وزوال دولة الملك المظفّر الجاشنكير بيبرس وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (^٧).
لما كان ثالث عشر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الأميران سيف الدين قُطلُوبَك والحاج بهادر إلى الكَرَك، وحصّاه على المجيء إليها، واضطرب نائب دمشق وركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان ومعه ابن صُبح صاحب (^٨) شَقِيفِ (^٩) أَرْنُونَ، وهُيِّئت بدمشق
_________________
(١) في ب: لصاحب الملك المظفّر.
(٢) "الخَمَّان": من نواحي البثَنَيه من أرض الشام، وهي بين دمشق وأذرعات. ياقوت.
(٣) هو أحد الأمراء بدمشق مات سنة (٧١٥ هـ)
(٤) وفي الدرر الكامنة (١/ ٥٠٩): العلائي، وفاته سنة (٧١٢ هـ) بالكَرَك.
(٥) في ط: بهادر. وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٠ هـ).
(٦) الخبر في: فوات الوفيات (٤/ ٣٥) والدرر الكامنة (٤/ ١٤٦) والنجوم الزاهرة (٨/ ٢٤٥) وبدائع الزهور (١/ ٤٣١).
(٧) ليست في ب
(٨) هكذا في ط وب وأ: "ابن صبح" وكذا هو في السلوك وعقد الجمان للعيني، ووقع في النجوم الزاهرة ٨/ ٢٦٥: صبيح بزيادة ياء، وما أثبتناه هو الأصوب إن شاء الله.
(٩) "الشَّقيف": كأمير: وهو كالكهف، أضيف إلى رجل رومي أو إفرنجي، وهو قلعة حصينة جدًّا في كهف من =
[ ١٦ / ٧٨ ]
أُبَّهةُ السلطنة والإقامات اللائقة به، والعصائب (^١) والكوسات، وركب من الكَرَك في أبهة عظيمة، وأرسل الأمان إلى الأفرم، ودعا له المؤذنون في المئذنة ليلة الإثنين سابع عشر شعبان وضع الناس (^٢) بالدعاء له والسرور بذكره، ونُودي في الناس بالأمان، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم، وشرع النّاسُ في الزينة، ودقت البشائر، ونام الناس في الأسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد، وخرج القضاة، والأمراء والأعيان لتلقيه.
قال كاتبه ابن كثير: وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة وبسط له من عند المصلى (^٣) وعليه أبهة الملك، وبسطت الشِّقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجَتر (^٤) على رأسه والأمراء السِّلَحْدارية عن يمينه وشماله، وبين يديه، والناس يدعون له ويضجُّون بذلك ضجيجًا عاليًا، وكان يومًا مشهودًا.
قال الشيخ علم الدين البرْزالي: وكان على السلطان يومئذ عمامة بيضاءُ، وكلوتة (^٥) حمراء، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السُّلطان الحاج بَهَادر، وعليه خلعةٌ معظَّمة مذهبة بفرو فاخم. ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبل الأرض بين يديه، فأشار إليه إني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق والأمراء بين يديه، فخُطب له يوم الجمعة (^٦).
وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق مطيعًا للسُّلطان، فقبّل الأرض بين يديه، فترجل له السلطان وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة على عادته، وفرح الناسُ بطاعة الأفرم له، ووصل إليه أيضًا الأمير سيف الدين قَبْجَق (^٧) نائب حماة، والأمير سيف الدين أَسَنْدَمِر (^٨) نائب طرابلس يوم الإثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الناس لتلقيهما، وتلقاهما السلطان كما تلقى الأفرم.
وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان (^٩)، وهنأة الناس
_________________
(١) = الجبل قرب بانياس من أرض دمشق بينها وبين الساحل. ياقوت والتاج (شقف).
(٢) في النجوم الزاهرة (٨/ ٢٦٥): الجَتْر.
(٣) في ط وصبح بالدعاء.
(٤) في ب إلى القلعة. والمصلَّى: هو مُصَلّى العيد خارج باب الجابية.
(٥) في ط: الجد. تحريف.
(٦) في ط: كاوثة. تحريف.
(٧) في ب: ودعا له الناس.
(٨) سيأتي في وفيات سنة (٧١٠ هـ).
(٩) في ط: أستدمر.
(١٠) في ب: وخلع عليه.
