[استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله بن الحاكم العباسي، وسُلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون، ولكن خطيب الشام جلال الدين القزويني] (^١)، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في الحَبْس من (^٢) قلعة الجبل بمصر، وفي أوائل المحرم منها أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الأمير سلار (^٣) والجاشنكير (^٤) وامتنع من العلامة، وأغلق القلعة، وتحصن فيها، ولزم الأميران بيوتهما، واجتمع عليهما جماعةٌ من الأمراء وحوصرت القلعة وجرت خبطة عظيمة، وغلِّقت الأسواق، ثم راسلوا السلطان فتوطدت الأمور وسكنت الشرور على دَخَنٍ، وتنافرِ قلوبٍ (^٥). وقوي الأميران أكثر مما كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصلح على دخن.
وفي المحرم وقعت الحرب بين التتر وبين أهل كيلان (^٦)، وذلك أن ملك التتر طلب منهم أن يجعلوا ببلادهم طريقًا لعساكره (^٧) فامتنعوا من ذلك، فأرسل ملك التتر خَرْبَندا جيشًا كثيفًا ستين ألفًا من المقاتلة، أربعين ألفًا مع قطلُوشَاه وعشرين ألفًا مع جوبان، فأمهلهم (^٨) أهل كيلان حتى توسطوا بلادهم، ثم أرسلوا عليهم خليجًا من البحر، ورَمَوْهم بالنفط فغرق كثير منهم واحترق آخرون، وقتلوا بأيديهم طائفة كثيرة، فلم يفلت منهم إلا القليل (^٩)، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قطلُوشَاه، فاشتد غضب خَرْبَنْدا على أهل
_________________
(١) في الأصل: "استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها". وما بين حاصرتين استدركته من ب.
(٢) ليس في ط
(٣) في الأصل وط: ابن سلار.
(٤) يريد: بيبرس.
(٥) ليس في ب. و(على دَخَنٍ): أي سكون لغلَبَةٍ لا لصلح. القاموس (دخن).
(٦) "أهل كيلان": هم قرى متفرقة في مروج بين جبال وراء بلاد طبرستان والعجم، يقولون عنها: كيلان بالكاف، وذكرها ياقوت بالجيم (جيلان). ياقوت والدارس (٢/ ٢٤٦).
(٧) في ط: في بلادهم طريقًا إلى عسكره.
(٨) في الأصل: فأمهلوهم، وهو غلط.
(٩) الدرر الكامنة (٣/ ٢٥٤).
[ ١٦ / ٦٢ ]
كيلان، ولكنه فرح بقتل قُطلُوشاه (^١) فإنه كان يريد قتله فكفي أمره عنهم، ثم قتل بعده بولاي، ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ بُراق الذي قدم الشام فيما تقدَّم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالةً، فقتلوه وأراحوا الناس منه (^٢). [وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تستطاع، وهم أهل سُنَّة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم] (^٣).
وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدرُ الدين بن جماعة (^٤) بالشيخ تقي الدين ابن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثم تفرّقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدين مصمم على عدم الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا بن عيسى (^٥) ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجن إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار وجرت بينهم بحوث الصَّلاة كثيرة، ثم فرقت بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب، وبات الشيخ تقي الدين عند سلار، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميعَ النَّهار، ولم يحضر أحد من القضاة، بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدين بن الرّفعة (^٦) وعلاء الدين التاجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النَّمْراوي، وشمس الدين بن عَدْنان وجماعةٌ من الفقهاء، وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطو عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم وانفصل المجلس على خيرٍ، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وجاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق، فأشار سلار بإقامة الشيخ (^٧) بمصر عنده ليرى النَّاسُ فضله وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه.
وكتب الشيخ كتابًا إلى الشام يتضمَّنُ ما وقع له من الأمور (^٨).
_________________
(١) ليست في ب
(٢) ذكر صاحب الدرر (٢/ ٥): أنه أرسله غازان صحبة قليجا إلى جبال كيلان ليحاربهم، فأسروا الشيخ، وقالوا له: أنت شيخ الفقراء، كيف تجيء صحبة أعداء الدين لقتال المسلمين، وسلقوه في دست، وذلك في سنة (٧٠٧ هـ). انتهى.
