استهلَّت وأرباب الولايات هم المذكورون في التي قبلها، سوى والي البر بدمشقَ فإنه علم الدين طرقشي، وقد صرف ابن سعد إلى ولاية حَوْران لشهامته وصرامته وديانته وأمانته.
وفي المحرَّم حصلت زلزلة عظيمة بدمشق، وقى الله شرَّها.
وقدم تَنْكِزُ من الحجاز ليلة الثلاثاء حاديْ عَشَرَ المحرَّم، وكانت مدة غيبته ثلاثةَ أشهر، وقدم ليلًا لئلَّا يتكلَّف أحدٌ لقدومه، وسافر نائبُ الغيبة (^٣) عنه قبله بيومين لئلا يكلِّفه بهدية ولا غيرها.
وقدم مُغْلَطَاي عبد الواحد الجمدار أحد الأمراء بمصرَ بخلعة سنيّة من السُّلطان لِتَنْكِزَ فلبسها، وقبّلَ العتبة على العادة.
وفي يوم الأربعاء سادس صفر درَّس الشيخ نجم الدين القَحْفازيّ (^٤) بالظَّاهرية للحنفية (^٥)، وهو خطيب جامع تَنْكِز، وحضر عنده القضاة والأعيان، ودرَّس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وذلك بعد وفاة القاضي شمس الدين بن العز الحنفي، توفي مرجعَه من الحجاز، وتولّى بعده نيابة القضاء عماد الدّين الطَّرَسُوسي (^٦)، وهو زوج ابنته، وكان ينوب عنه في حال غيبته، فاستمرَّ بعده، ثم ولّي الحكم بعده، مستنيبه فيها.
وفيه قدم الخُوارزمي حاجبًا عوضًا عن كَتْبُغَا.
وفي ربيع الأول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد ابن الشيخ
_________________
(١) لم أقع على ترجمة له.
(٢) لم أقع على ترجمة له.
(٣) هو ركن الدين بيبرس الحاجب.
(٤) في ط: القفجازي. وهو تحريف سبق الكلام فيه.
(٥) هي الظاهرية الجوانيّة البيبرسية. وهي نفسها التي للشافعية. منادمة الأطلال (ص ١٨١).
(٦) هو: علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم. مات سنة (٧٤٨ هـ). الدرر الكامنة (٣/ ١٨).
[ ١٦ / ١٦٣ ]
شرف الدين محمد الكرماني الحنفي، فنزل بالقصَّاعين، وتردَّد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السَّلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعمئة (^١) وقد اجتمعت به، وكان عنده مشاركة في الفروع والأصول ودعواه أوسع من محصوله، وكانت لأبيه وجدِّه، مصنَّفات، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي.
وفي ربيع الأول تكامل فتحُ آياس (^٢) ومعاملتها وانتزاعُها من أيدي الأرمن، وأخذ البرج الأطلس، بينه وبينها في البحر رميةٌ ونصف، فأخذه المسلمون بإذن الله وخَرَّبوه، وكانت أبوابه مطليَّةً بالحديد والرصاص (^٣)، وعرضُ سوره ثلاثةَ عشرَ ذراعًا بالنجار، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جدًا، وحاصروا كواره (^٤) فقوي عليهم الحرُّ والذُّباب، فرسم السُّلطان بعودهم، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدَها وأقبلوا سالمين غانمين، وكان معهم خلق كثير من المتطوّعين.
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى كَمُل بسطُ الجامع فاتَّسع على الناس، ولكن حصل حرج بحمل الأمتعة على خلاف العادة، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواقات ويخرجون من باب البرادة، ومن شاء استمرَّ يمشي إلى الباب الآخر بنعليه، ولم يكن مَمْنوعًا سوى المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات، بخلاف باقي الرواقات، فأمر نائب السَّلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره ابن مراجل (^٥).
وفي جُمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدّمهم أقوش نائب الكَرَك.
وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين (^٦) إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صَصْرَى عوضًا عن الداراني الجعفري، واستغنى الداراني بخطبة جامع العُقَيبة عنها.
وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس.
وفي رجب كمُلت عمارة الحمام الذي بناه الأمير علاء الدين بن صُبح جوار داره شمالي الشامية البرَّانية.
_________________
(١) في ط: وسبعين. وهو توهم، وفي الدرر الكامنة (٤/ ٣٥١) مولده سنة (٦٦٤ هـ) وهذا بعيد.
(٢) أياس وآياس. بلد للأرمن وهي فرضة تلك البلاد. التاج (أيس).
(٣) ليست في ب، وفيه: فإذا حجارته مكلبة بالحديد والرصاص. وهو أنسب.
(٤) لعلّه أراد سفن المُؤن. قال في التاج (كور): الكار: سفن منحدرةٌ فيها طعام في موضع واحد. قال بشار: أ وهو اسم موضع.
(٥) جاء الخبر في الدارس (٢/ ٣٩٦) وفيه حدوثه سنة (٧٣٢ هـ) وهو توهم.
(٦) في ط: محي الدين بن إسماعيل. وهو غلط.
[ ١٦ / ١٦٤ ]