[ ١٦ / ٧٩ ]
وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلَّم عليه ومضى إلى الجَوْزيّة (^١) فحكم بها ثلاثة أشهر.
وأقيمت الجمعة الثانية بالمَيْدان (^٢) وحضر السُّلطان والقضاة إلى جانبه، وأكابر الأمراء والدولة، وكثير من العامة.
وفي هذا اليوم (^٣) وصل إلى السلطان الأمير قَرَاسُنقر المنصوري نائب حلب وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابع رمضان ومعه القضاة والقرّاء وقت العصر، وأقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضًا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، وفي صحبته ابن صَصْرَى وصدرُ الدين الحنفي قاضي العساكر، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والموقعون وديوان الجيش وجيش الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غَزّة دخلها في أبهة عظيمة، وتلقاه الأمير سيف الدين بَهَادر هو وجَمَاعَةٌ من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفّر قد خلع نفسه من الملك، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر إلى السلطان وأخبروه بذلك، فطابت قلوبُ الشَّاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر (^٤) وتأخر مجئ البريد بصورة ما جرى (^٥)، واتفق في يوم هذا العيد أنه خرج نائب الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري (^٦) المعروف بالمقصاتي (^٧) في السناجق إلى المصلّى على العادة، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين التُّونُسي (^٨) فلما وصلوا إلى المصلّى وجدوا خطيب المُصلّى قد شرع في الصلاة فنُصبت السناجق في صحن المصلى وصلّى بينهما تقي الدين المقصَّاتي ثمَّ خطب، وكذلك فعل ابن حسان (^٩) داخل المُصلَّى، فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم.
وكان دخولُ السُّلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخر يوم عيد الفطر من هذه السنة، ورسم لسلار (^١٠) أن يسافر إلى الشَّوْبَك (^١١)، واستنابَ بمصر الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الجَوْكَنْدار (^١٢) الذي كان نائبَ صَفَدٍ.
_________________
(١) تقع في سوق القمح، بالقرب من الجامع، أنشأها محيي الدين بن الجوزي المتوفى سنة (٦٥٦ هـ) الدارس (٢/ ٢٩).
(٢) في ب: الأخضر. ويعرف بالميدان الكبير، وميدان القصر الأعلى، وميدان المرج الأخضر.
(٣) في ب: بعد العصر.
(٤) ليست في ب.
(٥) في ط: الناصري. تحريف.
(٦) هو: ثابت بن عمر بن الشيخ الجزري، سيأتي في وفيات سنة (٧١٣ هـ).
(٧) في ط: المقضاي. وهو تصحيف.
(٨) هو: أبو بكر بن محمد بن قاسم المرسي النحوي الشافعي. مات تحت الضرب سنة (٧١٨ هـ).
(٩) هو: إمام المصلَّى، حيثُ الخطابة فيهم منذ مدة. الدارس (٢/ ٤١٩).
(١٠) في ب: لسيف الدين سلار.
(١١) هي قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة والبحر الأحمر، قرب الكرك. ياقوت (٣/ ٣٧٠).
(١٢) هو أمير جندار المنصوري، قتل في الكرك سنة (٧١٦ هـ). الدرر الكامنة (١/ ٤٨٤)
[ ١٦ / ٨٠ ]
وبالشّام الأمير شمس الدين قَرَاسُنْقر المنصوري (^١)، وذلك في العشرين من شوال، واستوزر الصاحب فخر الدين بن الخليلي بعدها بيومين (^٢)، وباشر القاضي فخر الدين (^٣) كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفر الحِلي (^٤)، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال، وكان من صدور المصريين وكبار الأعيان (^٥)، وقد روى شيئًا من الحديث، وصرف الأمير جمال الدين آقوش الأفرم إلى نيابة صَرْخَد، وقدم إلى دمشق الأميرُ زَين الدِّين كَتْبُغَا رأس نوبة الجمدارية [في عشرين شوال على] (^٦) شد الدواوين، وأستاذ دار الأستادارية عوضًا عن سيف الدين أَقْجَبا (^٧)، وتغيّرت الدولة، وانقلبت قلبة عظيمة.
قال الشيخ علم الدين البززالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معزّزًا مكرمًا مبجلًا، فوجّه إليه في ثاني (^٨) يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعُونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل (^٩)، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين ﵁، والناس يتردَّدُون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا حالَلْتُ كل من آذاني (^١٠).
قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من تعظيمه وإكرامه ممّا حصل له من الشكر والمدح من السلطان والحاضرين من الأمراء، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كان حاضرًا هذا المجلس (^١١)، ذكر لي أن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي
_________________
(١) وهو: قراسنقر الجوكندار الجركسي المنصوري، سيأتي في أحداث سنة (٧٢٨ هـ). سنة وفاته ببلاد التتار.
(٢) هو: عمر بن عبد العزيز بن الحسين، سيأتي في وفيات سنة (٧١١ هـ)
(٣) هو: صاحب ديوان الجيش. النجوم الزاهرة (٨/ ٢٨١)
(٤) ترجمته: الدرر الكامنة (٢/ ٢٤٥).
(٥) في الأصل وط وأ: وأعيان الكبار. وأثبتنا ما في: ب.
(٦) زيادة من ب.
(٧) توفي سنة (٧١٠ هـ). الدرر الكامنة (١/ ٣٩٣).
(٨) في ب: ثامن
(٩) في ط: حفل
(١٠) ليست في ب
(١١) ليست في ب
[ ١٦ / ٨١ ]
الدين بن تيمية (^١) نهض قائمًا للشيخ أوّل ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ بيده فذهب به إلى صُفّة (^٢) فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاءا ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمئة ألف في كل سنة، زيادة على الحالية، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام وأكابر العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني.
قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلّم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردّ على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسْكته برِفْقٍ وتُؤَدة وتوقير. وبالغ الشيخ في الكلام وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه (^٣)، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك. وقال للسلطان: حاشاك أن يكونَ أَوَّلُ مجلس جلسته في أبهة الملك تَنصُرُ فيه أهل الذمة لأجل حُطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ ردَّ ملكك إليك، وكبت عدوّك، ونصرك على أعدائك (^٤) فذكر أن الجاشْنَكير هو الذي جدَّد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاسنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبًا لك، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها. وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، بعلمه ودينه وقيامه (^٥) بالحق وشجاعته، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنَّهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنَّما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سَعَوْا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكرُ أن يُنالَ أحدٌ منهم بسوء وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حِل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.
_________________
(١) ليست في ب.
(٢) في ط: ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة.
(٣) ليست في ب.
(٤) ليست في ب.
(٥) في ط: ودينه وزينته.
[ ١٦ / ٨٢ ]
قال: فكان (^١) قاضي المالكية ابن مَخْلُوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية (^٢)، حَرَّضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفَحَ عنا وحاجَجَ عنا، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حل، وبعث الشيخ كتابًا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال، وقد أذلَّ الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله، وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولًا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وذكر كلامًا طويلًا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصَّغار والله سبحانه أعلم (^٣).
وفي شوال أمسك السُّلطان جماعة من الأمراء قريبًا من عشرين أميرًا (^٤).
وفي سادس عشر شوّال وقع بين أهل حوران من قيس ويمن، فقتل منهم مقتلة عظيمة جدًّا، قُتِلَ من الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السُّوَيْداء، وهم يسمونها يوم (^٥) السويداء، ووقعة السُّويداء (^٦)، وكانت الكسرة على يمن، فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشق في أسوأ حال وأضعفه، وهربت قيس خوفًا من الدولة، وبقيت القرى خالية والزروع سائبة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة قدم الأمير سيف الدين قَبْجَقُ المنصوري نائبًا على حلب (^٧) فنزل القصر ومعه جماعة من أمراء المصريين، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الأمراء والأجناد، واجتاز الأمير سيف الدين بَهَادر بدمشقَ ذاهبًا إلى نيابة طرابلس (^٨) والفتوحات السواحلية عوضًا عن الأمير سيف الدين
_________________
(١) في ط: وكان.
(٢) من هنا بياض قدر ورقة في الأصل. واستدركته من أ.
(٣) ليست في ب
(٤) النجوم الزاهرة (٩/ ١٣) وقد ذكر أنهم اثنان وعشرون، وأورد ثبتًا بأسمائهم.
(٥) ليست في ط.
(٦) ليست في ب.
(٧) ليست في ب.
(٨) في ط: طرابلس نائبًا.