(٣) ليست في ب
(٤) هو: محمد بن إبراهيم. سيأتي في وفيات سنة (٧٣٣ هـ)
(٥) سيأتي في وفيات سنة (٧٣٥ هـ).
(٦) في ط: نجم الدين بن الرفع. وهو أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة. وسيأتي في وفيات سنة (٧١٠ هـ).
(٧) في ب: مدة بمصر.
(٨) في الأصل وأ زيادة يبدو جليًا أنها ليست من كتابة المصنف ﵀، ولكن أوردناها هنا لاعتمادنا على هذه النسخة الخطية في عملنا أولًا، ولفائدتها ثانيًا. قال ابن عبد الهادي: وكان مدَّة مقامه في الجبّ ثمانية عشر شهرًا، فلما خرج فرح خلق كثير بخروجه، وسرّووا =
[ ١٦ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سرورًا عظيمًا، وحزن لخروجه آخرون، وضاقت صدورهم، وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي بقصيدة منها: [من البسيط] فاصبر ففي الغيب ما يُغنيك عن حيل … وكلُّ صعب إذا صابرته هانا ولست تعدم من خطب رميت به … إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا تمحيص ذنب لتلفى الله خالصه … أو امتحان به تزداد قربانا يا سعد إنا لنرجو أن يكون لنا … سعدًا ومرعاك للأعداء سعدانا وإن يضرّ بك الرحمن طائفة آذت وينفع [من] بالود والانا يا آل تيمية العالين مرتبةً … ومنصبًا قرع الأفلاك تبيانا جواهر الكون أنتم، غير أنّكم في معشر أشربوا في العقل نقصانا لا يعرفون لكم فضلًا ولو عقلوا … لصيَّروا لكم الأجفان أوطانا يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت … عنه الأوائل من كانوا إلى الآنا إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم عليك جهل لأهل الفضل قد حانا أو جاه ظالم، أو قاض قد افتتنوا … بحب دنياهم يبدون بهتانا لا يدّعون أقل الله خيرهم … ولا يخافون يوم العرض نيرانا إنني لأقسم والإسلام معتقدي … وإنني من ذوي الإيمان إيمانا لم ألق قبلك إنسانًا أسر به … فلا برحت لعين المجد إنسانا في أبيات كثيرة، يمدح فيها الشيخ ويذم أعداءه. وقال ابن عبد الهادي وغيره: وفي يوم الجمعة صلّى الشيخ تقي الدين في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع عليه خلق عظيم، فسأله بعض الحاضرين أن يتكلم بشيء يسمعونه منه، فلم يتكلم بل تبسم، فقال له رجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فنهض قائمًا، وابتدأ خطبة الحاجة، ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم تكلّم على تفسير قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. فتكلّم على معنى العبادة والاستعانة إلى أن أذن مؤذن العصر، بكلام يُسبي العقول وإنما قام قائمًا لأن الجمع كان كثيرًا، فانصرف الخلق عن ذلك المجلس، وقد امتلأت قلوبهم إيمانًا ويقينًا، وكل أحد يقول: لم نسمع بمثل هذا الكلام، وامتلأت القلوب له محبة، ومصر له ذكرًا وفي يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر منها عقد مجلس آخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة واجتمع فيه القضاة وغيرهم، وكان مما جرى في هذا المجلس أنه قيل له: تستغفر الله العظيم وتتوب إليه. فقال الشيخ: كلنا نستغفر الله ونتوب إليه، ثم التفت الشيخ إلى رجل منهم، فقال له: استغفر الله العظيم وتب إليه، فقال الرجل: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وكذلك قال لآخر ولآخر، وكلهم يقول كذلك، فقيل له: تب إليَّ من كذا وكذا، وذكر له كلامًا، فقال له: إن كنت قلت كلامًا يستوجب التوبة فأنا تائب منه. فقال له قائل منهم: هذه ليست توبة، وكان من أعيانهم، فردّ عليه الشيخ وجهله، ووقع كلام يطول ذكره. قال: ووصل كتاب من الشيخ مؤرخ بليلة الجمعة رابع عشر من الشهر المذكور، ويذكر له أنه عقد له مجلس بالصالحية ثالث، بعد خروج مُهَنّا في يوم الخميس، وأنه حصل فيه خير كثير، وأن في إقامته بمصر مصالح وفوائد للناس، وكتب كتابًا إلى والدته يقول فيه: من أحمد بن تيمية إلى الوالدة، أقر الله عينها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه.
