استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبله (^٧) غير الحنبلي بدمشق، فإنه توفي في أواخر (^٨) السنة الماضية.
وفي المحرم تكملت تفرقة المثالات (^٩) السلطانية بمصر بمقتضى إزالة الأجناد، وعُرض الجيش على السلطان، وأبطل السلطان المَكْسَ بسائر البلاد القبلية والشامية.
وفيه وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية ببَعْلَبَكَّ (^١٠) بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق فحضروا بدار.
_________________
(١) تربة أبي عمر في سفح قاسيون.
(٢) ترجمته في: الدرر الكامنة (٣/ ٨٧) وفيه: الجريري: وهو تحريف، والنجوم الزاهرة: (٩/ ٢٣٢).
(٣) الفقراء الحريرية.
(٤) في ط: نسر. وهي قرية من أعمال حوران بموضع يقال له: اللجا، صعب المسلك إلى جانب زُرَّه التي تسميها العامة زرع.
(٥) ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧). وفيه أسلم سنة (٧٠١ هـ)
(٦) ليست في ب.
(٧) ليست في ب، والذي فيه: وخليفة الوقت المستكفي بالله، وسلطان الملك الناصر بن المنصور قلاوون، ونوابه وقضاته بمصر والشام المذكورون.
(٨) ليست في ط
(٩) "المثالات": هي وثيقة رسمية تصدر من ديوان الجيش فيها استحقاق كل جندي. النجوم الزاهرة (٩/ ٥١).
(١٠) ليست في ط.
[ ١٦ / ١٢١ ]
السَّعادة عند نائب السلطنة تنكز فأصلح بينهم، وانفصل الحال على خير من غير محاققة ولا تشويش على أحد من الفريقين، وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر المحرَّم.
وفي يوم الأحد سادسَ عَشَرَ صفر قُرئ تقليد قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الحنبلي (^١)، بقضاء الحنابلة والنظر بأوقافهم عوضًا عن تقي الدين سليمان بحكم وفاته ﵀، وتاريخ التقليد من سادس ذي الحجة، وقُرئ بالجامع الأموي بحضور القضاة والصاحب والأعيان، ثم مَشَوْا معه وعليه الخِلْعة إلى دار السعادة، فسلَّم على النائب وراح إلى الصَّالحية، ثم نزل من الغَد إلى الجَوْزيّة فحكم بها على عادة من تقدَّمه، واستناب بعد أيام (^٢) الشيخ شرف الدين بن الحافظ (^٣).
وفي يوم الإثنين سابع صفر وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّريشي من مصر على البريد ومعه توقيع بعود الوَكَالة إليه، فخُلع عليه وسلَّم على النائب والخِلعةُ عليه.
وفي هذا الشهر مُسك الوزير عز الدين بن القلانسي واعتقل بالعذراوية وصودر بخمسين ألفًا، ثم أطلق له ما كان أخذ منه وانفصل من ديوان نظر الخاص (^٤).
وفي ربيع الآخر وصل من مصر الأمير (^٥) فَضْلُ بن عيسى (^٦)، وأُجري له ولابن أخيه موسى بن مهنا إقطاعات جيدة (^٧)، وذلك بسبب دخول مهنَّا إلى بلاد التتر واجتماعه (^٨) بملكهم خَرْبَندا.
وفي يوم الإثنين سادس عِشْري (^٩) جمادى الأولى باشر ابن صَصْرَى مشيخة الشيوخ بالسُّمَيْسَاطية بسؤال الصُّوفية وطلبهم له من نائب السلطنة، فحضرها وحضر عنده الأعيان في هذا اليوم عوضًا عن الشريف شهاب الدين أبي القاسم محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن علي بن الحسن بن الحسين بن يحيى بن موسى بن جعفر الصادق، وهو الكاشغري (^١٠) توفي عن ثلاث وستين سنة ودفن بالصوفية.
_________________
(١) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٦ هـ).
(٢) في ب: أيام يسيرة.
(٣) هو: القاضي شرف الدين عبد الله بن شرف الدين حسن بن الحافظ أبي موسى، وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٢ هـ).
(٤) الدرر الكامنة (٢/ ٧٥).
(٥) ليست في ط.
(٦) في ب: ومعه تقليد بإمرة العرب عوضًا عن أخيه مهنا.
(٧) في ط: صيدا، وهو تحريف.
(٨) في ط: اجتماعهم.
(٩) في ط: سادس عشر. وفي الدارس (٢/ ١٥٧) أيضًا سادس عشرين.
(١٠) في ط: الكاشنغر.
