استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي (^٣)، وسُلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون (^٤)، ونائب مصر الأمير سيف الدين بَكْتمُر أمير جُندار (^٥)، وقضاتُه هم المذكورون في التي قبلها، سوى الحنبلي فإنّه مسعود (^٦) الحارثي، والوزير بمصر الخليلي (^٧)، (^٨) ونائب الشام قَرَا سُنقر المنصوري، وقضاة دمشق هم هم، ونائب حلبَ قَبْجَق، ونائب طرابلس الحاج بَهَادر، والأفرم بصرخد.
وفي محرّم منها باشرَ الشَّيخ أمينُ الدين سالم بن أبي الدَّر (^٩) وكيل بيت المال إمام مسجد ابن هشام (^١٠) تدريس السّامية الجوانية، والشيخ صدر الدين سليمان بن موسى الكردي تدريس العذراوية، كلاهما انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصر، وكان قد وَفَدَ إلى المظفّر فأكرمه ورتَّبَ له رواتب (^١١) لانتمائه إلى نصرِ المَنْبِجِي (^١٢)، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهرًا أو سبعةً وعشرين يومًا، ثُمَّ استعاداهما منه، ورجعتا إلى المدرّسين الأولين: الأمين سالم، والصَّدر الكردي (^١٣).
_________________
(١) لم أقع له على ترجمة.
(٢) ليس في أوط.
(٣) في ب: ابن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن العباسي.
(٤) في ط: والشيخ تقي الدين بن تيمية مقيم بمصر معظمًا مكرمًا.
(٥) في الأصل وط وأ: خازندار وأثبتنا ما في ب والدرر الكامنة (١/ ٤٨٤). حيث قال: كان من قبل جوكندار، ثم صار أمير جندار، وقتل بالكرك سنة (٧١٦ هـ).
(٦) في ط: سعد الدين.
(٧) في ط: فخر الدين الخليلي.
(٨) في طوب: وناظر الجيوش فخر الدين كاتب المماليك.
(٩) في الأصل وأ: بن أبي الذرين وفي ط: الدرين. وأثبتنا في الدرر الكامنة (٢/ ١٣٢) والدارس (١/ ٣٧٧) وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٦ هـ).
(١٠) في ط: مسجد هشام.
(١١) في ط: وألزمه رواتب. وهو تحريف.
(١٢) ليست في ب.
(١٣) الدارس (١/ ٣٠٥ و٣٧٧).
[ ١٦ / ٨٧ ]
ورجع الخطيب جلال الدين (^١) إلى الخطابة في ثاني (^٢) عشرَ المحرم، وعُزل عنها البدر بن الحداد.
وباشر الصاحب شمس الدين (^٣) نظر الجامع والأسرى والأوقاف قاطبة يوم الإثنين، ثم خُلع عليه وأضيف إليه شرف الدين بن صَصْرَى في نظر الجامع، وكان ناظره مستقلًا به قَبْلَهما.
وفي يوم عاشوراء قدم أسَندَمِر إلى دمشق متوليًا نيابة حماة (^٤)، وسافر إليها بعد سبعة أيام.
وفي المحرم باشر بدر الدين بن الحداد نظر المارستان عوضًا عن شمس الدين بن الخطيري ووقعت منازعة بين صدر الدين بن الوكيل (^٥) وبين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية، وكتبوا في ابن الوكيل (^٦) محضرًا يتضمن من القبائح والفضائح والكفريات على ابن الوكيل (^٧)، فبادر ابن الوكيل إلى القاضي تقي الدين بن سليمان الحنبلي، فحكم بإسلامه وحَقَن دَمَه، وحَكَم بإسقاط التَّعزير عنه والحكم بعدالته واستحقاقه للمناصب (^٨) وأشهد عليه بذلك في شهر المحرم المذكور (^٩)، ولكن خرجت عنه المدرستان العذراوية لسليمان الكردي، والشَّامية الجوانية للأمين سالم، ولم يبق معه سوى دار الحديث الأشرفية.
