استهلت والحكام (^٤) هم المذكورون في التي قبلها.
وفي صفر منها شُرع في عمارة الجامع الذي أنشأه ملك الأمراء تنكز نائبُ الشَّامِ ظاهر باب النصر تجاه حِكْر السماق، على نهر بانياس بدمشقَ، وتردَّدَ القُضَاةُ والعلماء في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية في يوم الأحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السلطان، ومساعدته لنائبه في ذلك (^٥).
وفي صفر هذا جاء سيل عظيم بمدينة بَعْلَبَك أهلك خلقًا كثيرًا من النَّاس، وخرَّب دورًا وعمائر كثيرة، وذلك في يوم الثلاثاء سابع وعشرين صفر.
وملخص ذلك أنه قبل ذلك جاءَهم رعدٌ وبرقٌ عظيم معهما بَرد ومطر، فسالت الأودية، ثم جاءهم بعده سيل هائل خسف من سور البلد من جهة الشمال شرق مقدار أربعين ذراعًا، مع أن سمك الحائط
_________________
(١) في ط: القجقازي. وهو تحريف.
(٢) ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٣٨٢). والفوغي بالغين في ب، نسبة إلى الفوعة من محافظة إدلب اليوم.
(٣) المهاميز: جمع مهمزة، وهي عصا في رأسها حديدة ينخس بها الحمار، انظر اللسان.
(٤) ليست في ب. وفيه: والخليفة المستكفي بالله، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته …
(٥) الدرر (١/ ٥٢٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٥٧) والدارس (٢/ ٤٢٥) ومنادمة الأطلال (ص ٣٦٩) وما زال قائمًا عامرًا إلى الآن، وفيه الثانوية الشرعية التي تديرها وزارة الأوقاف.
[ ١٦ / ١٣٠ ]
خمسة أذرع، وحمل برجًا صحيحًا ومعه من جانبيه بدنتين (^١)، فحمله كما هو حتى مرّ وحفر في الأرض نحو خمسمئة ذراع سعة ثلاثين ذراعا (^٢)، وحمل السَّيل ذلك إلى غربي البلد، لا يمر على شيء إلا أتلفه، ودخل المدينة على حين غَفْلَةٍ من أهلها، فأتلف ما يزيد على ثلثها، ودخل الجامع فارتفع فيه على قامة ونصف، ثم قوي على حائطه الغربي فأخربه وأتلف جميع ما فيه من (^٣) الحواصل والكتب والمصاحف وأتلف شيئًا كثيرًا من رباع (^٤) الجامع، وهلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وغرق في الجامع الشيخ علي بن محمد بن الشيخ علي الحريري (^٥) هو وجماعة معه من الفقراء، ويقال: كان من جملة من هلك في هذه الكائنة من أهل بعلبك مئة وأربعة وأربعون نفسًا سوى الغرباء، وجملة الدور التي خرَّبها والحوانيت التي أتلفها نحو من ستمئة دار وحانوت، وجملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستانًا، ومن الطواحين ثمانية سوى الجامع والأبنية (^٦) وأما الأماكن التي دخلها وأتلف ما فيها ولم تخرب فكثير جدًّا.
وفي هذه السنة زاد النيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مُدَد، وغرّق بلادًا كثيرة، وهلك فيها ناس كثير أيضًا، وغَرَّق مُنْيَةَ الشِّيْرج (^٧) فهلك للناس فيها شيء كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي مستهل ربيع الآخر جلس السلطان بوسعيد بن خَرْبَنْدا على تخت الملك بالمدينة السلطانية (^٨).
وفي ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد فنهبوا وسَبَوْا وعادوا سالمين.
وفي يوم السبت تاسع وعشرين منه قدم قاضي المالكيَّة إلى الشام من مصر وهو الإمام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن (^٩) أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي، على قضاء دمشق عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين الزّواوي لضعفه واشتداد مرضه، فالتقاه القُضاة والأعيان، وقرئ تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله، وهو مؤرخ بثاني عشر الشهر، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السنجاوي ودرس
_________________
(١) في ط: مدينتين تحريف.
(٢) ليست في الأصل.
(٣) ليست في ط.
(٤) في ط: رباغ بالغين المعجمة. والرباع: الدور.
(٥) ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ١١٤) وفيه: كان هو وأخوه يدخلان في أذيَّة الناس سنة قازان.
(٦) في ط: الأمينية. تحريف.
(٧) في أوط: السيرج بالسين، وأثبتنا ما في ياقوت، وهي: بلدة كبيرة طويلة ذات سوق بينها وبين القاهرة فرسخ أو أكثر. على طريق القاصد إلى الإسكندرية.
(٨) ليست في ط. البدائع (١/ ٤٤٨).
(٩) في ط: أحمد بن سلامة بن أحمد بن أحمد بن سلامة. بزيادة أحمد وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨ هـ).
[ ١٦ / ١٣١ ]
بالجامع في مستهل (^١) جمادى الأولى، وحضر عنده الأعيان، وشكرت فضائله وعلومه ونزاهته وصرامته وديانته، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزَّواوي المعزول، وقد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة.
وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين بَهَادرآص من سجن الكَرَك، وحُمل إلى القاهرة، وأكرمه السلطان، وكان سَجْنُه بها مطاوعة لإشارة نائب الشّام بسبب ما كان وقع بينهما بمَلَطْيَةَ.
وخرج المَحْمَلُ في يوم الخميس تاسع شوال، وأمير الحج سيف الدين كجْكُن (^٢) المنصوري.
وممَّن حجَّ (^٣) قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى وابن أخيه شرف الدين، وكمال الدين بن الشِّيرازي، والقاضي جلال الدين الحنفي، والشيخ شرف الدين بن تيمية، وخلق.
وفي سادس هذا الشهر درّس بالجاروخية (^٤) القاضي جمال (^٥) الدين محمد بن الشيخ كمال الدين بن الشَّريشي بعد وفاة الشَّيخ شرف الدين بن سلام (^٦) وحضر عنده الأعيان.
وفي التاسع عشر منه درس ابن الزَّمْلَكاني بالعَذْراوية عوضًا عن ابن سَلَام.
وفيه درّس الشيخ شرف الدين بن تيمية بالحنبلية (^٧) عن إذن أخيه له بذلك بعد وفاة أخيهما لأُمِّهما بدر الدين قاسم بن محمد بن خالد، ثم سافر الشَّيخ شرفُ الدين إلى الحج، وحضر الشيخ تقي الدين الدرس بنفسه، وحضر عنده خلق كثير من الأعيان وغيرهم حتى عاد أخوه، وبعد عوده أيضًا.
وجاءت الأخبارُ بأنّه قد أبطلت الخمور والفواحش كلُّها من بلاد السواحل وطرابلس وغيرها، ووضعت مكوس كثيرةُ عن النَّاس هنالك، وبنيت بقرى النُّصَيرية في كل قرية مسجد، ولله الحمد والمنة.
وفي بكرة نهار الثُّلاثاء الثامن والعشرين من شوّال وصل الشيخ الإمام العلامة شيخ الكتاب شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصر إلى دمشق متولّيًا كتابة السرّ بها، عوضًا عن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله توفي إلى رحمة الله (^٨).
_________________
(١) ليست في ط، وهي كذلك في الدارس (٢/ ٦٦) نقلا عن ابن كثير.
(٢) في ط: كجكني وهو تحريف. وهو أحد الأمراء الكبار بدمشق. مات سنة (٧٣٩ هـ) الدرر الكامنة (٣/ ٢٦٥).
(٣) في ب: في هذه السنة.
(٤) في ط: الجاروضية بالضاد. وهي: مدرسة داخل باب الفرج والفراديس، لصيقة الإقبالية الحنفية، شمالي الأموي والظاهرية الجوانية. الدارس (١/ ٢٢٥).
(٥) في ط: جلال.
(٦) في ط: ابن أبي سلام. وهو توهم، وسيأتي صحيحًا في الوفيات.
(٧) المدرسة الحنبلية الشريفية عند القباقبية العتيقة. الدارس (٢/ ٦٤).
(٨) الدرر الكامنة (٤/ ٣٢٤) وفوات الوفيات (٤/ ٨٢) وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٥ هـ).
[ ١٦ / ١٣٢ ]
وفي ذي القعدة يوم الأحد دُرِّسَ بالصمصامية (^١) التي جُددت للمالكية، وقد وقف عليها الصاحب شمس الدين غبريال درسًا، ودرس بها فقها (^٢)، وعيَّن تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد النصير (^٣) المالكي، وحضره عنده القضاة والأعيان، وممن حضر عنده الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان يعرفه من إسكندرية.
وفيه درس بالدخواريَّة (^٤) الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحال، ورتب في رياسة الطب عوضًا عن أمين الدين سليمان الطبيب، بمرسوم نائب السلطنة تنكز، واختاره لذلك.
واتفق أنه في هذا الشهر تجمع جماعةٌ من التجار بماردين وانضاف إليهم خَلقٌ من الجُفَّال من الغَلاء قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحقهم ستون فارسًا من التتار فمالوا عليهم بالنشاب وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيًا، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تنقلوني بمال من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم، وكان جملة من قتل من التجار ستمئة، ومن الجفلان ثلاثمئة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلأت بهم ﵏، ولم يسلم من الجميع سوى رجل واحدٍ تُركماني، هرب وجاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم الوجيع، فاجتهد مُتَسَلَّمُ ديار بكر سوتاي (^٥) في طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق سوى رجلين، لا جمع الله بهم شملًا، ولا لقاهم مرحبًا ولا سهلا، ولا ردَّ عليهم يوم القيامة مالًا ولا أهلًا (^٦). آمين يا رب العالمين.