[ ١٦ / ١٢٢ ]
وفي جمادى الآخرة باشر بهاء الدين إبراهيم بن جمال الدين يحيى الحنفي المعروف بابن عليمة (^١)، وهو ناظر ديوان النائب بالشّام نظر الدواوين عوضًا عن شمس الدين محمد بن عبد القادر الخطيري الحاسب الكاتب (^٢) توفي، وقد كان مباشرًا عدة من الجهات الكبار، مثل نظر الخزانة، ونظر الجامع، ونظر المارستان وغير ذلك، واستمرّ نظرُ المارستان من يومئذ بأيدي ديوان نائب السلطنة من كان، وصارت عادة مستمرة.
وفي رجب نقل نائب (^٣) حمص الأمير شهاب الدين قَرَاطاي (^٤) إلى نيابة طرابلس عوضًا عن الأمير سيف الدين التُّركُسْتاي بحكم وفاته، وولي الأمير سيف الدين إرقطاي نيابة حمص، وتولى نيابة الكَرَكِ سيف الدين طَقْطَاي الناصري عوضًا عن سيف الدين بيبغا (^٥).
وفي يوم الأربعاء عاشر رجب درّس بالنَّجيبية القاضي نجم (^٦) الدين الدمشقي عوضًا عن بهاء الدين يوسف بن جمال الدين أحمد (^٧) بن ظافر (^٨) العجمي الحلبي، سبط الصَّاحب كمال الدين بن العديم، توفي ودفن عند خاله ووالده بتربة العديم (^٩).
وفي أواخر شعبان وصل القاضي شمس الدين بن عز الدين يحيى الحراني (^١٠) أخو قاضي قضاة الحنابلة بمصر شرف الدين عبد الغني (^١١)، إلى دمشق متوليًا نظر الأوقاف بها عوضًا عن الصاحب عز الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن مبشر (^١٢)، توفي في مستهل رجب بدمشق، وقد باشر نظر الدواوين بها وبمصر، والحِسبة، وبالإسكندرية وغير ذلك، ولم يكن بقي معه في آخر وقت سوى نظر الأوقاف بدمشق، مات (^١٣) وقد قارب الثمانين ودفن بقاسيون.
_________________
(١) في ط: علية وسبق الكلام فيه.
(٢) في ط: الكاسب بالسين، وهو تحريف.
(٣) في ط: صاحب.
(٤) في الأصل وط: قرطاي. وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٤ هـ).
(٥) في ط: تيبغا، وهو تحريف.
(٦) في الأصل وط وأ: شمس الدين. وأثبتنا ما في الدارس (١/ ٤٧١) وسوف يأتي في وفيات سنة (٧٢٦ هـ).
(٧) في الدرر الكامنة (٤/ ٤٤٦) أحمد بن عبد العزيز بن ظافر العجمي.
(٨) في الأصل وط: الظاهري
(٩) هي التربة العديمية عند زاوية الحريري غربي الزيتون على الشرف القبلي. الدارس (١/ ٤٧١) و(٢/ ٢٥٨).
(١٠) هو: محمد بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن نصر الحراني. كما في ب.
(١١) مضى في وفيات سنة (٧٠٩ هـ).
(١٢) في ب والدرر الكامنة (١/ ٢٨٧): ميسر.
(١٣) ليست في ط.
[ ١٦ / ١٢٣ ]
وفي تاسع (^١) شوال خرج الركب الشامي وأميرهم سيف الدين أَرْغُون السِّلَخدار الناصري الساكن عند دار الطراز بدمشق، وحج من مصر سيفُ الدِّين الدوادار وقاضي القضاة ابن جماعة، وقد زار القدس الشريف في هذه السنة بعد وفاة ولده الخطيب جمال الدين عبد الله، وكان قد رأسَ وعَظُم شأنُه.
وفي ذي القعدة سارَ الأمير سيف الدين تنكز إلى زيارة القُدْس فغاب عشرين يومًا.
وفيه وصل الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب إلى دمشقَ من مصر وقد كان معتقلًا في السِّجن فأُطلق وأُكرم وولّي نيابَةَ صَفَد، فسار إليها بعدما قضى أشغاله بدمشق.
ونقل القاضي حسام الدين القزويني من قضاء صفد إلى قضاء طرابلس، وأُعيدت ولاية قضاء صفد إلى قاضي دمشق، فولى فيها ابن صَصْرَى شرف الدين النَّهاوندي (^٢)، وكان متوليًا قضاء طرابلس قبل ذلك، ووصل مع بَكْتَمُر الحاجب الطواشي ظهيرُ الدّين مختار المعروف بالزَّرْعي، متوليًا الخزانة بالقلعة عوضًا عن الطواشي ظهير الدين مختار البلبيسي (^٣) توفي.