وفي ليلة الإثنين السابع من صفر وصل النجم محمد بن عثمان البصراوي من مصر متوليًا الوزارة بالشام، ومعه توقيع بالحسبة لأخيه فخر الدين سليمان، فباشرا المنصبين بالجامع، ونزلا بدرب سفون الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء، ثم انتقل الوزير إلى دار الأعسر عند باب البريد، واستمر نظر الخزانة لعز الدين أحمد بن القلانسي أخي الشيخ جلال الدين.
وفي مستهل ربيع الأول باشر القاضي جمال الدين الزُّرَعي (^١٠) قضاء القضاة بمصر عوضًا عن ابن جماعة، وكان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ، وأُعيدت إلى الكريم الأملي وأُخذت منه الخطابة أيضًا.
_________________
(١) يعني القزويني.
(٢) في ط: سابع عشر. وفي أ: ثامن عشر، وأثبتنا ما في ب وهو الصواب، وقد مر ذكره في آخر الأحداث السنة الماضية.
(٣) في ب: شمس الدين غبريال.
(٤) النجوم الزاهرة (٩/ ١١) وفيه: عوضًا عن قبجق حيث نقل إلى نيابة حلب.
(٥) في الأصل وأ وط: المرحل، وأثبتنا ما في ب والدارس (١/ ٣٧٧).
(٦) في ط: إلى الوكيل.
(٧) ليست في ب والذي فيه: وهموا بكتابة محضر يتضمّن أشياء على ابن الوكيل. وهو أشبه.
(٨) ليست في ب، وفي ط: وكانت هذه هفوة من الحنبلي.
(٩) في ط: وكانت هذه هفوة من الحنبلي.
(١٠) هو: سليمان بن عمر بن سالم الزرعي. سيأتي في وفيات سنة (٧٣٤ هـ).
[ ١٦ / ٨٨ ]
وجاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحريري (^١) لقضاء الديار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الأول وخرج معه جماعة لتوديعه، فلما قدم على السلطان أكرمه وعظمه وولاه قضاء الحنفية وتدريس الناصرية والصالحية الناصرية والصالحية، وجامع الحاكم، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أيامًا ثم ما مات.
وفي نصف هذا الشهر مُسِكَ من دمشقَ سبعةُ أمراء، ومن القاهرة أربعة عشر أمير (^٢).
وفي ربيع الآخر اهتم السلطان بطلب الأمير سيف الدين سلار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه، ثم استخلصت منه أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فوَجَدَ معه من معه من الأموال والحيوان (^٣) والأملاك والأسلحة والمماليك والبغال [والجمال] (^٤) والحمير أيضًا والرباع شيئًا كثيرًا، وأما الجواهر والذهب والفضة، فشيء لا يحدُّ ولا يوصف من كثرته، وحاصل الأمر أنه قد استأثر (^٥) لنفسه طائفة كبيرة من بيت المال وأموال المسلمين تجري إليه، ويقال: إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريمًا محببًا إلى الدولة والرعية والله أعلم.
وقد باشر نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمان وتسعين إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشرين هذا الشهر، ودفن بتربته ليلة الخميس بالقرافة (^٦)، سامحه الله.
وفي ربيع الآخر درّس القاضي شمس الدين بن العز الحنفي (^٧) بالظاهرية عوضًا عن شمس الدين بن الحريري، وحضر عنده خاله الصَّدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقية القضاة والأعيان.
وفي هذا الشهر كان الأمير سيف الدين أسَندَمِر قد قدم دمشق لبعض أشغاله، وكان له حنو على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فاستنجز له مرسومًا بنظر دار الحديث وتدريس العذراوية، فلم يباشر ذلك حتى سافر أَسَنْدَمِر، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية، وذكر أنه وجد عنده شيء من المنكرات واجتمع عليه جماعةٌ من أهل الصالحيَّة من الحنابلة وغيرهم، وبلغ ذلك نائب السلطنة فكاتب فيه، فورد الجواب بعزله عن المناصب الدينية، فخرجت عنه دار الحديث الأشرفية وبقي بدمشق وليس بيده وظيفة لذلك.