[ ١٦ / ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وعلى كل شيء قدير، وأسأله أن يُصلّي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله، ويسلّم تسليمًا كثيرًا. كتابي إليكم عن نعم عظيمة، ومِنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كلما شكرت في نمو وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أن مقامنا في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية، متي أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا. لسنا والله مختارين البعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، متى قدم ابتدأه أو كتمه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ولله الحمد لا تختارون إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كل يوم أستخير الله تعالى في السفر إليكم، واستخيروا الله لنا ولكم وادعوا لنا بالخيرة، فنسأل الله العظيم أن يقدر لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخير، في خير وعافية، وحسن عاقبة، ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والهداية والبركة ما لم يكن يخطر بالبال، ونحن في كل وقت في ازدياد من الخير، وفي الاهتمام بالسفر مستخيرون الله، فلا يظنُّ الضَّان أنا نؤثر على قربكم شيئًا من أمور الدنيا، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثمّ أمور كبار نخاف الضرر العام من إهمالها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة، فإن الله سبحانه يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب وقد قال النبي ﷺ: "من سعادة ابن آدم استخارته الله، ورضاه بما يقسم الله، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته الله، وسخطه بما يقسم الله له" والتاجر يكون مسافرًا فيخاف ضياع بعض ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمر يجلُّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي] العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. وكتب إلى أخيه لأمه: من أحمد بن تيمية إلى الأخ الشيخ العالم بدر الدين تولاه الله في جميع الأمور، وصرف عنه كل محذور، وأصل له أمر الدنيا وأمر الآخرة، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنّا نحمد إليكم الله، ثم قال: أما بعد: فقد وصل كتابكم المبشّر بوصول الكتاب إليكم، فحمدنا الله على ما أنعم به عليكم من وصول أخبار السرور إليكم، ومن حين خرجنا لم نزل في آلاء مترادفة، ونِعَم متزايدة، ومنن جازت حد الأماني، بحيث يقصر الخطاب والكتاب عن تفصيل معشارها، ونِعَمٍ في زيادة، والله هو المسؤول أن يوزعنا وسائر إخواننا المؤمنين شكرها، ويزيدنا من فضله، وفي مقامنا بمصر من حصول الخير والفوائد لأهل هذه البلاد وتلك، ولكم ولسائر المسلمين ما أوجب التأخر عن التعجيل إليكم، فستعلمون أن ذلك من تمام نعم الله سبحانه، فإن في ذلك من الخير ما لم يمكن وصفه. وقد كان عقد مجلس بالمدرسة المنصورية يوم الخميس، وكان يومًا مشهودًا، كان من رحمة الله ولطفه ومنته، وانتشار الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، واجتماع القلوب على ما تحبونه، وتختارونه، فوق ما كان بالشام وأعظم منه، بحيث صار عند أهل مصر من البشرى والسرور، ورجوع جماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم إلى الحق وعرفوا من نعم الله علينا ما لا يُحَدُّ ولا يوصف، وظهر الحق للعامة والخاصة، ووصل الجماعة القادمون عقيب بيان ذلك يوم الجمعة، فجمع الله الشمل على أحسن حال، فالحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، والحمد لله الذي =
[ ١٦ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جمع قلوب المؤمنين، فأكثروا الشكر لله، والثناء عليه. وعليكم بما يجمع قلوب المؤمنين، ويُؤلف بين قلوبهم وإياكم والبطر والتفريق بين المؤمنين، فالأصل الذي يبنى عليه الاعتصام بالسنة والجماعة هو اجتماع قلوب المؤمنين بحيث لا يوجد التفريق بينهم والاختلاف بحسب الإمكان، فإن الذي صنعه الله ويصنعه في هذه القضية أمر جازَ حد الأوهام، وفات قوي العقول، وهو من حكم الله تعالى، والحمد لله ربّ العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا، مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربُّنا ويرضى، ثم ذكر السلام على الإخوان، والأخوات والأصحاب ومنها كتاب كتب فيه بعد حمد الله والصلاة على نبيه ﷺ أما بعد: فإن الله - وله الحمد - قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومننه الجسيمة وآلائه الكريمة وعن المحذور على المقدور، والعبد مأمور بالصبر في السراء أعظم من الصبر في الضراء. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١]. وتعلمون أن الله سبحانه في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب نصر دينه، وعلو كلمته ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة، وذل أهل البدعة والفرقة وتقرير ما قررناه عندكم من السنة وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب الهدى والنصر، والدلائل وظهور الحق لأمم لا يُحصون، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك، مع سد أبواب من الضلال، وبدع، وطموس سبيل الشيطان، وغير ذلك من المنن ما لا بد معه معه من عظيم الشكر. وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب واجتماعها وصلاح ذات البين قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وأمثال هذا من النصوص التي يأمر الله فيها بالجماعة والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنهم هم أهل الفرقة والاختلاف، وجماع ذلك طاعة الله ورسوله وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصِحُوا من ولاه الله أموركم". وفي "السنن" من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود - فقيهي الصحابة - عن النبي ﷺ قال: "نَضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه، فربَّ حامل فقه غيرُ فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل الله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". قوله: لا يغل: أي لا يحقد عليهن، فلا يبغض هذه الخصال قلب مسلم ألبتَّةَ، بل يحبهنَّ ويرضاهن وأوّلُ ما يبدأ به من هذا الفضل وما يتعلق بي. فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحبُّ أن يؤذى أحد من عموم المسلمين بسببي، فضلًا عن أصحابي، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلًا. بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كلٌّ يحسبه. ولا يخلو الرجل من أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مجتهدًا مخطئًا أو مذنبًا. فالأول
[ ١٦ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مأجور مشكور، والثاني مأجور على اجتهاده معفوٌّ عن خطئه، والثالث: المذنب، فالله يغفر لنا وله، فيطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل. كقول القائل: فلان قصّر، فلان ما عمل جيدًا، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان بسبب هذه، فلان كان يتكلم في كذا، ونحو ذلك فيما فيه مذمّة لبعض الأصحاب. فإني لا أسامح من آذاهم في مثل هذا الباب، بل مثل هذا نعود على قائله بالملام، إلا أن تكون له نيَّة حسنة، فيكون ممن يغفر الله له إن شاء الله. وقد عفا الله عما سلف. وتعلمون أيضًا أن ما كان يجري مني من نوع تغليظ وتخشين لبعض الأصحاب بدمشق وما جرى الآن بمصر، ومما هو جار، فليس ذلك بغضاضة ولا نقص من حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا عليه، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرًا، وأنبه ذكرًا، وأحبُّ وأعظم عندنا، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يحمد معه ذلك التخشين. وتعلمون أنا جميع متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا بعضًا، أعظم ما كان وأشدّ، فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب لما قد يظنّه من نوع تخشين عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك فهو الغالط، وكذلك من ظن أن المؤمنين يتخلون عما أمروا به من التعارف والتناصر، فقد ظن ظن سوء، وإن الظنَّ لا يغني من الحق شيئًا. وما غاب أحد عنا من الجماعة أو قدم إلينا الساعة أو قبل ذلك إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجلَّ وأرفع وتعلمون - رضي الله عنكم - أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع من اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان وما لا بد منه من نزغات الشيطان، ما لا يتصوّر أن يعرى عنه نوع الإنسان، ولا سيما وقد وصف الله الإنسان بالظلم والجهل فقال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣] بل أنا أقول تنبيهًا بالأدنى على الأعلى وبالأقصى على الأدنى: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وإن ذلك أمر يجل عن الوصف، وكل ما قيل من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. وقد أظهر الله بسبب هذه القضية من نور الحق وبرهانه، ما ردّ به إفك الكاذب وبهتانه، وأنا لا أحب أن يُقتص لي من أحد بسبب كذبه عليّ، أو ظلمه لي وعدوانه، فإني قد حاللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل مؤمن، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبّه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حلّ من جهتي، وأما ما يتعلق بحقوق الله