وفي هذا الشهر أعني ذا القعدة وصلت الأخبار بموت ملك التتر خَرْبَندا محمد (^٤) بن أَرْغُون بن أَبْغَا بن هولاكوقان ملك العراق وخُراسان وعراق العجم والروم وأذربيجان والبلاد الأرمينية وديار بكر.
توفي في السابع والعشرين من رمضان ودفن بتربته بالمدينة التي أنشأها، التي يقال لها: السلطانية وقد جاوز الثلاثين من العمر، وكان موصوفًا بالكرم ومحبًا للهو واللعب والعمائر، وأظهر الرفض في بلاده (^٥)، أقام سنة على السنة ثم تحوّل إلى الرّفض، أقام شعائره في بلاده وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مُطَهَّر الحِلِّي (^٦)، تلميذ نَصير الدين الطُّوسي، وأقطعه عدة بلاد، ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات في هذه السنة.
وقد جرت في أيامه فتن كبار ومصائب عظام، فأراح الله منه العباد والبلاد.
وقام في الملك بعده ولده بوسعيد (^٧) وله إحدى عشرة سنة، ومدبر الجيوش والممالك له الأم جوبان، واستمرَّ في الوزارة علي شاه التبريزي، وأخذ أهل دولته بالمصادرة وقتل الأعيان ممن اتَّهَمهم
_________________
(١) في ط: آخر
(٢) في ط: الهاوندي
(٣) في ط وأ: البلستيني. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٤/ ٣٤٤)
(٤) ترجمته في الذيل للذهبي (ص ٨٨) والدرر الكامنة (١/ ٥٠١) والدليل الشافي (١/ ٢٨٤ و٢/ ٥١٧) والنجوم الزاهرة (٨/ ٢١٢) و(٩/ ٢٣٨).
(٥) ليست في ط.
(٦) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٦ هـ).
(٧) في الأصل ط وأ: أبو سعيد. وأثبتنا ما في الدرر (١/ ٥٠١) والنجوم (٩/ ٥٥).
[ ١٦ / ١٢٤ ]
بقتل أبيه مسمومًا، ولعب (^١) كثير من الناس به في أوّل دولته ثم عَدَل إلى العدل وإقامة السُّنَّة، فأمر بإقامة الخطبة بالتّرضِّي عن الشيخين أولًا، ثُمَّ عُثمان ثم علي ﵃، ففرح النَّاسُ بذلك وسكَنَتْ بذلك الفتَنُ والشُّرور والقتال الذي كان بين أهل تلك البلاد وبهراةَ وأَصْبَهان وبغداد وإربل وساوَة وغير ذلك.
وكان صاحب مكة الأمير خميصة بن أبي نُمي الحسني، قد قصد ملك التَّتر خربندا لينصره على أهل مكة، فساعده الرَّوافض هناك وجهَّزُوا معه جيشًا كثيفًا من خراسان، فلما مات خَرْبَنْدَا بِطَلَ ذلك بالكلية، وعاد حُمَيْصَةُ خائبًا خاسئًا، وفي صحبته أمير من كبار الروافض من التتر يقال له الدُّلْقَندي، وقد جمع لخُمَيْصَةَ أموالًا كثيرة ليقيم بها الرّفض في بلاد الحجاز، فوقع بهما الأمير محمد بن عيسى أخو مهنا، وقد كان مهنا (^٢) في بلاد التتر أيضًا ومعه جماعةٌ من العرب فكسر هما (^٣) ومن كان معهما، ونهب ما كان معهما من الأموال، وتفرّق (^٤) الرجال وبلغت أخبار ذلك إلى الدَّولة الإسلامية، فرضي عنه الملك الناصر وأهل دولته، وغَسَلَ ذلك ذنبه عندَه، فاستدعى به السلطان إلى حضرته فحضر سامعًا مطيعًا، فأكرمه نائب الشام، فلما وصل إلى السلطان (^٥) أكرمه أيضًا، ثم إنَّه استُفْتِيَ الشَّيخُ تقي الدين بن تيمية، وكذلك أرسل إليه السلطان يسأله (^٦) في الأموال التي أخذت من الدُّلْقَندِي، فأفتاهم أنَّها تُصرف في المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، لأنَّها كانت معدة لعناد الحق ونُصرة أهل البدعة على السنة.