[ ١٦ / ٨٣ ]
أسَندَمر (^١)، ووصل جماعةٌ ممَّن كان قد سافر مع السلطان إلى مصر في ذي القعدة منهم قاضي قضاة الحنفية صدر الدين الحنفي ومحيي الدين بن فضل الله وغيرهما.
قلت: وجلست يومًا إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصر، فقال لي: أتحبُّ ابن تيمية؟ قلت: نعم، فقال لي وهو يضحك: والله لقد أحببت شيئًا مليحًا، وذكر لي قريبًا مما ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابن القلانسي أتم.
مقتل الجَاشْنَكيري (^٢): كان قد فر الخبيث (^٣) في جماعة من أصحابه، فلما خرج الأمير سيف الدين قَرَاسُنقُر المنصوري من مصر متوجهًا إلى نيابة الشام عوضًا] (^٤) عن الأفرم، فلما كان بغزة في سابع ذي القعدة ضرب حلقة لأجل الصيد، فوقع في وسطها الجاشنكير في ثلاثمئة من أصحابه، فأحيط بهم، وتفرّق عنه أصحابه فأمسكوه، ورجع مع قَرَاسُنقُر وسيف الدين بَهَادر على الهجن، فلما كانوا بالخَطَّارة (^٥) تلقاهم أَسَنْدَمُر فتسلَّمه منهم، ورجعا إلى عسكرهم، ودخل به أسَندَمر على السلطان فعاتبه ولامه، وكان آخر العهد به، وقتل ودفن بالقرافة، ولم ينفعه شيخه المنبجي ولا أمواله، بل قتل شر قتلة (^٦).
ودخل قَرَاسُنقُر دمشقَ يوم الإثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة فنزل بالقصر، وكان في صحبته ابن صَصْرَى وابن الزَّمْلَكاني وابن القلانسي، وعلاء الدين بن غانم، وخلق من الأمراء المصريين والشاميين، وكان الخطيب جلال الدين القزويني قد وصل قبلهم يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر، وخطب يوم الجمعة على عادته، فلمّا كان يوم الجمعة الأخرى وهو التاسع والعشرون من الشهر خطب بجامع دمشق القاضي بدر الدين محمد بن عثمان بن يوسف بن حداد الحنبلي (^٧) عن إذن نائب السلطنة، وقرئ تقليده على المنبر بعد الصَّلاة بحضرة القضاة والأكابر والأعيان، وخلع عليه عقيب ذلك خلعة سنية، واستمر يباشر الإمامة والخطابة اثنين وأربعين يومًا.
ثم أُعيد الخطيب جلال الدين (^٨) بمرسوم سلطاني، وباشر يوم الخميس ثاني عشر المحرم من السنة الآتية
_________________
(١) في ط: أستدمر.
(٢) "الجاشنكير": هو لفظ فارسي ومعناه: التحدث في أمر السماط مع الأستادار. صبح الأعشى (٤/ ٢١). وترجمته في: الدرر الكامنة (١/ ٥٠٢) وابن خلدون (٥/ ٤٢٢) والنجوم الزاهرة (٨/ ٢٣٢) وبدائع الزهور (١/ ٤٣٥) وشذرات الذهب (٦/ ١٩).
(٣) ليست في ب.
(٤) إلى هنا وينتهي البياض المشار إليه من قبل.
(٥) في ط: كان. والخطارة: موضع قرب القاهرة من أعمال الشرقية. التاج (خطر).
(٦) ليست في ب.
(٧) سيأتي في وفيات سنة (٧٢٤ هـ).
(٨) سيأتي في أحداث السنة القادمة.
[ ١٦ / ٨٤ ]
وفي ذي الحجّة درّس كمال الدين بن الشِّيرازي (^١) بالمدرسة الشامية البرانية، انتزعها من يد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وذلك أن أسنْدَمِر ساعده على ذلك.
وفيها أظهر ملك التتر خَرْبَندا (^٢) الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء (^٣) أن لا يذكروا في خطبتهم إلا علي بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته، ولما وصل خطيب باب الأَزج (^٤) إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاء شديدًا، وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة، فأُقيم من أتمها عنه، وصلى بالناس وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهل البدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولم يحج فيها أحد من أهل الشام بسبب تخبيط الدولة وكثرة الاختلاف (^٥).