فلما كان في آخر رمضانَ سافر إلى حلب فقرّر له نائبها أسَنْدَمِر شيئًا على الجامع، ثم ولاه تدريسًا
_________________
(١) هو: محمد بن عثمان بن عبد الوهاب الأنصاري. سيأتي في وفيات سنة (٧٢٨ هـ).
(٢) أيضًا النجوم الزاهرة (٩/ ١٣).
(٣) ليست في ب، وهو الأَشبه، لأنَّ الحيوانات ذكرت مفصلة بعد قليل.
(٤) سقطت من الأصل وأ وط وأثبتناها من ب.
(٥) في ب: استاق.
(٦) في النجوم الزاهرة (٩/ ١٨ - ١٩): دفن في تربة علم الدين سنجر الجاولي بجانب مدرسته بالقرب من جامع ابن طولون.
(٧) هو: محمد بن محمد بن الشيخ أبي العز الحنفي الأذرعي، سيأتي في وفيات (٧٢٢ هـ).
[ ١٦ / ٨٩ ]
هناك وأحسن إليه، وكان الأمير أسَندَمِر قد انتقل إلى نيابة حلب في جمادى الآخرة عوضًا عن سيف الدين قبْجَق، توفي، وباشر مملكة حماة بعده الأمير عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بن محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب.
وانتقل جمال الدين آقوش الأفرم من صَرْخَد إلى نيابة طرابلس عوضًا عن الحاج بَهَادر.
وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّملكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضًا عن ابن الوكيل (^١)، وأخذ في التفسير والحديث والفقه، فذكر من ذلك دروسًا حسنة، ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يومًا حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشَّرَيْشي، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضان.
وفي شعبان رسم قرَاسُنقُر نائب الشام بتوسعة المقصورة، فأُخِّرت سدة المؤذنين إلى الركنين المؤخرين تحت قبة النسر، ومنعت الجنائز من دخول الجامع أيامًا ثم أُذن في دخولها.
وفي خامس رمضان قدم فخر الدين إياس (^٢) الذي كان نائبًا في قلعة الروم (^٣) إلى دمشق شاد الدواوين عوضًا عن زين الدين كَتْبُغَا المنصوري (^٤).
وفي شوّال باشر الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي مشيخة الشيوخ بالديار المصرية عوضًا عن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الآملي (^٥) الذي توفي، وكان له تجريد وهمة، وخُلع على القونوي خِلعة سنيّة، وحضر سعيد السُّعَداء بها (^٦).
وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة خُلع على الصاحب عز الدين القلانسي (^٧) خلعة الوزراء بالشّام عوضًا عن النجم البصراوي بحكم إقطاعه إمرة عشرة وإعراضه عن الوزارة.
وفي يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة عاد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى تدريس الشامية البرانية (^٨).
_________________
(١) الدارس (١/ ٣١).
(٢) ويقال له: إياز بالزاي. سيأتي في وفيات سنة (٧٥٠ هـ).
(٣) هي قلعة حصينة غربي الفرات، مقابل البيرة، بينها وبين سميساط. ياقوت (٤/ ٣٩٠).
(٤) هذه الزيادة من ب: وولي وزارة مصر سيف الدين بكتمر الحاجب، عوضًا عن فخر الدين بن الخليلي، وخرج الركب الشامي في شوال، وأميرهم الأمير زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان شاد الدواوين. وهذا موافق لما في النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤).
(٥) في ط: الأيكي.
(٦) يعني: مشيخة الشيوخ.
(٧) هو: حمزة بن أسعد وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٩ هـ).
(٨) الدارس (١/ ٢٨٢).
[ ١٦ / ٩٠ ]
وفي هذا اليوم لبس تقي الدين ابن الصاحب شمس الدين بن السلعوس (^١) خلعة النظر على الجامع الأموي.
ومسك الأمير سيف الدين أسَندَمِر نائب حلب في ثاني عشر ذي الحجة ودخل إلى مصر (^٢).
وكذلك مُسِك نائب البيرة (^٣) سيف الدين طُوْغَان (^٤) بعده بليال.