استهلت (^١) والحكام هم المذكورون في التي قبلها والشيخ تقي الدين بن تيمية مسجون بالحب من قلعة الجبل، [وخطيب دمشق برهان الدين الفزاري بعد عمه الشيخ شرف الدين ﵀ كما تقدّم بيانه، في أنه ألزم بها مرة ثانية، فلما كان صفر أخذ مدرسة البادرائية الشيخ كمال الدين الشيرازي، فعزل الشيخ برهان الدين نفسه عن الخطابة، فأعيدت إليه مدرسته] (^٢).
وفي يوم الأربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين إمام الكلاسة (^٣)، وذلك في ربيع الأول، وهنّئ بذلك، فأظهر التكرُّه لذلك والضعف عنه، ولم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصيد، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر، فأوّلُ صلاة صلاها الصبح يوم الجمعة، ثم خُلع عليه وخَطَب بها يومئذ.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي (^٤) عوضًا عن تاج الدين صالح بن تامر بن حامد الجعبري (^٥)، وكان معمرًا قديم الهجرة كثير الفضائل، دينًا ورعًا، جَيدَ المباشرة، وكان قد ولي نيابة الحكم في سنة سبع وخمسين وستمئة، فلما ولي ابن صَصْرَى كره نيابته
وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ومعه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الأذرعي الحنفي (^٦)، فظنَّ النَّاسُ أنه بولاية القضاء لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه البريدي (^٧) إلى مع الظاهرية، واجتمعَ النَّاس لقراءة التقليد على العادة، فشرع الشيخ علم الدين البرزالي في قراءته، فلما وصل إلى الاسم تبين أنه ليس له، وأنه للأذرعي، فبطل القارئ، وقام الناس مع البريدي إلى الأذرعي، وحصلت كسرة وخمدة على الحريري والحاضرين.
ووصل مع البريدي أيضًا كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى القاهرة (^٨)، فتوهم من
_________________
(١) في ب: استهلت والخليفة بالله بن الحاكم العباسي، وسلطان البلاد الملك الناصر وقضاتهما هم المذكورون في التي قبلها والشيخ …
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة من ب.
(٣) هو: محمد بن أحمد بن عثمان الخلاطي. سيأتي ذكره في وفيات هذه السنة.
(٤) ستأتي ترجمته في وفيات سنة (٧٢٦ هـ)
(٥) في ط: تاج الدين بن صالح بن تامر بن خان الجعبري، وستأتي ترجمته في وفيات هذه السنة.
(٦) هو: محمد بن إبراهيم. وسيأتي في وفيات سنة (٧١٢ هـ).
(٧) في ط: البريد.
(٨) في ب: إلى الديار المصرية. وكثيرًا ما سيرد هذا الفرق بين القاهرة، ومصر، والديار المصرية، لذلك تجاوزته.
[ ١٦ / ٥٦ ]
ذلك، وخاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتلطف به نائب السلطنة، ودارى عنه حتى أُعفي من الحضور إلى مصر، ولله الحمد.
وفي يوم الخميس تاسع جمادى الأولى دخل الشيخ براق (^١) إلى دمشق وبصحبته مئة فقير كلّهم محلقي ذقونهم، موفري شواربهم، عكس ما وردت به السنة، وعلى رؤوسهم قرون لبابيد. وعليهم أجراس وكعاب وجواكين خشب، فنزلوا بالمُنَيبع وحضروا الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشق، فصاموا بها رمضان ثمَّ انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق، إذ لم يجدوا بدمشق قبولًا، وقد كان شيخهم براق المذكور روميًا من بعض قرى دوقات من أبناء الأربعين، وقد كانت له منزلة عند قازان ومكانة، وذلك أنه سلط عليه نَمِرًا فزجره فهرب منه وتركه، فحظي عنده وأعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفًا ففرّقها على أصحابه كلها فأحبه، ومن طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاةً، ومن ترك صلاة ضربوه أربعين جَلْدة، وكان يزعم أن طريقه الذي سلكه إنما سلكه ليخرب على نفسه، ويرى أنه زي المسخرة، وأن هذا هو الذي يليق بالدنيا، والمقصود إنما هو الباطن والقلب وعمارة ذلك، ونحن إنّما نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة حضر تدريس (^٢) النَّجيبية (^٣) بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي، عوضًا عن الشيخ ضياء الدين الطوسي، توفي وحضر عنده ابن صَصْرَى وجماعةٌ من الفضلاء.