ورسوله، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم، ولو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببًا في هذه القضية لِمَا ترتب لنا عليها وعلى يديه من خير الدنيا والآخرة، لكنّ الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه، الذي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. وأنتم تعلمون هذا من خلقي، والأمر أزيد مما كان، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض، وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله. وأنتم تعلمون أن الصديق الأكبر في قضية الإفك أنه حلف لا يصل مِسْطَح بن أثاثة، لأنه كان من الخائضين في الإفك فأنزل الله تعالى: =
[ ١٦ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. فلما نزلت قال أبو بكر: بلى والله أحبُّ أن يغفر الله لي، ثم رجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه. واعلموا أن الله ﷾ مع ما ذكر من الصفح والإحسان والعفو وأمثال ذلك وأضعافه، فالجهاد لا بد منه، وهو الجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيات [المائدة: ٥٤ - ٥٥]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ونزل الشيخ في دار الأوحدي، وقيل: في دار ابن سنقر، وأكبَّ الناس على الاجتماع والقراءة عليه في جميع العلوم ليلًا ونهارًا، فكان يعلّم الناس ويفتيهم، ويذكر الله ويدعو إليه، ويتكلّم في الجوامع بمصر على المنابر بتفسير القرآن، ويوم الجمعة من بعد الصلاة إلى أذان العصر إلى أن ضاق منه صدور خلق من أعدائه، وانحصروا منه، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت. وفي العشر الأول من شوّال اجتمع خمسمئة من الصُّوفية وفيهم شيخ شيوخهم كريم الآملي وابن المنبجي واتفقوا على الشكوى على الشيخ تقي الدين إلى السلطان، فطلع منهم خلق إلى القلعة فكانت لهم ضجّة شديدة، فقال السلطان: ما لهؤلاء؟! فقيل له: يشكون على ابن تيمية، فقال: وما يشكون منه؟ فقالوا: إنهم يزعمون أنه يسب مشايخهم، ويضع من قدرهم عند الناس. واستغاثوا، وجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، ودخلوا على الأمراء، ولم يبقوا ممكنًا. فقال بعض أصحابه له: إنّ الناس قد جمعوا لك جمعًا كثيرًا، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان قد تكلم في ابن عربي وبين طريقه، وطريق أتباعه من أهل الحلول والاتحاد فأمر أن يعقد مجلس بدار العدل، فعقد له مجلس كان يحبه ويتمناه، واجتمع فيه القضاة والفقهاء، فظهر من هذا المجلس من علم الشيخ، وشجاعته، وقوة قلبه، وصدق توكله، وبيان حجته ما يتجاوز وصف الواصفين مع أنه وحده، وكلهم عليه، وكان وقتًا مشهودًا، وقد قال له كثير من الفقهاء المخالفين له: من أين لك هذا العلم. فقال لهم الشيخ: من أين لا تعلمونه. وذكر جماعة ممن حضر هذا المجلس أن الناس لما تفرقوا منه، قام الشيخ ومعه جماعة من أصحابه، فجاء إلى موضع في دار العدل، فاستلقى على ظهره، وأخذ حجرًا، فوضعه تحت رأسه فاضطجع قليلًا. ثم جلس قليلًا، فقال له إنسان من الحاضرين: يا سيدي قد أكثر الناس عليك! فقال: إن هم إلا كالذباب، ورفع كفه إلى فيه ونفخ، وقام وقمنا معه حتى خرجنا من دار العدل، فأتي بحصان فركبه، وتحنّك بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا منه، ولا أشجع، ولا أشد بأسًا. ولما أكثروا الشكاية فيه، والحط عليه، رسم بتسفيره إلى السّام. فخرج للسفر ليلة الخميس ثامن عشر الشهر، ثم ردَّ في يوم الخميس المذكور، وحُبس بسجن الحاكم في حارة الدَّيلم ليلة الجمعة تاسع شوال، ولما دخل الحبس وجد المحابيس في غفلة عظيمة مشتغلين بأنواع من اللعب يلتهون بها عمّا هم فيه كالشطرنج والنرد وغير ذلك، من تضييع الصلوات، فأنكر عليهم أشد الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السُّنَّة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال البر وحضهم على ذلك،
[ ١٦ / ٦٨ ]
قال البِرْزالي: وفي شَوَّال منها شكى الصُّوفية بالقاهرة على الشّيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردُّوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعُقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء (^١) بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: لا يُسْتَغَاثُ إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به ويُشَفّع به إلى الله، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله.
ثم إن الدولة خيّروه بين أشياء: إما أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروطه (^٢) أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شَرَطَ فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم.
فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فرَدُّوه، وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزَّواوي المالكي فتحيَّر، فلما رأى الشَّيخُ توقَّفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدين ابن بنت الأعز (^٣) حين سجن، وأُذن له أن يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنّه كان قد استحوذ على عقل الجَاشْنَكير الذي تسلطن فيما بعد، وغيره من رجال الدولة، والسُّلطان مقهور معه، واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء
_________________
(١) = حتى صار الحبس مما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، حتى صار خلق من المحابيس إذا طلعوا يختارون الإقامة عنده، وبعضهم لا يريد الخروج من الحبس لما حصل له فيه من الخير. وكثر المتردِّدون إليه حتى كان الحبس يمتلئ منهم، فلما كثر اجتماع الناس به في الحبس ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم، فسألوا نقله إلى الإسكندرية، وأرادوا أن يصرفوا قلوب الناس عنه، وينقطع أثره، ويأبى الله إلا أن يرفع ذكره ويجمع قلوب الخلق عليه.
(٢) هو: أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي الصوفي. توفي سنة (٧٠٩ هـ). ترجمته في الدليل الشافي (١/ ٧٨)
(٣) توفي في صفر في ط: بشروط.
(٤) هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب، ولي الوزارة مع القضاء ثم استعفى من الوزارة، امتحن على يد شمس الدين بن السلعوس، ثمّ نجّاه الله. مات سنة (٦٩٥ هـ) انظر ترجمته في "فوات الوفيات" (٢/ ٢٧٩) و"النجوم الزاهرة" (٨/ ٨٢).
[ ١٦ / ٦٩ ]
وأعيان الناس، فيكتب عليها بما يحيّر العقول من الكتاب والسُّنَّة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا.
وفي سادس رجب باشر الشيخ] (^١) كمال الدين بن الزَّمْلَكاني نظر ديوان المارستان (^٢) عوضًا عن يوسف العجمي توفي، وكان محتسبًا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البصراوي (^٣) قبل هذا بستة أشهر، وكان العجمي موصوفًا بالأمانة.
وفي ليلة النصف من شعبان أبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة، وصين الجامع من الغوغاء والرعاع، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة.
وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخِزَانة عوضًا عن شمس الدين الخطيري (^٤) مضافًا إلى ما بيده من الحسبة.
ووقع في أواخر رمضان مطر قوي شديدٌ، وكان الناس لهم مدة لم يمطروا، فاستبشروا بذلك، ورخصت الأسعار، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلى من كثرة المطر، فصلوا بالجامع، وحضر نائب السلطنة فصلى بالمقصورة.
وخرج المحمل (^٥)، وأمير الحج عامئذٍ سيفُ الدِّين بَلَبَانُ البَدريُّ التَّتَري (^٦).
وفيها حج القاضي شرف الدين البارزي (^٧) من حماة.
وفي ذي الحجة وقع حريق عظيم بالقرب من الظاهرية مبدؤه من الفرن تجاهها الذي يقال له: فرن الصُّوفية (^٨) ثم لطف الله وكف شرها وشررها (^٩).
قلت: وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، وكان أول ما سكنا بدرب سفون (^١٠) الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطيوريين (^١١)، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة آمين.
_________________
(١) إلى هنا ينتهي البياض المشار إليه من قبل.
(٢) في ب: البيمارستان النوري.
(٣) هو: محمد بن عثمان البصراوي، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٣ هـ).
(٤) هو: عبد القادر بن يوسف. سيأتي في وفيات سنة (٧١٦ هـ).
(٥) في ب: المحمل السلطاني.
(٦) هو: أحد مقدمي الألوف بدمشق، حج سنة (٧٠٧ هـ) وتوفي يوم عيد الفطر سنة (٧٢٧ هـ).
(٧) هو: هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم، وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٧ هـ).
(٨) في ط: العوتيّة، وهو توهم.
(٩) ليست في ب.
(١٠) في ط: سَعُّور. وهو عند الصَّاغة العتيقة، وسيذكره المؤلف مرة ثانية في أحداث سنة (٧١٠ هـ).
(١١) في ط: الطوريين، وهو تصحيف. وما أثبتاه موافق لما في الدارس (٢/ ٧).
[ ١٦ / ٧٠ ]