استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها.
وفي خامس المُحرّم توجه الأميرُ عز الدين أَزْدَمِرِ الزَّرَدْكَاش وأميران معه إلى الأفرم، وساروا بأجمعهم حتى لحقوا بَقَراسُنقُر وهو عند مهنَّا، وكاتبوا السلطان ثمّ ساروا نحو التتر (^١) وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنَّار.
وجاء البريد في صفر (^٢) بالاحتياط على حواصل الأفرم وَقَراسُنقُر والزَّرَدْكَاش وجميع ما يتعلّق بهم، وقطع خبر مهنا، وجُعل مكانه في الإمرة أخوه فضل (^٣)، وعادت العساكر صحبة أرغون من البلاد الشمالية، وقد حصل عند الناس من فَرَاسُنقُر وأصحابه هَمٌّ وغَمٌّ وحُزْنٌ.
_________________
(١) = وقال الشيخ علم الدين البرزالي: وفي العشر الأوسط من رجب سنة إحدى عشرة وقع أذى في حق الشيخ بمصر، وذلك أنه ظفر به بعض أعدائه ومبغضيه في مكان خالٍ فأساء عليه الأدب، وحضر جماعة كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ لأجل الانتصار له، فلم يجب إلى ذلك، ولو علم السلطان بذلك لأهان من آذاه إهانة بالغة، ولكن كتب إلى المقاتلين يذكر أن ذلك وقع من فقيه بمصر يعرف بالبكري حصل منه إساءة أدب وأمره أن لا يُعلم السلطان بذلك، ثم إنّ البكري طُلب فهرب واختفى. ثم مضى إلى بعض الأمراء الكبار، فشفع فيه مع جماعة آخرين من الأمراء، مع أن الشيخ ما تكلم فيه ولا اشتكى، ولو حصل منه شكوى لوقع لذلك المؤذي شَرٌّ عظيم. بل قال الشيخ: أنا لا أنتصر لنفسي. قال: وقد توفي في غيبة الشيخ عن دمشق جماعة من أصحابه وساداتهم منهم: الشيخ الإمام القدوة العابد العارف المسلك عماد الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي المعروف بابن شيخ الحزاميين. توفي يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر من سنة إحدى عشرة وسبعمئة، وكان رجلًا صالحًا ورعًا كبير الشأن منقطعًا إلى الله، متوفرًا على العبادة والسلوك، وله تصانيف كثيرة في أعمال القلوب وغيرها وقد شرح: "منازل السائرين" في ثلاث مجلدات شرحًا جيدًا، وله رسائل وكتب إلى أصحابه تتضمّن علومًا وفوائد جمة، وله رسالة إلى أصحاب الشيخ تقي الدين فيها الوصاة بملازمة الشيخ، والحث على اتباع طريقة الشيخ، وفيها الثناء على علوم الشيخ وأعماله، وذكر فيها: أنه قد خالط الطرائق من الفقهاء والفقراء وغيرهم، وسافرت بلادًا كثيرة غربًا وشرقًا ويمنًا ومصر وشامًا، فلم أرَ تَحْتَ أديم السماء مثل شيخكم وشيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية، وسأذكر هذه الرسالة إن شاء الله تعالى عند وفاة الشيخ إذا انتهينا إلى ذلك في سنة ثمان وعشرين وسبعمئة - وهذا الفصل لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى.
(٢) ليست في ط. وهي في ب أيضًا.
(٣) في ب: من مصر. بدلًا من صفر. وهو غير بعيد أيضًا.
(٤) في الأصل وأوط: محمدًا بالنصب وفي ب: محمد بالرفع نائب فاعل لجُعل، وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٣/ ٢٣١) وابن خلدون (٥/ ٤٣٩) والنجوم الزاهرة (٩/ ٣٤) فليحرّر.
[ ١٦ / ١٠٢ ]
وقدم سُودي من مصر على نيابة حلب، فاجتاز بدمشق فخرج الناس والجيش لتلقيه (^١)، وحضر السماط، وقرئ مرسوم السلطان (^٢) بطلب جمال الدين نائب دمشقَ إلى مصر، فركب من ساعته على البريد إلى مصر وتكلَّم في نيابته لغيبة قرالاجين (^٣).
وطلب في هذا اليوم قطب الدين موسى بن شيخ السّلامية ناظر الجيش إلى مصر، فركب في آخر النَّهار إليها فتولّى بها نظر الجيش عوضًا عن فخر الدين الكاتب كاتب المماليك بحكم عزله ومصادرته وأخذ أمواله الكثيرة منه في عاشر ربيع الأول.
وفي الحادي عشر منه باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن العز (^٤) عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدين بن العماد (^٥) أول قضاة الحنابلة.
وقدم الأمير سيف الدين تَمُر (^٦) على نيابة طرابلس عوضًا عن الأفرم بحكم هربه إلى التتر.
وفي ربيع الآخر مُسك بيبرس العلائي نائب حمص وبيبرس المجنون وطُوْغَان وجماعةٌ آخرون من الأمراء سنَّةٌ في نهار واحد (^٧)، وسُيِّرُوا إِلى الكَرَك معتقلين بها.
وفيه مسك نائب مصر الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري (^٨)، وولي بعده أَرْغُون الدوادار.
ومسك نائب الشام وجمال الدين نائب الكَرَك، وشمس الدين سُنقُر الكمالي حاجب الحجاب بمصر، وخمسة أمراء آخرون (^٩)، وحبسوا كلهم بقلعة الكرك، في برج هناك.
وفيه وقع حريق داخل باب السَّلامة (^١٠) احترق فيه دور كثيرة منها دار ابن أبي الفوارس، ودار الشريف القباني.
_________________
(١) ليست في ب والذي في ب: فركب الجيش صحبة القائد لتلقيه.
(٢) في ط: المنشور
(٣) في ط: لاجين. وهو: حسام الدين قرالاجين بن عبد الله المنصوري توفي في سنة (٧١٥ هـ) ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ٣٣٢) وفيه: قراجين المنصوري. والدليل الشافي (٢/ ٥٤٠).
(٤) في ط: المعز
(٥) هو: شمس الدين أبو بكر وأبو عبد الله محمد بن العماد إبراهيم. مات سنة (٦٧٦ هـ) النجوم الزاهرة (٧/ ١٣٤).
(٦) هو: تَمُر الساقي المنصوري مات سنة (٧٤٣ هـ). الدرر الكامنة (١/ ٥١٩).
(٧) ومنهم: سنجر البرداني، وبيبرس التاجي. النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤).
(٨) هو صاحب التاريخ المشهور.
(٩) ومنهم: لاجين الجاشنكير، بينجار، وألدُكُز الأشرفي، ومغلطاي. النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤).
(١٠) في ط: السّلامية. وهو باب السّلام، المعروف في دمشق.
[ ١٦ / ١٠٣ ]