وفي هذه السنة صُلِّيت صلاة الرَّغائب (^٤) في النصف (^٥) بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين، ولما كانت ليلة النصف حضر الحاجب ركن الدين بيُبَرْسُ العلائي، ومنع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ، وغلقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات وحصل للناس أذى كثير، وإنما أراد صيانة الجامع من اللغو والرفث والتخليط.
_________________
(١) في ط: ابن. وهو: براق القرمي من قرية من قرى الدوقات، أبوه صاحب إمرة، عمه من الكتاب، تمرَّد هو وصحب الفقراء، قتل مسلوقًا في دست سنة (٧٠٧ هـ). ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٤٧٤) والدارس (٢/ ٢٥٠).
(٢) في ط: مدرس.
(٣) يقال لها أيضًا: خانقاه القصر، وهي مطلة على الميدان، أنشأها النجيبي جمال الدين آقوش. الدارس (٢/ ١٧١) وفي منادمة الأطلال (ص ٢٨٦) يقول بدران ﵀: قلت: أراد بالميدان المرجة، وكان ذلك القصر قصرًا للملك الظاهر، ولما عمرت التكية السليمانية خُرّب وأقيمت مكانه، ولم يبق أثر للنجيبية ولا للقصر.
(٤) سقطت من ط.
(٥) في النصف من شعبان، وهي صلاة غير ثابتة في الشرع، لذلك أبطلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ١٦ / ٥٧ ]
وفي سابع عشر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد بن الباجَرْبَقي (^١)، وأثبت عنده محضرًا بعداوة ما بينه وبين الشُّهود السنّة الذين شهدوا عليه عند المالكي، حين حكم بإراقة دمه، وممن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام (^٢) وزين الدين بن الشريف عدنان (^٣)، وقطب الدين ابن شيخ السلامية (^٤) وغيرهم.
وفيها باشر كمال الدين بن الزَّملكاني نظر ديوان ملك الأمراء (^٥) عوضًا عن شهاب الدين الحنفي، وذلك في آخر رمضان، وخلع عليه بطَيْلسان وخلعة، وحضر بها دار العدل.
(^٦) [وفي ليلة عيد الفطر أَحْضَرَ الأمير سيف الدين سلار نائب مصر القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء والقضاة الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء التاجي (^٧) والجزري (^٨) والنمراوي (^٩)، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين بن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطًا بذلك، [منها أنه يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة] (^١٠) وأرسلوا إليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمَّم، وتكرّرت الرُّسل إليه ستّ مراتٍ، فصمم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم، ولم يعدهم شيئًا، فطال عليهم المجلس فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين.
وفي يوم الأربعاء ثاني شوال أذن نائب السلطنة الأفرم للقاضي جلال الدين القزويني (^١١) أن يصلي بالناس ويخطب بجامع دمشق عوضًا عن الشيخ شمس الدين إمام الكلاسة، توفي، فصلى الظهر يومئذ وخطب الجمعة، واستمر بالإمامة والخطابة حتى وصل توقيعه بذلك من القاهرة.
وفي مستهل ذي القعدة حضر نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان وشكرت خطبته.
وفي مستهل ذي القعدة كمل بناء الجامع (^١٢) الذي ابتناه وعمره الأمير جمال الدين نائب السلطنة الأفرم عند الرباط الناصري بالصالحية، ورتب فيه خطيبًا يخطب يوم الجمعة، وهو القاضي شمس الدين
_________________
(١) في ط الباجريقي بالياء
(٢) ابن شرف الدين المالكي قاضي القضاة.
(٣) هو: الحسين بن محمد. سيأتي في وفيات سنة (٧٠٨ هـ).
(٤) هو: موسى بن أحمد بن الحسين، وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٧ هـ).
(٥) هو الأفرم، وهو لقب كان يطلق على نائب الشام.
(٦) من هنا بياض قدر ورقة في الأصل استدركته من أوط.
(٧) في ط: الباجي بالباء.
(٨) هو: ثابت بن عمر بن المشيّع المقصاتي سيأتي في وفيات (٧١٣ هـ)
(٩) هو: عز الدين عبد الجليل، سيأتي في وفيات سنة (٧١٠ هـ)
(١٠) ليست في ب.
(١١) هو: محمد بن عبد الرحمن بن عمر، سيأتي في وفيات سنة (٧٣٩ هـ).
