (^٤)، وقاضيه نجم الدين الدمشقي (^٥). وفيها حجَّ تَنْكِرُ نائب الشام وفي صحبته جماعةٌ من أهله، وقدم من مصر الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب لينوب عنه إلى أن يرجع، فنزل بالنَّجيبية البرَّانية (^٦).
وممَّن حج فيها الخطيب جلال الدين القَزْويني، وعز الدين حمزة بن القلانسي، وابن العز شمس الدين الحنفي، وجلال الدين بن حسام الدين الحنفي، وبهاء الدين بن عليمة (^٧)، وعلم الدين البِرْزالي.
ودرَّس ابنُ جماعة بزاوية الشّافعي يوم الأربعاء ثامنَ عشرَ شوال عوضًا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري (^٨) لسوء تصرفه، وخُلع على ابن جماعة، وحضر عنده من الأعيان والعامة ما يُشَابهُ
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) زيادة من ب، الدارس (١/ ٥٠٦).
(٣) ليست في ب. والأتقاني: نسبة إلى بلدة اتقان. الدرر الكامنة (١/ ٤١٤). مات سنة (٧٥٨ هـ).
(٤) هو حمزة بن شريك التركماني، مات سنة (٧٣٣ هـ) الدرر الكامنة (٢/ ٧٦).
(٥) هو: أحمد بن عبد المحسن بن حسن بن معالي. سيأتي في وفيات (٧٢٦ هـ).
(٦) لصيق المدرسة النورية وضريح نور الدين الشهيد من جهة الشمال. الدارس (١/ ٤٦٨).
(٧) في الأصل وط: علية.
(٨) سيأتي في وفيات سنة (٧٤٩ هـ).
[ ١٦ / ١٥٩ ]