استهلت وخليفة الوقت المستكفي أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجَاشْنَكير، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين سلار، وبالشام (^٦) آقوش الأفرم، وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها.
وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مُقدّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسع الأكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم (^٧)، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد وبعد عشرة أيَّام وصل خبره إلى دمشق، فحصل للناس عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشْنَكير وشيخه المنبجي، فتضاعف له الدُّعاء، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحدًا من أصحابه أن يخرج معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنه تمكن منه عدوه نصر المنبجي (^٨) وكان سبب عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدين كان ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصْر
_________________
(١) في ب: أمين الدين بن سقر الحراني. لم أقع له على ترجمة.
(٢) في الأصل وط، أ، الحسن، وأثبتنا ما في ب والدرر الكامنة (٢/ ٦٩) وكذلك في الدارس (١/ ٤٩٥).
(٣) ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٦٩) والدارس (١/ ٤٩٥) ومواضع متفرقة منه.
(٤) ترجمته في شذرات الذهب (٦/ ١٧) وفيها: توفي بالمَهْجَم من نواحي اليمن، عن بضع وسبعين سنة "والمَهْجَمُ": بلد وولاية من أعمال زَبيد باليمن. انظر "ياقوت.
(٥) ليست في ط، ولا في ب. ولعله أراد بها، أي في المشيخة.
(٦) في ب. جمال الدين.
(٧) ليست في ب. بل فيها: ويبحثون معه.
(٨) ليست في ب.
[ ١٦ / ٧٥ ]
المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقَرُب انقضاء أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة (^١)، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنُوًّا وكرامة له.
(^٢) وجاء كتاب من أخيه (^٣) يقول فيه: إنَّ الأخ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نية الرباط، فإنّ أعداء الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامةً في حقنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ، فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة، وانعكست من كل الوجوه، وأَصبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسرات وندمًا على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه، مكرمين له، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تَقَرُّ بِهِ أعينُ المؤمنين، وذلك شجى (^٤) في حلوق الأعداء، واتفق أنه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها وفَرَّخَ، وأضلَّ بها فرق السبعينيَّة (^٥) والعربية (^٦)، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارهم وفَضَحهم، واستتاب جماعةً كثيرة منهم، وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم من أمير وقاض وفقيه، ومفتي وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شَدَّ من الأغْمَارِ الجُهَّال، مع الذلة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرُّجوع إلى أمره ونهيه، فعلَتْ كلمة الله بها على أعداء الله ورسوله، ولعنوا سرًا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي القيمَ المُقيم، ونزل به من الخوف والذُّلّ ما لا يعبر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا.
والمقصود أنَّ الشَّيخَ تقي الدين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيمًا ببرج متّسع مليح نظيف، له شبّاكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرؤون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر.
وفي آخر ربيع الأول عزل الشيخ كمال الدين بن الزَّملكاني عن نظر المارستان (^٧) بسبب انتمائه إلى
_________________
(١) في ب: فيستريحوا منه.
(٢) ليست في ب.
(٣) يعني: شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم.
(٤) "الشَّجَى": ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. القاموس.
(٥) نسبة إلى عبد الحق بن إبراهيم محمد قطب الدين المعروف بابن سبعين. مات سنة (٦٦٩ هـ) وقيل (٦٦٨ هـ) في مكة المكرمة بعد أن فصد يديه وترك الدم يخرج حتى تصفى، قال الذهبي ﵀ واشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعًا بقوله: "لا نبي بعدي". فإن كان قال هذا، فقد خرج به من الإسلام. العبر (٥/ ٢٩١) وفيه وفاته سنة (٦٦٩ هـ)، وفوات الوفيات (٢/ ٢٥٣) وفيه وفاته سنة (٦٦٨ هـ).
(٦) "العربية": نسبة إلى الشيخ محيي الدين بن عربي.
(٧) كان تولاه سنة (٧٠٧ هـ) كما تقدَّم.
[ ١٦ / ٧٦ ]
ابن تيمية بإشارة المنبجي (^١)، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري.
وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الإمام الحافظ سعد الدين أبو محمود (^٢) مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد (^٣) الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني.
وفي جمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفّرية إلى نوّاب البلاد الساحلية (^٤) بإبطال الخمور، وتخريب الحانات، ونفي أهلها، ففعل ذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا.
وفي مستهل جُمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف (^٥) الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن التقي سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك، وأنه إنما نزل عنه مضطهدًا بذلك، ليس بمختار، وقد صدق فيما قال.
وفي عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شد الدواوين للأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب (^٦)، عوضًا عن الرُّسْتُمي (^٧) فلم يقبل، وبنظر الخزانة للأمير عزّ الدين أحمد بن الزين (^٨) محمد بن أحمد بن محمود المعروف بابن القلانسي، فباشرها (^٩) وعزل عنها البصراوي محتسب البلد.
وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة (^١٠) ابن جماعة مشيخة سعيد السُّعداء بالقاهرة بطلب الصُّوفية له، ورَضُوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعُزل عنها الشيخ كريم الدين الآملي (^١١) لأنَّه عزل منها الشهود، فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسم بصرفه عنهم، وعُومل بنظير ما كان يعامل به النّاس، ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية وافتراؤه عليه الكذبَ، مع جهله وقلة ورعه، فعجل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاء وفاقا (^١٢)
_________________
(١) ليست في ب
(٢) في ب: أبو محمد، وكذلك هو في الشذرات (٦/ ٢٩)
(٣) في الأصل وط وأ: زين الدين. والتصويب من ب والنجوم الزاهرة (٧/ ١٣٥ و٩/ ٢٢١).
(٤) في ط: إلى البلاد السواحلية
(٥) في ط: شريف
(٦) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٩ هـ). وهو: بكتمر بن عبد الله الحسامي
(٧) هو: جمال الدين آقوش الرستمي. وسيأتي في وفيات هذه السنة
(٨) في الأصل وط: زين الدين. وكلها بمعنى واحد. وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٦ هـ)
(٩) في ط: فباشرهما
(١٠) في ب: بدر الدين
(١١) في الأصل وط وأ: الأيكي وقد سبق الحديث عن ذلك. وسيأتي في وفيات سنة (٧١٠ هـ)
(١٢) ليست في ب
[ ١٦ / ٧٧ ]
وفي شهر رجب كثر الخوف بدمشق وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، وسبب ذلك أنَّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكَرَك قاصدًا دمشق يطلب عوده إلى الملك، وقد مالًاه جماعة من الأمراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين، وتحدَّث النَّاسُ بسفر نائب دمشق الأفرم إلى القاهرة، وأن يكون مع الجم الغفير، فاضطرب النّاسُ ولم تفتح أبواب البلد إلى ارتفاع النهار، وتخبطت الأمور، فاجتمع القضاة وكثير من الأمراء بالقصر وجددوا البيعة للملك المظفّر (^١)، وفي آخر نهار السبت غلقت أبواب البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصل لهم تعب عظيم، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخمَّانِ (^٢)، فانزعج نائبُ الشّام لذلك، وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول البلد، وقفز إليه الأميران ركن الدين بيبرس المجنون (^٣)، وبيبرس العلمي (^٤)، وركب إليه الأمير سيف الدين يَكْتَمُر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع، ويخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين، ولحقه الأمير سيف الدين بهادر (^٥) آص يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأُخبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك، فسكن الناس ورجع نائب السلطنة إلى القصر، وتراجَعَ بعض الناس إلى مساكنهم، واستقروا بها.