(١٢) هو جامع الأفرم. الدارس (٢/ ٤٣٥).
[ ١٦ / ٥٨ ]
محمد بن العز الحنفي (^١)، وحضر نائب السلطنة والقضاة وشكرت خطبة الخطيب به، ومد الصاحب شهاب الدين الحنفي سماطًا بعد الصلاة بالجامع المذكور، وهو الذي كان الساعي في عمارته، والمستحث عليها، فجاء في غاية الإتقان والحسن، تقبل الله منهم.
وفي ثالث ذي القعدة استناب ابن صَصْرَى القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الجعفري (^٢) خطيب داريا في الحكم عوضًا عن جلال الدين القزويني، بسبب اشتغاله بالخطابة عن الحكم.
وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة قدم قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البصراوي (^٣) إلى دمشق من القاهرة متوليًا قضاء الحنفية عوضًا عن الأذرعي، مع ما بيده من تدريس النورية والمقدميّة (^٤) وخرج الناس لتلقيه وهنؤوه، وحكم بالنُّورية، وقرئ تقليده بالمقصورة الكِنْديَّة [في الزاوية الشرقية، من جامع بني أمية] (^٥).
وفي ذي الحجة ولي الأمير عز الدين بن صبرة على البلاد القبلية والي الولاة، عوضًا عن الأمير جمال الدين أقوش الرُّستمي، بحكم ولايته شد الدواوين بدمشق، وجاء كتاب من السلطان بولاية وكالته للرئيس عز الدين بن حمزة القلانسي (^٦) عوضًا عن ابن عمه شرف الدين، فكره ذلك.
[وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشيخ تقي الدين من الحبس الذي يقال له: الجُب، فأرسل في طلبه فجيء به فقرئ على الناس فجعل يشكر الشيخ ويثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزهده، وقال: ما رأيت مثله، وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله، وأنه لم يقبل من أحد شيئًا لا من النفقات السلطانية] (^٧) ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنّس بشيء من ذلك] (^٨).
[وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه طلب أَخَوَا الشيخ تقي الدين: شرف الدين
_________________
(١) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٢ هـ)
(٢) في ط: الجعبري. سيأتي في وفيات سنة (٧٢٥ هـ).
(٣) علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البصراوي توفي سنة (٧٢٧ هـ). ترجمته في الدرر الكامنة (٦/ ٧٨) والنجوم الزاهرة (٢٦٨) والدرر (٣/ ٩٦) وفيها: ابن أبي القاسم.
(٤) النُّورية الكبرى، كان موضعها دارًا لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ بناها الملك نور الدين وفيه نظر، إنما الذي أنشأها الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين. والمقدميّة: داخل باب الفراديس. الدارس (١/ ٦٠٠ و٦٢١) ومنادمة الأطلال (ص ٢٠٦ و٢١٢)
(٥) ليست في ب
(٦) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٩ هـ)
(٧) إلى هنا وينتهي البياض المشار إليه من قبل.
(٨) في ب: ووصل كتاب من الشيخ تقي الدين بن تيمية وهو في الجبّ إلى نائب الشام الأفرم، فقرأه على الناس، وجعل يشكر من ديانته وعلمه وشجاعته، ويثني عليه بما هو مشتمل عليه في السجن.
[ ١٦ / ٥٩ ]
وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلار، وحضر ابن مخلوف المالكي، وطال بينهم كلام كثير فظهر شرفُ الدِّين بالحُجَّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة، وخطأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش، ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول] (^١).
[وفي يوم الجمعة أحضر شرف الدين أخو الشيخ تقي الدين وحده في مجلس نائب السلطنة سلار وحضر ابن عدنان، وتحكم معه الشيخ شرف الدين وناظره، وبحث معه وظهر عليه] (^٢).
وفي يوم الجمعة ثاني الجمعة ثاني عشر (^٣) ذي الحجة وصل على البريد من مصر نجم (^٤) الدين محمد بن الشيخ فخر الدين ابن أخي قاضي القضاة البصراوي (^٥) وزوج ابنته على الحِسْبة بدمشق عوضًا عن جمال الدين يوسف العجمي، وخلع عليه بطيلسان، ولبس الخلعة ودار بها في البلد في مستهل سنة سبع وسبعمئة وفي هذه السنة عُمر في حرم مكة بنحو مئة ألف
وحج بالنَّاس من الشام الأمير ركن الدين بيبرس المجنون (^٦)